الحلقة الرابعة عشر.. أزمة القيادة والمؤتمر الاستثنائي
لم تلك الأناشيد الثورية والحماسية والأهازيج التي استقبل بها الشيوعيون المؤتمر الخامس بعد أربعة عقود من الزمان، واجترار الذكريات والبكاء على الأطلال، لم يك كل ذلك كافيا لصنع مؤتمر ناجح، فالمطلوب كان أكثر من ذلك، وربما فوق قدرة الكثيرين في ظل متغيرات كثيرة جرت وكان من واجب الحزب التصدي لها جنبا إلى جنب تصديه لأزماته الداخلية ومنها قضية أزمة القيادة بالحزب.
تحقيق: خالد فتحي : علاء الدين محمود
أزمة قديمة جديدة
حبر كثير دلق في سياق تناول أزمة القيادة في الحزب الشيوعي قبيل انعقاد المؤتمر، كان الكثيرون يرون فيها قيادة شائخة غير قادرة على مواجهة التحديات خاصة، وأنها مكثت في سنين عددا عقب آخر مؤتمر للحزب الشيوعي في العام 1967م، وهو المؤتمر الرابع للحزب والواقع أن أزمة القيادة أزمة قديمة داخل الحزب الشيوعي ولقد سبقنا بالذكر بأن المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي لم ينتخب القيادة وانما أجاز الترشيحات المقدمة من اللجنة المركزية والتي أفرزت قيادة على شكل صفقة أو مساومة ولم تكن بأي حال من الأحوال خلاصة الاختيار الحر لمناديب المؤتمر ليخرج المؤتمر الرابع بلجنة مركزية ضعيفة تمثلت فيها التيارات الانتهازية بوزن كبير بينما اصبح التيار الثوري الذي مثله عبد الخالق تيار أقلية داخل اللجنة المركزية، وبعد أن جاءت طامة 1971م عندما علقت قيادات الحزب على أعواد المشانق، استمرت ذات القيادة وتصدت لمهمة الحفاظ على جسد الحزب.
أمل تبدد
وكان الأمل معقود بأن يعقد مؤتمر خامس للحزب الشيوعي يحسم فيها أزمة القيادة تلك القيادة التي انحصرت في مجموعة معينة من المتفرغين، وفي الطريق الى المؤتمر الخامس كتب الاستاذ ابوبكر الامينالولوج إلى تفاصيل هذا (الفشل) القيادي أمر يخص أعضاء الحزب الشيوعي وهو فشل متعدد الأوجه وملئ بالتفاصيل وممتد لفترة ما بين المؤتمرين. لكن دعنا نأخذ قضية واحدة من بين مصفوفة القضايا التي تقاعست عنها قيادة الحزب الشيوعي فيما يتعلق بموضوع القيادة كما تناولناها أعلاه مثل قضية الدراسة الباطنية للواقع السوداني للوصول إلى إطار نظري عميق لتطوير استراتيجية الحزب وتاكتيكاته. فأين مثل هذه الدراسة للتطورات التي جرت خلال الفترة فيما بين المؤتمرين؟ حتى يستطيع الشيوعيون تطوير برنامجهم واغناء استنتاجات كدحهم الفكري السابق. وفي الحقيقة فإن قيادة الحزب الشيوعي تدخل على المؤتمر الخامس وهي خالية الوفاض من مثل هذه الدراسة ومن أي (تفهم نظري) (كما يقول عبد الخالق) لقضايا الثورة السودانية.
مثل هذه الدراسة ليست موضوعاً أكاديمياً محضاً، فهو أمر قد يتوفر عليه باحث واحد لكن الموضوع هنا متعلق بالتجربة الجماعية للحزب وجماع عقله العلمي المعتمد على النهج الجدلي وهو يقارب الواقع وتناقضاته واتجاهاته وبهذا فالموضوع متعلق بتجربة الحزب والدراسة متعلقة بالتلخيص النظري لمجموع التجارب المنفردة والملموسة لفروع الحزب ورؤيتها لواقعها وتركيب القوى المحيطة بها واتجاهاتها وهي تنشط حول مجال الفرع الحزبي، ولأن ذلك غير موجود صار من المستحيل أن تقدم مثل هذه الدراسة لمؤتمر الحزب لانه من المستحيل أن تنوب مجموعة من الدارسين عن الحزب مهما ارتفع شأنها وتأهيلها وعلا كعبها في المعرفة وهي في عزلة عن الخبرة الجماعية هذه المتراكمة خلال سني النضال والعمل اليومي وعلى الرغم من ان الحزب الشيوعي يضم كوكبة من المختصين وذوي التأهيل النظري إلا أن قيادة الحزب لم تستثمر ذلك الرصيد ضمن عملية الدراسة الباطنية لانها لم تطرح الأمر أصلاً كواجب على فرع الحزب وتوظيف القدرات الموجودة للقيام بالتعميمات الضرورية.
تأمين القبضة
لكن قيادة الحزب ظلت مشغولة في (تأمين) (قبضتها) القيادية على الفروع حتى لا (تفرفر) بحثاً عن مبادرة خارج إرادة (المركز) وحينها تم وأد أساس الدراسة المرجوة وانهار الركن الذي تقوم عليه أي (قيادة) مهما كانت لتهدي الشيوعيين سواء السبيل
ذات الوجوه مرة أخرى
كان المأمول أن يحل المؤتمر الخامس تلك المعضلة لكن المؤتمر جاء بذات الوجوه مرة أخرى إلى قيادة الحزب ليستمر نفس نمط التفكير وليستمر ذات البؤس الفكري والنظري في التصدي لقضايا الحزب ولقضايا الواقع السوداني.
لا جديد
لذلك لم يتفاجأ أحد عندما تلى الأستاذ الراحل التجاني الطيب بابكر عضو اللجنة المركزية المنتخب للحزب الشيوعي أسماء أعضاء اللجنة المركزية الجدد الذين انتخبهم المؤتمر العام الخامس للحزب الشيوعي السوداني، في المؤتمر الصحافي الذي عقد بدار الحزب الشيوعي كختام لفعاليات المؤتمر الخامس، لم يتفاجأ أحد والتجاني يتلو أسماء نفس الوجوه القديمة، ومصدر انعدام الباعث على الدهشة أن كل السيناريو الذي تلاه التجاني بابكر كان متوقعا. نفس الأسماء القديمة ها هي تعود مرة أخرى لقيادة الحزب ليأتي ذلك متوافقا مع توقعات العديدين أن ينتج المؤتمر الخامس نفس الوجوه القديمة وبالتالي نفس المنهج في القيادة ونفس طرائق التفكير ونفس الخط السياسي المهادن للحزب في مواجهة السلطة لتكون اللجنة المركزية بعد المؤتمر هي نفس اللجنة المركزية القديمة بعد المؤتمر مع تغييرات بسيطة وبالتالي هي نفس اللجنة المركزية التي لم تجتمع ـ كما قال تاج السر عثمان بابوـ بعد انقلاب الجبهة الإسلامية بعد مرور ست سنوات على تاريخ الانقلاب في عام 1995م وبالتالي وكما قال تاج السر نفسه غابت الرؤية لمواجهة نظام الانقاذ.
توسيع اللجنة
كلما جرى في المؤتمر الصحفي الذي عقد بدار الحزب الشيوعي السوداني لم يفعل غير أن قانم بتوسيع للجنة المركزية القديمة الحضور في ذلك المؤتمر الصحفي كانوا في انتظار الشباب خاصة وأن صحف الخرطوم نقلت على لسان قيادات في الحزب الشيوعي عن وجود شباب في التوليفة الجديدة للجنة المركزية إلا أن القائمة التي تلاها التجاني الطيب بابكر خلت من الوجوه الشابة فيما عدا الأستاذة هنادي فضل الله.
نقد يتحدث
وفي تصريح للأستاذ الراحل محمد إبراهيم نقد حول تلك القيادة وموقف بعض الشيوعيين منها بصحيفة “الجريدة” قال نقد “ممكن أن يصبح للعضو وجهة نظر مختلفة عن القيادة .. هؤلاء لا يتم فصلهم الفصل يتم في حالتي التكتل أو الانقسام، لكن طالما العضو متمسك بالمبادئ التنظيمية ويخضع لقرارات الحزب لن يفصل.. كذلك لا يصدر قرار فصل لعضو دون تحقيق” المؤتمر الصحفي وكذلك سألت الصحيفة الراحل نقد عن أن إعادة تنصيب القيادة أصاب الشباب بالإحباط؟ ليرد نقد قائلا: (مثل وجهة النظر هذه موجودة في السودان منذ فترة عبد الخالق محجوب وعبد الله خليل.. أنا لم أفرض نفوذ مالي أو طائفي أو أسري.. ربما (بعض هؤلاء)… “خلاص زهج”)، وحول سؤال الصحيفة لنقد عن لماذا فشل المؤتمر الخامس في تجديد القيادة وتحديدا إنتخاب سكرتير سياسي جديد؟ رد نقد قائلا: (مادام هذا الأمر “عامل ليكم وجع ضرس نريحكم منه”… هذه المسائل نوقشت في المؤتمر وفي مجلة الحزب.. أنا لم أنتخب نفسي .. الباقين هم من جاؤوا بي هل أقول لهم لا؟!!)
وكيف السبيل
ذاك المؤتمر الصحفي للحزب ختم أعماله بتوزيع بيان أصدره مؤتمر الحزب العام للحزب الشيوعي تعاهد خلاله المؤتمرون على «مواصلة» نضال الشيوعيين السودانيين من أجل بقاء السودان وطنا موحدا وديمقراطيا ومن أجل استكمال مهام التحول الديمقراطي غير أنها المهمة فيما يبدو الصعبة، فالقيادة التي كانت جزء من أزمة الحزب لا يمكن الا بصصعوبة بالغة ان تكون جزء من الحل.
المؤتمر الاستثنائي
وما هي إلا شهور قليلة مضت على انعقاد المؤتمر الخامس الذي عُقد بعد نحو اثنين وأربعين عاماً من المؤتمر العام الرابع حتى تنادى بعض من الرفاق إلى مؤتمر استثنائي لاستكمال ما تم في المؤتمر الخامس بمؤتمر إستثنائي تتواتر عليهم عبر الوسائط الإعلامية المختلفة وغيرها من السبل التي سلكها دعاة قيام المؤتمر الاستثنائي للحزب الشيوعي السوداني الذين تباينت أهدافهم من عقد المؤتمر العام الاستثنائي.
خلاف إيديولوجي
ولئن أفلح المؤتمر العام الخامس في حسم المرجعية الفكرية للحزب (الماركسية)، واسمه (الشيوعي)، إلى “حين” فإنَّه أخفق في إزالة الخلاف الإيديولوجي من بين صفوفه تماماً في ظل وجود تيارين رئيسيين لا يزالان يعيشان جنباً إلى جنب داخل الحزب وهم الذين يتطلَّعون إلى المحافظة على الماركسية (المنفتحة) مع الإبقاء على اسم الحزب الشيوعي أو تغييره، والذين يستعصمون بالماركسية اللينينة في نسختها السوفيتية مع الإبقاء، بطبيعة الحال، على اسم الحزب الشيوعي. وهو السبب الرئيسي وراء عجز المؤتمر العام الخامس عن تجديد الصف القيادي (القيادة التاريخية) للحزب إذ بدا للمراقب كما لو أنَّ توسيع صف اللجنة المركزية والإبقاء على (القيادة التاريخية)، لم يأت إلاَّ في سياق (تسوية) بين هذين التيارين من أجل الحفاظ على وحدة الحزب، أو جسد الحزب، وذلك على الرغم من أن دستور الحزب الشيوعي لا يسمح بوجود تيارات داخل الحزب.
سعاد تدعو للإستثنائي
بيد أن هذه التسوية تبدو غير مثالية، ولم تعد مجدية كما ترى بذلك القيادية التاريخية بالحزب الراحلة سعاد إبراهيم أحمد، فسعاد ساندت الدعوة التي اطلقها عدد من الشباب الشيوعيين بضرورة قيام مؤتمر استثنائي فهي قد دعت في حوار أجرته معها صحيفة (الحقيقة) في العام 2010 إلى ضرورة استكمال ما تم في المؤتمر العام الخامس عبر آخر استثنائي.
مؤتمر “كيفما اتفق”
وفيما يشبه الإقرار بأن المؤتمر الخامس لم يغطي معظم القضايا المطروحة على الحزب قالت سعاد كذلك أن المؤتمر الخامس كان ضرورة بأي صورة يأتي (كان سمح كان شين)، لكن لابد من استصحاب أنه قد تم بعد 42 عاماً من المؤتمر الرابع، وأن الفترة بين المؤتمرين شهدت انضمام الكثيرين واستشهاد البعض من أجل الحزب .
وقالت سعاد إبراهيم في ذلك الحوار إنها وقبل انعقاد المؤتمر الخامس، كانت تدعو أعضاء الحزب الذين عايشوا فترة المؤتمر الرابع إلى النزول للمعاش، وإفساح الطريق أمام الشباب، وتقول سعاد: (لكن اضطررنا أن لا نقوم بتلك الخطوة حفاظاً على وحدة الحزب فتوصلنا إلى معادلة أن نمزج جزءاً من القدامى بالتوافق، لذلك أتينا بمحمد ابراهيم نقد لكي يصبح سكرتيراً للحزب بالإجماع ووسعنا اللجنة المركزية لتسع 41 عضواً على أساس أن تحتوي على وجهات النظر المختلفة)
كرنفالية رائعة
وهو ما يجعل من إخفاق المؤتمر العام الخامس في تبديل (القيادة التاريخية) بأخرى (شابَّة) أحد أصوب الانتقادات التي وجهت للمؤتمر، وفقاً للشيوعي الشاب أحمد الحاج، الذي يرى كذلك أن المؤتمر العام الخامس للشيوعي لم يك سوى كرنفاليةٍ رائعة. ويدعو أحمد الحاج أيضاً إلى انعقاد مؤتمر اسثنائي للحزب الشيوعي تكون مهمته الرئيسة مراجعة الخط السياسي للحزب (إستراتيجية وتكتيك الحزب الشيوعي)، وانتخاب قيادة جديدة (تصحيح مسار العمل القيادي)، بغية الخروج بحزب موحَّد يُمثِّل تجسيداً حقيقياً لمبدأ (وحدة الفكر والإرادة)، وهو الامر الذي يبدو شبه مستحيل، وهو مستحيل لأن ذلك الأمر يتعلق باراداة قيادة الحزب وامكانياتها الفكرية والنظرية وموقفها من عملية التجديد نفسها لذلك بدت تلك العملية مستحيلة في ظل هيمنة (المتفرغين) الحزبيين والذين اتينا على ذكر افقارهم للحياة الحزبية وعدم القدرة على دفع الحزب الى الامام
دعوة رومانسية
وامام هذا الواقع وصف بعض المراقبين من داخل الحزب وخارجه الدعوة لمؤتمر استثنائي بالرومانسية ويبررون ذلك بأن قيام مؤتمر استثنائي في ظل سيطرة جهاز المتفرغين بالحزب الشيوعي يعد أمراً مستحيلاً ولا يمكن تحقيقه إلا عبر مواجهة المتفرغين لأنفسهم والاعتراف بأنهم فقدو الحس والالتصاق بقضايا الناس كما يقتضي الأمر، كذلك أن يواجه هذا الجهاز نفسه بأنه الأقل معرفة وأقل تجربة وهم فالقيادة الموجودة على رأس الحزب الشيوعي مجموعة لديها سلطة مطلقة تحدد الأجندة ووجوه المؤتمر كما يتولى كذلك تحديد ترتيب أعضاء اللجنة المركزية مما يعني أن عقد مؤتمر استثنائي في وجود ذات الوجوه (المتفرغة) لن يسفر عن جديد فهم الخصم والحكم .وبينما تتباين طرائق المطالبة بالمؤتمر الاستثنائي بين المطالبين، يرى أعضاء باللجنة المركزية الحالية للحزب الشيوعي أن الحديث في الأمر سابق لأوانه، حيث رفض بعضهم حول الأمر، فيما آثر آخرون إرجاءه لوقت آخر إلى أن يحين، تظل المطالبة بمؤتمر استثنائي للحزب الشيوعي السوداني هي الأبرز في ساحة الحزب ولو إلى حين غير أن الاستاذ محمد إبراهيم نقد كان قد صرح في الحوار الذي اشرنا اليه مع صحيفة “الجريدة” حول دعوة الراحلة سعاد ابراهيم أحمد لقيام مؤتمر إستثنائي بالقول: ” ممكن.. إذا وافق الجميع على ذلك.. ولكن مالذي يستدعي؟؟!!حديث سعاد او غير سعاد لا يثير عندي “رجة”.. هي وجهة نظر أتفق معها أو اختلف ولكن ليس ممنوعا التعبير عن وجهة النظر.” وسألت ذات الصحيفة محمد ابراهيم نقد مرة أخرى الن تضع أنت عقبات أمام أي تحرك لعقد مؤتمر استثنائي؟ أجاب نقد قائلا “ولماذا أكون عقبة؟!.. للناس الحق في التعبير عن اراءهم .. أنا لست حريصا على زعامة .. هذا ليس “رأسمالي” .. الانتهازية أن تحاول أن ترضي كل الناس.. انا احضر اجتماعات الحزب واجتماعات القيادة .. ما تقوله ليس خارج عن المألوف .. أنا لست “معبود الجماهير” ومن يعتقد أنه كذلك هو شخص “مودر” .. لابد أن يختلف الناس معك بصرف النظر عن الطريقة التي يعبرون عنها.”
إقرار بالفشل
ويبرر البعض بأن دفع بعض القيادات الشيوعية بمطلب المؤتمر الاستثنائي يحمل إقرار بفشل المؤتمر الخامس في حسم كثير من القضايا بما فيها الموقف من المرجعيات الفكرية للحزب والتي يبدو أنها قضية مرحلة الى وقت لا ريب فيه ات في ظن من ظلوا يطالبون بالتراجع عن المرجعيات الفكرية للحزب وتحديدا النظرية الماركسية وإسم الحزب “الشيوعي” ، وهي تبدو مرحلة أو مؤجلة لكون أن المؤتمر ومن خلال وثائقه افرغ كثيرا من المفاهيم الفكرية من محتواها.. الى جانب ذلك فشل المؤتمر الخامس في حل أزمة القيادة وظل ذات جهاز المتفرغين ممسكا بدفة قيادة الحزب.
الحلقة القادمة.. اليسار العربي.. تساؤلات حيرى
khalid2474@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم