د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
يمثل السودان أحد أكثر الحالات تعقيداً في أفريقيا من حيث إعادة الإعمار بعد النزاعات، إذ تداخلت الحرب الأهلية الأخيرة منذ أبريل 2023 مع انهيار اقتصادي ممتد منذ عقود، وتراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، وتدهور البنية التحتية في المدن الكبرى مثل الخرطوم، ونيالا، والجنينة، وود مدني (World Bank, 2022). وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 10 ملايين شخص نزحوا داخلياً وخارجياً نتيجة النزاع، مما خلق ضغطاً هائلاً على الخدمات الأساسية وسوق العمل (UNCTAD, 2021).
تُظهر تجارب الدول الخارجة من النزاعات أن تكلفة إعادة الإعمار عادة ما تتراوح بين 15% إلى 30% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً خلال السنوات الأولى بعد الحرب، وقد ترتفع في الحالات الشديدة مثل رواندا والبوسنة وأفغانستان (Collier, 2007). وبالنسبة للسودان، فإن ضعف القاعدة الإنتاجية قبل الحرب، حيث كان الناتج المحلي الإجمالي في حدود 30–35 مليار دولار قبل 2023 وفق تقديرات البنك الدولي، يجعل فجوة التمويل أكبر بكثير من المتوسط العالمي (World Bank, 2022).
يعتمد تمويل إعادة الإعمار على أربعة محاور رئيسية: التمويل العام المحلي، التمويل الخارجي، الاستثمار الخاص، وتمويل الشتات، إضافة إلى أدوات الدين والشراكات بين القطاعين العام والخاص.
يمثل التمويل العام المحلي القاعدة الأساسية لأي عملية إعادة إعمار، لكنه في السودان يواجه قيوداً بنيوية حادة. إذ لا تتجاوز نسبة الإيرادات الضريبية في بعض السنوات 6–8% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي من أدنى النسب في أفريقيا (Fukuyama, 2014). كما أن الاقتصاد غير الرسمي يشكل أكثر من 60% من النشاط الاقتصادي، مما يقلل من قدرة الدولة على تعبئة الموارد. وتزيد الحرب من تآكل الإيرادات بسبب توقف الإنتاج في قطاعات مثل الزراعة في الجزيرة والنيل الأزرق، وتراجع الصادرات من الذهب والصمغ العربي.
في هذا السياق، يصبح إصلاح النظام الضريبي ضرورة مركزية، ويشمل توسيع القاعدة الضريبية عبر إدخال الاقتصاد غير الرسمي تدريجياً، وتحديث الإدارة الضريبية باستخدام الرقمنة، كما حدث في رواندا التي رفعت إيراداتها الضريبية بنسبة كبيرة خلال عقد واحد عبر التحول الرقمي (World Bank, 2017). كما يمكن إعادة توجيه الإنفاق العام من القطاعات الأمنية التي كانت تستحوذ على نسب مرتفعة من الميزانية نحو قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية.
أما التمويل الخارجي، فيشكل المصدر الأكثر أهمية في المراحل الأولى بعد النزاع. ويأتي عبر البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، والاتحاد الأوروبي، وصناديق التنمية العربية. وتشير تجربة السودان التاريخية إلى أن البلاد كانت مؤهلة للاستفادة من مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC) التي يمكن أن تخفف ما يصل إلى 90% من الدين الخارجي في بعض الحالات (IMF, 2020). ويُقدَّر الدين الخارجي للسودان قبل الحرب بأكثر من 50 مليار دولار، وهو ما يشكل عبئاً شبه كامل على الموازنة العامة.
وتلعب المساعدات الإنسانية دوراً مهماً في المراحل الأولى، كما حدث في دارفور بين 2004 و2010، حيث تدفقت مليارات الدولارات من الأمم المتحدة والوكالات الإنسانية لدعم الغذاء والصحة والمياه. لكن التحول من الإغاثة إلى التنمية يتطلب وجود حكومة مستقرة وخطة وطنية واضحة لإعادة الإعمار.
الاستثمار الأجنبي المباشر يمثل محوراً أساسياً في إعادة بناء القطاعات الإنتاجية. السودان يمتلك موارد طبيعية ضخمة، بما في ذلك أراضٍ زراعية تُقدّر بـ 200 مليون فدان، واحتياطيات ذهب تُنتج رسمياً أكثر من 80 طناً سنوياً في بعض الفترات، إضافة إلى ثروة حيوانية تُعد من الأكبر في أفريقيا (UNCTAD, 2021). ومع ذلك، فإن ضعف البيئة القانونية، وعدم الاستقرار السياسي، وغياب البنية التحتية للنقل والكهرباء، كلها عوامل تحد من تدفق الاستثمار.
تجارب دول مثل إثيوبيا في المنطقة تظهر أن إنشاء مناطق اقتصادية خاصة في أديس أبابا وميكيلي ساعد في جذب استثمارات صناعية في النسيج والجلود، وهو نموذج يمكن تطبيقه جزئياً في السودان في مناطق مثل بورتسودان وكسلا إذا توفرت بيئة أمنية مستقرة (OECD, 2018).
أما تمويل الشتات السوداني، فهو عنصر مهم لكنه غير مستغل بشكل كافٍ. تشير التقديرات إلى أن تحويلات المغتربين السودانيين تتراوح بين 2 إلى 4 مليارات دولار سنوياً في السنوات المستقرة نسبياً، ويمكن أن تزيد بشكل كبير إذا تم إنشاء أدوات مالية رسمية مثل “سندات الشتات” كما في حالة الهند والفلبين (Ratha, 2016). ويمكن توجيه هذه الأموال نحو مشاريع الإسكان في الخرطوم وأم درمان، وإعادة بناء المدارس والمستشفيات في دارفور.
أدوات الدين وإعادة الهيكلة تمثل محوراً حساساً، إذ أن السودان ظل خارج النظام المالي الدولي لفترات طويلة. برامج تخفيف الديون مثل HIPC وMDRI يمكن أن تعيد جدولة أو إلغاء جزء كبير من الديون، مما يخلق مساحة مالية قد تصل إلى مليارات الدولارات سنوياً في خدمة الدين (IMF, 2020). لكن نجاح ذلك يتطلب التزاماً صارماً بالإصلاحات الاقتصادية والحوكمة.
الشراكات بين القطاعين العام والخاص (PPP) أصبحت أداة مركزية في تمويل البنية التحتية. في دول مثل المغرب ومصر، ساهمت هذه الشراكات في تمويل مشاريع طرق وكهرباء وموانئ بمليارات الدولارات. وفي السودان يمكن تطبيق النموذج في مشاريع مثل إعادة تأهيل مطار الخرطوم، وتطوير ميناء بورتسودان، ومحطات الكهرباء في سد مروي.
لكن التحديات في السودان تبقى كبيرة. فضعف المؤسسات المالية، وتعدد مراكز السلطة، واستمرار النزاعات المحلية في إقليم دارفور والنيل الأزرق، إضافة إلى انتشار الفساد، كلها عوامل تعيق فعالية التمويل (Fukuyama, 2014). كما أن النظام المصرفي يعاني من ضعف رأس المال وانخفاض الثقة، مما يحد من قدرته على استيعاب التدفقات المالية الكبيرة.
تجارب دول مثل سيراليون وليبيريا بعد الحروب الأهلية تظهر أن نجاح إعادة الإعمار يعتمد على ما يسمى “نافذة السلام المبكر”، حيث يكون التدخل المالي المكثف خلال أول 3 إلى 5 سنوات حاسماً في منع العودة إلى النزاع (Collier, 2007). وفي السودان، فإن استغلال هذه النافذة يتطلب خطة وطنية موحدة لإعادة الإعمار تربط التمويل بالإصلاح المؤسسي وبناء السلام.
في النهاية، فإن تمويل إعادة إعمار السودان يتطلب مزيجاً معقداً من الموارد المحلية والدولية والخاصة، مع إصلاحات هيكلية عميقة في الدولة والاقتصاد. ولا يمكن لأي مصدر منفرد أن يغطي فجوة التمويل الضخمة، التي قد تمتد إلى عشرات المليارات من الدولارات خلال العقد الأول بعد الحرب، مما يجعل التنسيق الدولي والحوكمة الرشيدة شرطين أساسيين لنجاح العملية.
المراجع
Collier P. The Bottom Billion: Why the Poorest Countries are Failing and What Can Be Done About It. Oxford: Oxford University Press; 2007.
Fukuyama F. Political Order and Political Decay. New York: Farrar, Straus and Giroux; 2014.
International Monetary Fund (IMF). Debt Relief Under the Heavily Indebted Poor Countries Initiative. Washington (DC): IMF; 2020.
OECD. Blended Finance: Mobilising Resources for Sustainable Development. Paris: OECD Publishing; 2018.
Ratha D. Migration and Remittances Factbook 2016. Washington (DC): World Bank; 2016.
UNCTAD. World Investment Report 2021. Geneva: United Nations; 2021.
World Bank. Public-Private Partnerships Reference Guide. Washington (DC): World Bank; 2017.
World Bank. World Development Report 2011: Conflict, Security, and Development. Washington (DC): World Bank; 2011.
World Bank. Sudan Economic Monitor: Toward Productive Reconstruction. Washington (DC): World Bank; 2022.
