زهير عثمان
ليست أزمة اليسار السوداني اليوم أزمة تنظيم، ولا أزمة قيادة، ولا حتى أزمة تحالفات سياسية. فهذه كلها أعراض لمرض أعمق. الأزمة الحقيقية تكمن في أن اليسار، طوال ربع قرن من الصراع مع الحركة الإسلامية، نجح في بناء خطاب سياسي قوي ضد الاستبداد، لكنه لم ينجح في بناء خطاب فكري بديل يعيد تعريف الدولة، والدين، والهوية، والمواطنة من داخل التجربة السودانية نفسها.
لقد تحول الصراع بين اليسار والإسلاميين إلى صراع على السلطة أكثر من كونه صراعاً على إنتاج المعرفة ومن هنا جاءت المفارقة- كلما ازداد اليسار نجاحاً في معارضة النظام، ازداد فقراً في تقديم مشروع فكري يتجاوز تلك المعارضة. هذه ليست أزمة تكتيك سياسي، بل أزمة إنتاج معنى
أولاً- السياسة ليست الفكر
منذ مطلع الألفية، خاض اليسار السوداني معركته الأساسية ضد نظام الإنقاذ باعتباره نظاماً استبدادياً يستخدم الدين أداة للهيمنة السياسية
وقد أصاب في ذلك إلى حد بعيد؛ إذ كشف بنية الاستبداد والفساد، ودافع عن الحريات، وأسهم في الحفاظ على فكرة المقاومة المدنية
غير أن نجاح المعارضة السياسية لا يعني بالضرورة نجاح المشروع الفكري
فالسياسة تهدف إلى تغيير السلطة، بينما يسعى الفكر إلى إعادة تعريف العالم الذي تنتج فيه تلك السلطة شرعيتها
ثانياً- معركة ضد النظام… لا ضد المنظومة
كان نقد اليسار موجهاً أساساً إلى أداء الإسلاميين: الفساد، والمحسوبية، وقمع الحريات، واحتكار الدولة. لكن هذا النقد ظل في معظمه نقداً للممارسة، لا نقداً للبنية المعرفية التي أنتجت تلك الممارسة
فلماذا أصبح مفهوم “الحاكمية” مقنعاً لقطاع واسع من المجتمع؟ وكيف تحولت السلطة الدينية إلى سلطة اجتماعية؟ هذه الأسئلة لم تصبح محوراً لمشروع فكري متكامل، بل بقيت على هامش الخطاب السياسي
ثالثاً- اليسار داخل الملعب الذي بناه خصمه
هنا تكمن المفارقة الأعمق- ظل اليسار يظن أنه يحارب الإسلاميين، بينما كان يتحرك داخل الفضاء الذي بنوه ولقد أصبح السؤال هو من يحكم؟ وتلاشى السؤال الأهم الذي يقول كيف تُنتج الشرعية أصلاً؟ وبذلك نجح الإسلاميون، دون أن يعوا ذلك، في تحويل خصومهم إلى نسخة معدلة من ثنائيتهم – “نحن الدين، وأنتم العلمانية”، بينما الحقيقة أن السودان يحتاج إلى مشروع يتجاوز هذه الثنائية بكاملها , ومن هذه الزاوية، جعل الإسلاميون الدين والدولة محور السياسة، بينما تراجع النقاش حول الاقتصاد المنتج، والتعليم، والثقافة
رابعاً- أزمة المعنى بعد سقوط الإنقاذ
كان سقوط نظام الإنقاذ في عام 2019 لحظة اختبار حقيقية. فحين انتقل اليسار، أو بعض قواه، من المعارضة إلى المشاركة في إدارة المرحلة الانتقالية، ظهرت حدود المشروع الفكري
لقد امتلك خطاباً قوياً للاعتراض، لكنه لم يمتلك تصوراً متماسكاً لإدارة مجتمع متعدد، أو لإعادة بناء الدولة
وهنا ظهر فراغ لم يكن تنظيمياً فقط، بل معرفياً أيضاً , فالسلطة لا تُدار بالشعارات، بل بالأفكار والمؤسسات
خامساً- هل المشكلة في الإسلاميين أم في اليسار؟
يميل كثير من اليساريين إلى تفسير أزمتهم بقوة خصمهم، لكن السؤال الأهم: هل أنتج اليسار نظرية سودانية للدولة؟ أم بقي يستعير نماذج جاهزة من التجربة السوفيتية أو الأوروبية؟ إن الأزمة ليست في ضعف الاقتباس، بل في غياب الإبداع النظري
سادساً- من أيديولوجيا الصراع إلى فلسفة الدولة
لا يحتاج السودان اليوم إلى يسار يكرر أدبيات القرن العشرين، بل إلى تيار يعيد التفكير في الدولة السودانية، دولة لا تُعرّف نفسها بالدين ولا بمعاداته، بل بالمواطنة والعقد الاجتماعي
سابعاً- في زمن الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية
في عصر الخوارزميات ومنصات التواصل، تصبح أزمة إنتاج المعنى أكثر إلحاحاً. فلم تعد المعرفة تُنتج في الجامعات أو الأحزاب فقط، بل في الشبكات
اليسار الذي لا يملك مشروعاً معرفياً في هذا العصر، لن يجد لنفسه مكاناً في وجدان الأجيال الجديدة بكل صرحة اقولها , وإذا كان اليسار قد تأخر عن إنتاج خطابه في القرن العشرين، فإن تأخره في القرن الحادي والعشرين سيكون انتحاراً معرفياً قبل أن يكون انهياراً سياسياً
ربما كان الخطأ الأكبر أن اليسار ظن أن المعركة مع الإسلاميين هي معركة النهاية
لكن الحقيقة أن المعركة الحقيقية كانت دائماً مع نفسه. لقد كان الخاتم عدلان، قبل رحيله، يدرك هذه الأزمة حين كتب “أوان التغيير” محذراً من أن الحزب يخسر معركته الفكرية حتى قبل أن يخسر معركته السياسية
و لكن تحذيره مرّ كصوت في الصحراء، لأن ثقافة الحزب كانت تعتبر أن “التنظير” رفاهية في زمن المعارك
فتجديد اليسار لا يبدأ بتغيير القيادات، ولا بتحديث الشعارات، بل بجرأة واحدة هو أن أن يعترف بأن خصمه لم يكن نظاماً سياسياً فقط، بل طريقة كاملة في إنتاج المعنى والشرعية
ومادام اليسار عاجزاً عن إنتاج معنى جديد، فسيظل أسير معنى غيره
فالسؤال الذي يواجه اليسار اليوم ليس , كيف نعود إلى السلطة؟ بل و كيف نعود إلى إنتاج الأفكار؟ وكيف نصنع معنى يليق بزمن لا يحتمل التكرار؟
zuhair.osman@aol.com
