أثار تصريح حديث لأحد القيادات الإسلامية، في صورة فتوى تحرم الانضمام إلى المليشيات المسلحة، تساؤلات حول العلاقة بين الفتوى والسياسة. ويبدو أن هذه الفتوى تخدم تكتيكاً سياسياً جديداً لفلول النظام السابق، غير أن اللافت فيها أن صاحبها لم يطرح رأيه بوصفه اجتهاداً شخصياً، وإنما ألبسه ثوب الفتوى ليكتسب صفة الإلزام لدى أتباعه.
غير أن الخطأ يكمن في الاعتقاد بأن مفهوم “الفتوى” يقتصر على الحركات الإسلامية. فالفتوى، بالمعنى السياسي، هي قدرة القيادة الكاريزمية داخل التنظيمات العقائدية على تحويل تقديراتها السياسية إلى قرارات ملزمة للأعضاء، حتى وإن لم تُسمَّ فتوى.
ومن هذا المنظور يثور سؤال مهم عند دراسة تجربة الحزب الشيوعي السوداني. ففي تقديري، لم يكن موقف الحزب من التعددية السياسية موقفاً مبدئياً ثابتاً، وإنما كان أقرب إلى موقف تكتيكي؛ إذ يستفيد الحزب من مناخ الحريات العامة والعمل الجماهيري إلى أن تنضج، وفق أدبياته، “العوامل الذاتية والعوامل الموضوعية” لإنجاز الثورة الوطنية الديمقراطية، حيث تتولى الطبقة العاملة، بقيادة حزبها الطليعي، استلام السلطة.
ولكن من الذي يحدد أن تلك العوامل قد نضجت؟ ومن الذي يقرر أن لحظة الانقضاض على السلطة قد حانت؟
هنا يبرز، في رأيي، مفهوم “الفتوى السياسية”. ففي التنظيمات العقائدية لا تُحسم مثل هذه القضايا باستفتاء القواعد أو بحوار مفتوح، وإنما بقرار القيادة العليا التي تحتكر سلطة تقدير اللحظة التاريخية المناسبة.
وفي هذا السياق تكتسب شهادة البروفيسور فاروق محمد إبراهيم النور أهمية خاصة. ففي مقاله “صعود وانهيار مشروع الثورة الوطنية الديمقراطية”، ذكر أن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في عام 1970 قررت بوضوح أن خط الحزب هو إسقاط نظام مايو، وأضاف أن من ينكر أن ذلك كان يعني، في ظروف ذلك الزمان، اللجوء إلى العمل العسكري، فإنه يتعمد إخفاء الحقيقة.
كما أشار إلى أن عبد الخالق محجوب رفض الخوض في تفاصيل التنظيم العسكري، وأنه هو نفسه لن يكشف تلك التفاصيل حتى لا تصبح أسرار العمل العسكري متداولة “في المقاهي مثل مقهى خباز”، في إشارة إلى ضرورة الحفاظ على السرية التنظيمية.
ولا شك أن هذه الشهادة تثير سؤالاً مهماً: إذا كانت القيادة قد قررت إسقاط النظام، فمن الذي كان يملك سلطة إصدار هذا القرار؟ ومن الذي حدد أن الظروف الذاتية والموضوعية قد نضجت؟ إن الإجابة، وفق هذا المنطق، لا تخرج عن القيادة التاريخية للحزب، وعلى رأسها عبد الخالق محجوب، وهو ما يجعل قرار الانتقال من العمل السياسي إلى العمل العسكري أقرب إلى “فتوى سياسية” تصدرها القيادة وتلتزم بها القواعد.
غير أن هذه الرواية ليست محل اتفاق كامل. فقد خالفها محمد إبراهيم نقد والتجاني الطيب وآخرون، ونفوا أن تكون اللجنة المركزية قد اتخذت قراراً حزبياً بتنظيم انقلاب عسكري، كما رفضوا تحميل عبد الخالق محجوب المسؤولية المباشرة عن انقلاب 19 يوليو 1971. ولعلنا نذكر مقولة المرحوم محمد إبراهيم نقد الشهيرة التى أستعارها من القائد المصرى سعد زغلول:” ان حركة ١٩ يوليو شرف لاندعيه وتهمة لاننكرها”. ولذلك تبقى القضية موضع جدل تاريخي بين الشهود والباحثين.
ومع ذلك، أميل إلى ترجيح شهادة البروفيسور فاروق محمد إبراهيم، ليس لأنها الرواية الرسمية، وإنما لأنها صادرة عن عضو في اللجنة المركزية شارك في صناعة الأحداث. كما أن الوقائع اللاحقة تبدو، في تقديري، أكثر انسجاماً مع روايته؛ إذ تشير شهادات متعددة إلى أن عبد الخالق محجوب كان داخل القصر الجمهوري أثناء انقلاب 19 يوليو، يتابع تطورات الأحداث عن قرب، وهو ما يصعب التوفيق بينه وبين فرضية عدم وجود صلة سياسية مسبقة بالحركة.
ويضاف إلى ذلك أن فاروق محمد إبراهيم عُرف، حتى لدى خصومه، بتاريخ نضالي طويل، واستقلال في الرأي، ونزاهة فكرية وشخصية، وهي صفات تمنح شهادته وزناً خاصاً، وإن كانت لا تعفيها من الخضوع للنقد والمقارنة مع بقية الشهادات والوثائق.
ولعل أهم ما يدعو إلى إعادة قراءة انقلاب 19 يوليو 1971 ليس فقط الجدل حول من خطط له أو من أصدر القرار السياسي بتنفيذه، وإنما حجم الآثار التي ترتبت عليه. فقد استمر الانقلاب ثلاثة أيام فقط، لكن تداعياته كانت هائلة على مستقبل السودان.
فقد أعقب فشله إعدام عبد الخالق محجوب، والشفيع أحمد الشيخ، وجوزيف قرنق، وعدد كبير من الضباط والكوادر الشيوعية، وتعرض الحزب الشيوعي لضربة قاصمة أضعفت حضوره السياسي والتنظيمي لعقود. وفي المقابل، وجد جعفر نميري نفسه أكثر ميلاً للبحث عن حلفاء جدد لمواجهة اليسار، الأمر الذي قاد إلى المصالحة الوطنية عام 1977 مع الجبهة الوطنية، التي كان الإسلاميون أحد أهم مكوناتها.
ومنذ ذلك التاريخ بدأ التيار الإسلامي يتوسع تدريجياً داخل أجهزة الدولة ومؤسسات المجتمع، مستفيداً من المناخ الذي أتاحته المصالحة. والمفارقة التاريخية، في تقديري، أن الإسلاميين انتهجوا لاحقاً بعض الأساليب التنظيمية التي كان الحزب الشيوعي قد سبق إلى استخدامها، مثل العمل السري، وبناء التنظيم داخل مؤسسات الدولة، وانتظار اللحظة المناسبة للاستيلاء على السلطة بالقوة.
وبذلك يمكن النظر إلى انقلاب 19 يوليو باعتباره أحد أهم المنعطفات في التاريخ السياسي السوداني الحديث. فبدلاً من أن يفتح الطريق أمام المشروع الوطني الديمقراطي، أسهم فشله في إضعاف اليسار وإعادة تشكيل ميزان القوى السياسية، بما أفسح المجال أمام صعود الإسلام السياسي، الذي استطاع، بعد اثني عشر عاماً من المصالحة الوطنية، أن ينجز انقلاب 30 يونيو 1989 ويقيم نظاماً استمر لسبعة وثلاثين عاماً.
إن هذه القراءة لا تهدف إلى إدانة طرف أو تبرئة آخر، وإنما إلى استخلاص درس سياسي بالغ الأهمية: فحين تحتكر أي قيادة، مهما كانت مرجعيتها الفكرية، حق تحديد اللحظة التاريخية، وتحوّل تقديرها السياسي إلى قرار ملزم لا يقبل المراجعة، فإنها تمارس، عملياً، نوعاً من “الفتوى السياسية”. وقد أثبت تاريخ السودان أن نتائج هذا النمط من التفكير كانت باهظة الكلفة، سواء صدر باسم الدين أو باسم الثورة.
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
