انكفاء النخب السودانية جعلها متأخرة فكريا بنصف قرن

 


 

طاهر عمر
24 April, 2024

 

طاهر عمر

للنخب السودانية مكنزمات دفاع لا تقل في وصفها بأن تجعل من المثقف السوداني كالسلحفاة بدرقتها تستطيع أن تحمي نفسها بالإنكفاء على نفسها
و الإنكفاء على النفس له إنعكاسات سلبية كبيرة على أقل تقدير تمنع الإنفتاح على أفق تطور البشرية و الإستفادة من ظاهرة المجتمع البشري في مجابهته للمصاعب التي تواجهه و كيفية تنظيم إجزاءه الى أن وصل لمفاهيم تكاد تكون مشتركة يجابه بها ظاهرة مجتمع بشري في أي مكان و أي زمان و بالتالي أصبحت معادلة الحرية و العدالة هي إيقاع ينظم صراع الفرد مع مجتمعه و عليه تكون مسيرتها بحث عن نقطة التوازن.
إنكفاء النخب السودانية على أنفسهم يتجسد في إرتكازهم على نقاط ضعف إلا أنها أقرب للعقل الجمعي الكاسد و نسبة لغياب الشخصيات التاريخية و هي التي تتحدى تاريخ الخوف و تفتح باب تاريخ الذهنيات و تستطيع أن تحدث قطيعة مع التراث مثلما حدث نتيجة لفكرة الإصلاح الديني و لذلك يعتبر مارتن لوثر شخصية تاريخية. طريقة تفكيره جعلته يفارق مزاج مجتمع تقليدي و يفتح طريق جديد و يؤسس للقطيعة مع التراث و لحسن حظه أي مارتن لوثر كانت رغبة البرجوازية الصغيرة في زمنه صادفت بأنها تريد أن تنفك من التراث القديم و هذا ما جعل مسيرة الإصلاح الديني في زمن مارتن لوثر يبداء مسيرته الى أن وصل الى التحول في المفاهيم فيما يتعلق اليوم بفكرة الدولة و فكرة ممارسة السلطة في مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية.
و حتى نربط ما ذكرته أي التطور الذي حدث منذ الإصلاح الديني و كيف بذر بذور النزعة الإنسانية أي ثقة الإنسان في مقدرات عقله البشري و الإبتعاد عن فكرة دولة الإرادة الإلهية و هنا نقطة ضعف النخب السودانية و في نفس الوقت مهارتها في الإحتفاظ بنقطة الضعف هذه أي أن النخب السودانية بمجرد أن تطلب منها أن تنزع نزعة إنسانية نتج عنها مجد العقلانية و إبداع العقل البشري و مجابهته للمشكل الذي يواجه الإنسان في ظاهرة المجتمع البشري وفقا لقدرته كعقل بشري سرعان ما تتجه بكل نشاط و سرعة و أقصد النخب السودانية الى درعها أي درقة السلحفاة لا لكي تحارب بل لكي تنكفي على نفسها متعللة بأن تاريخ أوروبا تاريخ خاص بها و لا ينطبق على تاريخنا الخاص بنا متناسين أن تاريخ أوروبا قد أصبح مختصر تاريخ الإنسانية أي قد أصبح ممر إلزامي و ها هي الصين تلحق بتاريخ أوروبا و يستوعب رئيسها عام 1978 بأن نمط الإنتاج الرأسمالي هو أسرع إنقاذ لحالة الصين.
و يقال أنه في شبابه كان من ضمن وفد قد ذهب الى فرنسا و عندما سأله والده عشية مغادرته الى فرنسا ماذا تريد من ذهابك لفرنسا فكانت إجابته لكي نتعلم الحكمة و المعرفة من أجل إنقاذ الصين و قبله فعلت النمور الأسيوية مستفيدة من فكرة الإقتصاد و المجتمع المستفادة من تطور الفكر الاوروبي. إنكفاء النخب السودانية على نفسها جعلها متأخرة فكريا بنصف قرن من الزمن و بالتالي عجز ميزان فكر النخب السودانية ظاهر في أنها قد أصبحت لاحقة للأحداث خلال القرن الأخير.
عندما نقول نخب سودانية لاحقة للأحداث خلال قرن يمكن أن نقول قد بداء مع ضعف إدراك النخب السودانية بسبب منهج ضعيف نالوا عبره تعليم يؤهلهم لوظائف دنيا أيام الإستعمار و لم يؤهلهم لتحليل ظاهرة المجتمع البشري كما نجده في فكر ماكس فيبر و فكرة عقلانية الرأسمالية و دوره في توازن المجتمع عبر الإقتصاد و فكرة المسؤولية الإجتماعية نحو الفرد و عليه تصبح فكرة الدولة و مواثيق حقوق الإنسان نهاية واضحة للفكر الديني و هذا ما عجز عن إدراكه عقل النخب السودانية خلال القرن الأخير أي قبل قيام مؤتمر الخريجيين بأكثر من عقد من الزمن.
في حقبة مؤتمر الخريجيين لم تكن النخب السودانية أحسن حال فكري مما سبقهم لأنهم أيضا كانوا لاحقيين للأحداث. مثلا لم يدرك أتباع مؤتمر الخريجيين بأن حقبتهم كانت لحظة إضطراب فكري و أرجحة بين نهاية ليبرالية تقليدية و بداية ليبرالية حديثة إحتاجت الى فلسفة تاريخ حديثة ما زالت حلقة مفقودة في الفكر السوداني الى اليوم مثل الحلقة المفقودة لدارون و هذه الحلقة المفقودة وسط الفكر السوداني تظهر في تخبط النخب السودانية في كتاباتهم و ضعفها على صعيدي الفلسفة السياسية و الفلسفة الإقتصادية. نلمسه في إعتقاد أغلب النخب السودانية في الإشتراكية حتى غير أتباع اليسار السوداني و هذا سببه ضعفهم في إدراك فلسفة التاريخ الحديثة و معادلة الحرية و العدالة و فيها قد أصبح الفكر الليبرالي الديمقراطي أقرب الطرق لإزدهار المجتمعات الحديثة إقتصاديا و أقربها الى توسيع الطبقة الوسطى و توسيع دائرة الإزدهار المادي.
و لكن على العكس نجد أن أغلب النخب السودانية أقرب الى تصديق فكرة نهاية التاريخ و نهاية الصراع الطبقي كفكرة لاهوتية سببها أن العقل السوداني لا يعرف غير مرتع الفكر اللاهوتي الديني و بالتالي أقرب لتصديق الفكر المطلق سواء في الفكر الديني الإسلامي أو في فكر الشيوعية كدين بشري و أبعد عن إدراك النسبي و العقلاني و بالتالي نجد الفكر السوداني مطمئن للوثوقيات و الحتميات و محاط بالخوف من النقد و الشك و هذا يجعل أغلب النخب السودانية ترجع الى درقة السلحفاة و بأننا لنا تاريخنا الخاص بنا و لا يستوعب المثقف التقليدي السوداني لماذا إستوعبت الصين أهمية نمط الإنتاج الرأسمالي و لقّحت به إقتصادها و فتح على إزدهار الصين الإقتصادي الآن.
بعد إنهيار مؤتمر الخريجيين قامت الأحزاب السودانية من أقصاء يسارها الرث الى أقصى يمينها الغائص في وحل الفكر الديني و أيضا كانت لاحقة للأحداث. قيام الأحزاب السودانية تزامن مع نهاية الحرب العالمية الثانية و أغلب أتباعها أي أتباع المرشد و الامام و الختم في سياجاتهم الدوغمائية و هي أبعد ما تكون عن مفهوم الدولة كمفهوم حديث علاقة الفرد فيها بالدولة مباشرة و منتصرة للعقل و الفرد و الحرية و الفرد فيها متوشح بفكر عقل الأنوار و لا يرضى أن يفكر بدلا عنه الامام و لا يفكر بدلا عنه المرشد أو الختم و كذلك لا تفكر بدلا عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي و لهذا الى اللحظة نجد أحزابنا السودانية لاحقة للاحداث و لم تستوعب التحول في المفاهيم بعد إنتشار أفكار فلسفة التاريخ الحديثة نتاج سؤال ما التنوير؟
في الإستقلال 1956 جاءت النخب السودانية بنفس عجز ميزان مدفوعاتها الفكري لكي تجابه ترسيخ مفهوم الدولة الحديثة و ظهر عجز ميزان مدفوعاتها الفكري في أنها الى الآن يتحدثون عن دولة ما بعد الإستعمار بفكر نخب لم يشغلهم غير عقل الهووي الصاخب و بالتالي ساد فكر الهويات و غاب فكر الحريات الى اليوم في وقت في العالم المتقدم يعالج مشاكل مجتمع ما بعد الثورة الصناعية و ليس مجتمع ما بعد الإستعمار و به تعلل النخب السودانية ضعفها الفكري بأنها ضحية إقتصاد التبعية و كله تبرير للعجز و ترسيخ لعجز ريادات وطنية غير واعية.
و بالمناسبة من أكبر معوقات التنمية الإقتصادية و الإجتماعية سيطرة الريادات الوطنية غير الواعية على دفة الأمور و لا ينتج عنها إلا فكر يسد كل منافذ الخروج من الأزمات كطرح الحزب الشيوعي السوداني اليوم أي التغيير الجذري و حقيقة يوضح طرحهم أوهام المثقف التراجيدي كما تحدث عنه عالم الإجتماع التونسي الطاهر لبيب بأن المثقف التراجيدي يطرح فكرة هو ذاته نفسه يدرك إستحالة إنزالها على أرض الواقع و من أراد التحقق عليه أن يتمعن في طرح الشيوعي السوداني و محاولة إعطاء نفسه الشرعية للقيادة بسبب سجون أتباعه او قتل قياداته في محاولاتهم الإنقلابية الفاشلة أو نزولهم تحت الأرض أو تشريدهم في المنافي.
المهم في الأمر الحرب العبثية الآن بين الجيش الكيزاني و صنيعته الدعم السريع كأداة موت و طرح الشيوعي السوداني التعجيزي في تغييره الجذري و لا مبالاته بعذابات السودانيين كلها مؤشرات تدل على أن المجتمع السوداني القديم و فكره في طريقه للإندثار و قد تطول معاناة الشعب السوداني أو تقصر أي قد تطول أزمنة الحرب أو تقصر و لكن كلها لا تفتح إلا على شئ واحد بعد المعناة و دفع الدم و العرق و الدموع أن لا حل غير عقلنة الفكر و علمنة المجتمع و هذا يفتح باب نهاية وثوقيات و حتميات النخب السودانية في نومها العميق في سياجاتها الدوغمائية سواء كانت في يسار الفكر السوداني الرث أو يمينه الغارق في وحل الفكر الديني.
كما ذكرت في عنوان المقال أن النخب السودانية متأخرة بنصف قرن و نوضحه لك أيها القارئ عندما أيقنت الصين عام 1978 من نمط الإنتاج الرأسمالي و أدخلته لإنعاش إقتصادها كان العالم يعيش آخر خيوط أشعة ديناميكية الكينزية و كانت أفكار النيوليبرالية على الأبواب بسبب إنتخاب تاتشر و ريغان أما في العالم العربي و الإسلامي التقليدي فكان هناك إستعداد لإستقبال الخمينية و كانت الطامة الكبرى و لا تذكّر إلا بذكرى تأسيس جماعة الأخوان المسلميين عام 1929 أيام الكساد الإقتصادي العظيم و لك أن تتخيل كيف يفكر العالم المتقدم في التغيير الذي يفضي الى الإزدهار المادي؟ و العالم العربي و الإسلامي يفكر في دولة الإرادة الإلهية و ما بين قيام و تأسيس جماعة الأخوان المسلميين و الخمينية نصف قرن بالتمام و الكمال.
المضحك لو قارنا تأخر الشيوعي السوداني عن الصين في فهمها لأهمية نمط الإنتاج الرأسمالي و إصرار الشيوعي السوداني على شيوعية تقليدية لا يتبعها إلا شيوعيي العالم الثالث تجد من يقول لك أن الحزب الشيوعي السوداني حزب له تجربة سياسية و عليه يستحق أن يترك في إيمانه بنسخته المتكلسة لا لسبب إلا لأنه له تاريخ سياسي أفقده قياداته سواء بالقتل او النزول تحت الارض أو السجون أو تشريدهم في المنافي و نحن نقول لهم كانت الكنيسة حاكمة لأوروبا لالف عام هل تترك لترجع من جديد بحروبها الطائفية؟ لذلك لا يترك الحزب الشيوعي السوداني على هواه حتى لا يورطنا في شمولية بغيضة.
لذلك أن السجون و التشريد و النزول تحت الارض و القتل لقيادات الحزب الشيوعي السوداني لا تعطيه شرعية قيادة الشعب السوداني لأنه أي الحزب الشيوعي السوداني نائم نوم عميق في سياجاته الدوغمائية و كالسائر في نومه بتوهمه أنه قد دفع فاتورة التضحية و ما على الشعب إلا الإنصياع للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني لتفكر بدلا عنه و يأتي السؤال ما الفرق بين تفكير اللجنة المركزية للحزب الشوعي السوداني بدلا عن الشعب و بين تفكير الفقية الولي بدلا عن الامة؟ و من هنا يجب الحذر من الاحزاب التي لا تنتج غير نظم شمولية و ما أبغض الشيوعية كنظام شمولي لا تقل بشاعته عن النازية و الفاشية و لمن يريد المزيد عن شمولية الشيوعية و النازية و الفاشية عليه بقراءة كتب حنا أرنت.

taheromer86@yahoo.com

 

آراء