عبد المنعم عجب الفَيا
“العام، عام ١٩٣٩، وأوروبا تسير لحتفها في خطوات عنيدة، تجر وراها الناس لحرب أخرى، من حروبها العدة، فقد كان لها التصرف والولاية آنذاك، ولغيرها الطاعة والانقياد، وفي قطار من هذه القطر العديدة، تحمل الجنود هنا وهناك، لا يسألون عما يراد بهم آخر الأمر، كان يجلس ايمي سيزار، شاب من المارتينك، فرنسي إلا في لونه، قرأ في السربون، وبقي في باريس التي ازدهته، لا يفكر إلا لماما في أهله وراء البحر. جلس جنبه بحار اسود فإذا بنفسه تغثي منه، وحرج قوي يلفه طول الرحلة، حرج ما كان ليحسه لو جلس بجانبه بحار ابيض فيما قدر بعد. وفي داره حين عاد إليها خجل من نفسه هذه التي أنكرت لونه وانقلبت فرنسية، وما هي في الحقيقة كذلك. وجلس لكراسته يصب تجربته هذه الاسية في قصيدة ما خالها وهو يجري اسطَرها المحمومة، ستكون انجيلا يحتذى بعده. اسم القصيدة “مذكرات عائد للوطن”…
وكان اندريه برايتون، امام السرياليين، خرج الي المارتينك عام ١٩٤١ واقام فيها زمنا قصيرا اكتشف فيه الشاعر “الأسود العظيم” سيزار، واحتضنه، يدق له الطبول، حاسبا اياه واحدا من حوارييه، ولا تثريب عليه ان أخطأ، فبين شعراء الزنجية، وشعراء السريالية مشابه، على راسها هذه الفتنة بالكلمة…
انتهت الحرب، وعاد بريتون لفرنسا ليبشر بكشفه المثير، فنشر “مذكرات عائد للوطن”، وقدمها لأهل الفكر والشعر في ١٩٤٧ ولم يكن عاما كالاعوام في حياة السود.. “.
- جمال محمد أحمد، من كتاب (مطالعات في الشؤون الأفريقية) دار الهلال، القاهرة، ط١، ١٩٦٩
abusara21@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم