العميد علي رزق الله السافنا قائد ميداني لا يشق له غبار كان له الأثر الكبير في عمليات قوات الدعم السريع بمحور الصحراء وعمليات شمال دارفور وتحرير الفاشر، انشقاقه ليس بالأمر السهل الذي يستسهله المحللون ذوو النزعة الرغبوية، وانشقاقه يفتح باب النقد واسعاً تجاه قيادة قوات الدعم السريع والأخطاء الاستراتيجية القاتلة التي ارتكبتها ما أدى لزلزال الانشقاقات الذي ابتدره اللواء النور القبة، فالمثل السوداني يقول : (العود لو ما فيه شق ما بقول طق) وما اكثر شقوق عود هذه القوات التي أصبحت أمل السودان والاقليم والعالم في دحر نفوذ الاخوان – النظام القديم، لقد نبّه الحريصون على المسيرة من مغبة تغافل النهج القبلي في إدارة الشق العسكري والأمني بهذه القوات، لقد كانت ظاهرة الفزع هي التي رجحت كفة قوات الدعم السريع في معاركها مع الجيش، وغالب القادة الذين برزوا في المعارك وحققوا النصر تلو النصر دفعت بهم الحمية القبلية والجهوية وتراكم المظالم التاريخية لقطاعات واسعة من مجتمعات دارفور وكردفان والنيل الأزرق، الخلل جاء من اهمال نضالات هؤلاء القادة وتهميش اهلهم الفازعين، لم يجدوا الاختفاء الذي يليق بهم بعد أن قدموا الغالي والنفيس، فمثلاً الشهيد اللواء عبد الله حسين من أوائل الثابتين بمعركة المدينة الرياضية ومعه أبناء اهله لكن لم يجد الاحتفاء الذي يليق به حتى بعد أن قدم روحه شهيداً من أجل القضية وكثيرين غيره نال الغبن من مجتمعاتهم مكانةعلية.
القبيلة هي الرافد الأساسي لقوات الدعم السريع وتحديداً القبائل الرعوية بقطاعي السافنا والصحراء وهذه حقيقة لا يجب أن يمحوها ترف الساسة الناقمين على القبائل، هذه القبائل هي أساس ورأس قوات الدعم السريع ولولاها لما تحققت هذه الانتصارات المتتالية ورموزها يجب أن يكونوا محط اهتمام من القيادة، ومن هذا الباب يجب ذكر قبيلة المحاميد التي يتزعمها الشيخ موسى هلال، وهي من القبائل التي ابلت بلاء حسنا في معركة المصير، التي استهدف العدو فيها الحواضن الاجتماعية، وهي التي قدمت اللواء القبة والعميد السافنا وآلاف الجنود وضباط الصف، يجب أن لا تكون رواسب الخلاف بين قائد قوات الدعم السريع وزعيم المحاميد إيان حقبة البشير دافعاً للتشظي، ويعتبر ذهاب موسى هلال لحضن الفلول البائس خسارة كبيرة، وفشل مهين يحمل وزره الحراك الأهلي والاجتماعي الذي سعى لرأب صدع الخلاف بين الرجلين، هنالك تجاذبات أخرى بين بعض القبائل والقيادة نرجو من حكماء المؤسسة تلافي خطر تكرار الفشل مرة أخرى، فصلب المؤسسة وعمودها الفقري هو الإسناد البشري القادم من هذه القبائل، والتعويل على مكونات اجتماعية دون أخرى يدخل المؤسسة في مشكلة صناعة بؤر للتوتر والغبن القبلي سيؤثر على الميدان وعلى التحالفات العسكرية والسياسية، من اكبر التحديات التي واجهت حركات الكفاح المسلح هي هذه المعادلة القبلية، اتي فشلت قيادة الحركات في ضبط ايقاعها.
نفس الخلل في التوازنات القبلية كان سبباً في تفكك الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق، حينما انشقت قبيلتي النوير والشلك تدهورت الحركة عسكرياً وسياسياً ولو لا لطف الله لانتهت بدخول لام اكول ورياك مشار (حضن الوطن) عبر اتفاقية السلام من الداخل التي انجزها النائب الأول آنذاك الراحل اللواء الزبير محمد صالح، على قيادة قوات الدعم السريع أن تقرأ من كتابي الحركة الشعبية -قرنق وحركات دارفور المسلحة لكي تتلافى الأخطاء الانشقاقية التي تمرحلت عبرها تلك الحركات العسكرية، وكل من يقلل من أهمية هذه الانشقاقات ويصفها بالحالات الفردية يعتبر شخص غير مدرك لدور القبيلة في الصراعات المسلحة في السودان، ما حدث من انشقاق “القبة” و”السافنا” لا يخرج من إطار الغبن القبلي والتنافس البيني والتهميش الداخلي وسطوة العشيرة على مركز القرار، نفس السيناريوهات التي مرت بها حركتا العدل والمساواة وتحرير السودان بعدما سيطر على الأولى آل فضيل والثانية آل دقين، فانحرف المنفستو عن القضايا العامة وتحول لخدمة مشروع القبيلة و العشيرة الذي رأينا تجلياته في ما يسمى بالقوات المشتركة، التي تمثل خلاصة تجربة الحركات الثورية المنتهية الى عصابات تمتهن الارتزاق والانتفاع من بيع دماء شباب القبيلة، الأمر الذي سمم الحياة السياسية وافسد الانتقال المدني الديمقراطي، وأطال أمد الحرب وعقّد من مهمة الوساطة وخلق أزمة إقليمية ودولية حادة.
إسماعيل عبدالله
Ismeel1@hotmail.com
