نزار عثمان السمندل
اندفعت الحرب السودانية طويلاً تحت لافتات كبرى: الكرامة، السيادة، إنقاذ الدولة، وحماية البلاد من السقوط الكامل. غير أن تسجيلاً قصيراً للقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع علي عبدالله رزق الله، الشهير بـ«السافنا»، أزاح الغبار عن وجه آخر للحرب؛ وجهٍ تتداخل فيه البنادق مع دفاتر الحسابات، وتتحول فيه الولاءات إلى أرقام قابلة للتفاوض، بينما يتراجع المعنى الأخلاقي للصراع تحت وقع الجوع والدم والإنهاك.
انشقاق «السافنا» بدا في لحظته الأولى انتصاراً دعائياً لمعسكر الجيش. احتفاء واسع، مؤتمرات صحافية، وتعليقات تتحدث عن تصدعات تضرب خصم الخرطوم من الداخل.
غير أن المشهد لم يحتمل طويلاً هذا الإيقاع الاحتفالي. تسريب مصور للرجل نفسه قلب الرواية على رأسها، بعدما تحدث بصراحة عن أموال تلقاها مقابل انتقاله إلى الضفة الأخرى، بل ذهب أبعد من ذلك حين شجع آخرين على اتخاذ الطريق ذاته إذا توفرت «الضمانات» المالية.
هنا تبدلت صورة الحدث. لم يعد السؤال متعلقاً بقائد ميداني غيّر بندقيته من كتف إلى آخر، وإنما بطبيعة الحرب نفسها. أيُّ معركة تلك التي يصبح فيها الانشقاق أقرب إلى صفقة؟
وأيُّ يقين عسكري يمكنه الصمود حين تدخل الأموال إلى غرف تبديل المواقف؟
البلد الذي دخل عامه الرابع تحت هدير المدافع، يبدو اليوم أكثر إنهاكاً من أن يحتفظ برواية نقية. عشرات آلاف القتلى، ملايين النازحين، مدن تحولت إلى مقابر مفتوحة، وسماء مكتظة بالطائرات المسيّرة والغارات الجوية.
الأرض فقدت ملامحها القديمة. الجيش استعاد ولايات الوسط والشرق، فيما أحكمت المليشيا قبضتها على دارفور وأجزاء من الجنوب، ثم تمددت المعارك نحو كردفان والنيل الأزرق، في مشهد يوحي بأن البلاد تتحرك ببطء نحو تفكك لا يملك أحد القدرة على إيقافه.
وسط هذا الخراب، جاء تسجيل «السافنا» ليمنح معسكر لا الحرب مادة سياسية تؤكد واقعية دعوتهم التي ما انفكوا عن ترديدها لوقف هذا القتال العبثي الذي أنهك البلاد واهلها.
القيادي في تحالف «صمود» خالد عمر يوسف قرأ الفيديو باعتباره لحظة سقوط مدوية للروايات التي جرى تسويقها طوال الشهور الماضية.
كلمات الرجل حملت قدراً كبيراً من الغضب، لكنها كشفت أيضاً عن حجم التآكل الذي أصاب الخطاب السياسي والعسكري في السودان. فحين يتباهى قائد ميداني بالمبالغ التي تلقاها مقابل تبديل موقعه، تصبح الحرب أقرب إلى سوق مفتوحة تتنافس فيها الأطراف على شراء الرجال، بينما يبقى المواطن وحيداً تحت الأنقاض.
التعبير الذي استخدمه خالد عمر يوسف عن «مشروع سلطوي» لم يأتِ من فراغ. الحرب أخذت، مع الوقت، طابعاً يبتعد عن الشعارات الأولى، ويقترب من صراع البقاء داخل السلطة. الإسلاميون الذين يحاولون استعادة نفوذهم، والعسكر الذين يخشون خسارة الدولة، ومليشيا «الدعم السريع» التي تقاتل دفاعاً عن وجودها، جميعهم يدفعون البلاد نحو حفرة أعمق، فيما تتآكل المسافة بين السياسة والتوحش.
المثير أن الردود داخل معسكر المليشيا حملت بدورها دلالات لافتة.
شقيق «السافنا»، محمد رزق الله، لم يتحدث بلغة العاطفة العائلية، وإنما بلغة التنظيم والسلاح والقسم. قال بوضوح إن الرجل «يمثل نفسه»، وإن المجموعة التي قاتلت دفعت أثمانها بينما كان شقيقه في السجن.
كلمات بدت كأنها إعلان براءة ميدانية من قائد سابق، ورسالة بأن الروابط داخل هذه الحرب لم تعد تُقاس بالدم أو القرابة، وإنما بمدى الالتزام بالبقاء داخل ماكينة القتال.
التسجيلات اللاحقة لقادة آخرين في المجموعة نفسها مضت في الاتجاه ذاته. حديث عن «تمرد فردي»، وعن وحدات تعمل بصورة طبيعية، وعن قيادة لم تتأثر بغياب الرجل. كأن الجميع يسارع إلى دفن أثر الانشقاق قبل أن يتحول إلى عدوى.
غير أن الضرر الحقيقي وقع بالفعل. صورة الحرب تصدعت أكثر. ذلك لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في حروب مثل هذه ليس الانشقاق نفسه، وإنما انكشاف المعنى الذي يحركه.
حين تصبح البنادق قابلة للبيع، وتتحول المواقف إلى مزاد، يدخل الوطن مرحلة أشد قسوة من المعركة العسكرية.
مرحلة يفقد فيها الناس قدرتهم على تصديق أي شعار، وأي خطاب، وأي وعد بالخلاص.
