بابكر عيسى: سيرة حكيم يتكئ على ابتسامة

دكتور الوليد آدم مادبو

في إحدى الأمسيات الدافئة، تحديدًا مساء يوم الخميس الموافق ٢٨ أغسطس ٢٠٢٥، جلست فترة ثلاث ساعات بالنادي الثقافي السوداني بالدوحة دون كلل أو ملل أستمع إلى الأستاذ بابكر عيسى وهو يروي بعضًا من محطات حياته المهنية. لم تكن مجرد ندوة عابرة، بل كانت أشبه بمؤانسة تفتح للقلب أبواب الحنين وتعيد للعقل السكينة والرحمة. حديثه كان ينثال كالماء الرقراق: شفيفًا، متصلًا، لا يخلو من عمق ولا من طرافة.

لقد عبّرت مسيرته المهنية عن رحلة رجل حمل السودان في وجدانه، وأفاض على العالم العربي إشعاعًا من صدقه ونبله وانفعاله الإنساني.

وإذ ظل بابكر عيسى مدير تحرير جريدة الراية القطرية خمسة وثلاثين عاما، فقد كان مبدئيًا، لكن مبدئيته لم تُثقلها الحِدة أو الصرامة الفارغة. بابكر يؤمن أن النصيحة يمكن أن تُقال برفق، وأن الحقيقة لا تفقد قوتها إذا اكتست بلبوس اللين. هو بذلك يعتبر من حكماء السودان الذين جسّدوا المثل الشعبي: الألمي (الماء) البارد بقِد السِعن. وقد عبّر النبي الكريم عن ذلك بقوله: ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه.

لا غرو، فقد انبثق فجر مسيرة بابكر من غرب السودان، ذلك الإقليم الذي يرضع أبناؤه المروءة مع لبان الطفولة، ويشبّون على الأصالة كما يشبّ الزرع على الغيث. هناك حيث الأبيض وقنديل كردفان وبرعي السودان تشرّبت هذه القامة السامقة الصفات الحميدة التي لم تكن مجرد إضافة شخصية، بل كانت منصة صلبة هيّأت له الانتقال من المحلية إلى القومية، ومن الإقليمية إلى العالمية.

لقائي الأول به كان في مكتب ناصر جبر العطية، الذي كان مساعد مدير عام الإدارة العامة للجوازات بوزارة الداخلية القطرية. حين قدّمني له، قال عبارته التي ما زالت ترن في أذني: هؤلاء شيوخنا نحن أهل السودان، كما أنتم شيوخنا في قطر. لم تكن مجرد كلمات مجاملة، بل جسر إنساني جعل أبو جبر يكرمني منذ تلك اللحظة وينزلني المنزلة الأسمى، وإن كانت هذه خصاله مع كل الناس. وحتى بعد أن ترك موقعه في الجوازات ظللت أحمل له ودًا خاصًا، وتقديرًا عاليًا، وأتمنى له الخير الذي هو أهله. هكذا كان بابكر، يصنع من الكلمة الطيبة عُرىً باقية، ومن الموقف الصادق صلة لا تنقطع.

إلى جانب سعة ثقافته واطلاعه، فقد وهبه الله وجهًا بشوشًا وقلبًا رحبًا، جعلاه قادرًا على التواصل مع الأفذاذ من السياسيين والمثقفين والفنانين. كان بابكر صديقًا للفيتوري، ومُؤانسًا للطيب صالح، ومُحاورًا لوردي ومحجوب شريف والنور عثمان أبكر. عم بابكر، كما يحلو لي أن أناديه، صاحب دعابة رشيقة تكسر رتابة المجالس. حكى لي مرة أن الراحل عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري (مستشار الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود)، قال له ممازحًا: صاحبك — يقصد الطيب صالح — يقول إنه من قريش. فأجابه بابكر ببديهيته الحفية دومًا بالطيب صالح: لو الطيب قال كدا، معناها قريش دي قبيلة كويسة. فانفجر التويجري ضاحكًا، ضحكة أذهلت عن سرها الحضور!

تلك الطرفة بحيويّتها الاجتماعية وحيثيتها الادبية لم تكن مجرد نكتة عابرة، بل شهادة على أن ما ناله ذاك الجيل من السودانيين من تقدير من نخب الخليج، إنما كان بسبب مهنيتهم، أريحيتهم، اعتزازهم بذاتهم وبهويتهم السودانية العربية الأفريقية. لا ننسى أصالة ونبل النخب الخليجية التي كانت وما زالت أهلًا لكل تقدير وإجلال.

لمست في حديثه وفاءً نادرًا وحزنًا رقيقًا عندما كان يستحضر في الندوة سير أصدقائه الذين رحلوا. وقد حملني الحنين في تلك الندوة، إذ ذكَرهم الواحد تلو الآخر، فظننت أن جيل العظماء قد انقضى، فاسترجعت ومضيت متمنيًا أن يطيل الله في عمر هذا الرجل وأمثاله، لا لأننا نحتاج إلى صحفيين كبار وحسب، بل لأننا نحتاج إلى حكماء يُذكّروننا في هذه اللحظة بالذات أن السياسة بلا نهج روحي وفكري خراب، وأن الإعلام بلا أخلاق ومبادئ دخان يتبدّد في الهواء ولوثة تصيب القراء.

في كل مهمة أوفدته إليها جريدة الراية القطرية، سواء أكانت قضايا ساخنة أو ملفات شائكة، كان بابكر يغطيها بموضوعية رصينة وروح أدبية عالية. ظل ثابتًا على مبادئه. لم يساوم يومًا في موقفه من الصهيونية، ولا من أي شكل من أشكال العنصرية أو الاستبداد أو الطبقية. ربما أتاح له مناخ الحرية الذي وجد في قطر وفي توجيهات قيادتها الرشيدة متنفسًا ليكتب ويقول، لكن صِدق الكلمة وقوة الموقف إنما جاءا من معدن شخصيته. كان يدرك أن الصحفي ليس محللًا وناشرًا للخبر فحسب، بل هو شاهد على العصر، وحكيم يسعى لإحداث التوازن اللازم بين الحقائق والمصالح، كما الابحار بالسفينة حتى تصل مقصدها من غير أن تتحطم على صخور الانحياز أو التبعية.

روى أنه وفي زيارة للفلبين أتيحت له فرصة في مؤتمر صحفي، كي يسأل إيميلدا ماركوس، زوجة فرديناند ماركوس، سؤالًا واحدًا، فاكتفى بسؤالها عن سبب الابتسامة الدائمة لشعبهم الذي يعاني ما يعانيه من الضغوط، فقالت له: الابتسامة درجة من درجات الوعي. وإذا كان الأمر كذلك، فإن ابتسامة بابكر عيسى ليست مجرد تعبير وديع، بل هي وعيٌ يقود، وحكمةٌ تصلح، ووقارٌ يفتح أبواب المستقبل.

ختامًا، إذا أرادت قطر أن تهدي السودان شيئًا بعد انتهاء هذه الحرب المصيرية، فلن تجد أفضل من بابكر عيسى شخصًا تكلفه بتأسيس مدينة إعلامية في كردفان، تُخرّج أجيالًا قادرة على حمل شعلة السلطة الرابعة، وتعيد للإعلام السوداني هيبته. فبابكر ليس مجرد صحفي مخضرم، بل هو أحد أبناء الوطن الأبرار، وحكيم من حكماء الأمة الذين يعوَّل عليه في نهضة السودان القادمة بإذن الله.

August 30, 2025

auwaab@gmail.com

عن د. الوليد آدم مادبو

د. الوليد آدم مادبو

شاهد أيضاً

المستبد الصغير: لحظة تنمّره على صاحب الإرث الكبير (2/2)

دكتور الوليد آدم مادبو لا يفوّت علي محمود فرصةً ليثبت ولاءه لأولياء نعمته الكيزان؛ فالرجل …

https://bpbd.sumbarprov.go.id/

https://kweeklampenkopen.nl/type/

mstoto

slot mahjong

https://www.a1future.com/how-we-do-it-better/

slot gacor