باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 23 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
إبراهيم برسي
إبراهيم برسي عرض كل المقالات

بشرى الفاضل.. حكاية رجل أفسد على اللغة طمأنينتها

اخر تحديث: 23 أغسطس, 2026 11:00 صباحًا
شارك

إبراهيم برسي

ربما يكون أسهل ما يمكن فعله، ونحن نكتب عن بشرى الفاضل، أن نضع أمام اسمه الجوائز التي نالها، والكتب التي أصدرها، والبلدان التي عاش فيها، ثم نقول إننا أمام واحد من أهم كتّاب القصة السودانية الحديثة.

كل ذلك صحيح.

لكنه، على نحو ما، لا يقول شيئًا كافيًا عن بشرى الفاضل.

لأن بعض الكتّاب يمكن تلخيصهم في سيرهم، وبعضهم تقودك سيرهم إليهم. أما الدكتور بشرى، فيبدو لي من أولئك الذين ينبغي أن تدخل إليهم من اللغة نفسها؛ من ذلك المكان الغريب الذي تكون فيه الجملة مألوفة تمامًا، ثم يحدث لها شيء صغير، التفاتة أو انحراف أو قفزة، فتجد نفسك فجأة أمام عالم آخر.

كأن اللغة التي عرفتها منذ طفولتك تتبدّل دلالاتها فجأة، وتبدأ في التشكّل أمام عينيك من جديد. وقبل أن يستقر لها شكل، يأتي بشرى، كخباز ماهر يعرف سرّ عجن الكلمات، فيأخذها بين يديه ويعيد عجنها على مهل؛ يمدّها ويطويها ويضيف إليها من مخيلته، حتى يخرج منها بمفردات لم تعرفها القواميس من قبل. والأعجب أن هذه الكلمات، على غرابتها الأولى، لا تلبث أن تفلت من صاحبها، وتمشي بين الناس، حتى ننسى أنها كانت ذات يوم اختراعًا في قصة، وتصير جزءًا من اللغة نفسها.

وهذه، في ظني، واحدة من أصعب الهبات التي يمكن أن يمتلكها كاتب.

ولد بشرى الفاضل بخيت عام ١٩٥٢ في قرية أرقي، شرقي الدبة في شمال السودان، ثم حملته حياة الأسرة إلى قرية ود البر الخوالدة في الجزيرة. درس في “ود رحمة”، ثم “المدينة عرب”، قبل أن يصل إلى حنتوب الثانوية. وهناك بدأت أشياء كثيرة ستعود لاحقًا، بصور مختلفة، في أدبه: الشعر، والصداقة، والفن، والإحساس بأن العالم أوسع مما يبدو في الكتب المدرسية.

في حنتوب فاز بجائزة للشعراء الشباب، وكان من جماعة “طلائع الهدهد”، التي أدارها أستاذ الفنون محمد عبد العال، وكان عبد الله بولا من أساتذتها، ذلك الاسم الذي سيصبح لاحقًا واحدًا من أهم أصوات الفكر والجماليات في السودان… فيما شارك الأستاذ عبد العظيم خلف الله الطلاب التمثيل في الأعمال الدرامية جنبًا إلى جنب؛ في تجربة تقول شيئًا عن معنى المدرسة في ذلك الزمن، حين لم يكن الأستاذ يقف دائمًا على الضفة الأخرى من التلميذ، وإنما كان يدخل معه إلى المسرح والمرسم ومساحة الاكتشاف نفسها.

لكن خيط الشعر في حياة بشرى كان قد بدأ قبل حنتوب.

ففي مدرسة المدينة عرب الوسطى، كان بشرى الفاضل في السنة الثانية ومحجوب شريف في السنة الرابعة “ب”، و، ومحمد طه القدال في السنة الأولى… ثلاثة أسماء لم تكن تعرف، على الأرجح، ما الذي تخبئه لها السنوات، ولا أن الشعر سيجمع بينها لاحقًا في ذاكرة السودان الثقافية.

وثمة مشهد صغير من تلك الأيام يصعب المرور عليه بوصفه مجرد واقعة مدرسية.

في الأول من يناير ١٩٦٥، أعطى محجوب شريف بشرى الفاضل قصيدة كتبها بعنوان “أعياد النصر”، وطلب منه أن يلقيها، وقد كان ذلك في ميدان قرب سوق المدينة، أمام حشد من أهل القرية والقرى المجاورة. وكان مطلعها:

“صدح الكنار وغرّدا
وجرى الغدير مرددًا…”

كان بشرى يومها صبيًا في السنة الثانية من المدرسة الوسطى، يحمل إلى الناس كلمات كتبها فتى يكبره بعامين. والمشهد، حين ننظر إليه الآن من هذه المسافة، يبدو أكثر من مصادفة جميلة: محجوب يكتب، وبشرى يلقي، والقدال قريب منهما في المدرسة نفسها؛ ثلاثة صبية في مكان صغير من بلد المليون ميل مربع، قبل أن يعرف السودان أسماءهم جميعًا، وقبل أن يعرفوا هم أنفسهم إلى أين ستأخذهم الكلمة.

انها تفاصيل شكّلت وجدان الرجل، ثم وجدت طريقها، بصورة أو بأخرى، إلى تجربته الإبداعية.

فحين ننظر من بعيد إلى جيل كامل من المبدعين السودانيين، نرى أن المدرسة عندهم لم تكن فصلًا وسبورة وامتحانًا فقط. كانت مكانًا لاكتشاف الشعر والمسرح والرسم والسياسة والصداقة. وكانت حنتوب، تحديدًا، واحدة من تلك المصانع النادرة التي بدا لبعض الوقت أن السودان يصنع فيها مستقبله الثقافي والسياسي والرياضي والفني بيديه.

دخل بشرى كلية الآداب بجامعة الخرطوم عام ١٩٧١. ومن هناك مضى إلى الاتحاد السوفيتي، فنال الماجستير في علم اللغة الروسية في ليننغراد، ثم الدكتوراه في موسكو في التخصص نفسه. عاد إلى السودان، وعمل بجامعة الخرطوم ابتداءً من عام ١٩٨٥، ثم ترقى إلى أستاذ مساعد. وفي يونيو ١٩٩٢ جاءت يد السلطة إلى الجامعة، كما جاءت إلى مؤسسات كثيرة، فأُحيل إلى “الصالح العام” في سياق الفصل السياسي الذي أعقب استيلاء الحركة الإسلامية على الحكم. بعد ذلك انتقل إلى السعودية، وعمل باحثًا ومترجمًا ومحررًا في مؤسسة المدينة للصحافة والنشر في جدة. وكان قبل ذلك عضوًا في اللجنة التنفيذية لاتحاد الكتّاب السودانيين الذي حلته السلطة الغاشمة بعد انقلاب ١٩٨٩.

وقد تبدو دراسة الروسية تفصيلًا أكاديميًا لمن يقرأ السيرة سريعًا، لكنها، في حالة بشرى، ليست كذلك.

من يقرأ قصصه طويلًا يستطيع أن يشعر بظل بعيد للأدب الروسي: ليس في التقليد، ولا في استعارة الشخصيات أو المناخات، وإنما في ذلك المزيج الغريب بين الفكاهة والفاجعة، وبين العبث والشفقة، وبين الإنسان الصغير والآلة الكبيرة التي تسحقه وكأن ما تفعله أمر طبيعي تمامًا.

ثمة شيء من نيكولاي غوغول في الطريقة التي يستطيع بها تفصيل صغير أن يكشف مؤسسة كاملة، وشيء من تشيخوف في النظر إلى الإنسان من غير أن يتحول الكاتب إلى قاضٍ، وشيء من ذلك التقليد الروسي الطويل الذي يعرف أن السخرية ليست نقيض الألم، وأن الضحك قد يكون أحيانًا الطريقة الوحيدة التي يستطيع بها المقهور أن يحتفظ بعقله.

لكن بشرى لم يعد من روسيا ليكتب أدبًا روسيًا بالعربية.

عاد، وهذا هو الأهم، ليرى السودان بعيون أكثر اتساعًا.

قال في أحد حواراته إنه جاء إلى القصة من الشعر. وربما تختصر هذه العبارة سرًا كبيرًا من أسرار تجربته. فهو يحب القصة القصيرة لأنها مكثفة، ولأنها تسمح، كما يقول، بدخول الشعر عبر الصورة، ولأنه يستطيع أن يكتب القصة كاملة في ذهنه قبل أن يضعها على الورق.

وهذا يفسر لماذا لا تبدو قصص بشرى الفاضل، في أفضل حالاتها، كأنها “تحكي” فقط.

إنها تُرى وتُسمع.

للكلمات فيها صوت.

وللأسماء وزن.

والحيوان يمكن أن يتحول إلى فكرة.

والإنسان يمكن أن يصبح كائنًا لا نعرف تمامًا أين ينتهي واقعه وأين يبدأ مسخه.

والشارع قد يكون مسرحًا.

والكرسي يستطيع أن يحمل تاريخ بلد كامل.

حتى الاسم عنده لا يأتي بريئًا.

قال مرة إنه يختزن أسماء الشخصيات طوال حياته، وإنه حين يحتاج شخصية يعود إلى “مخزون أسماء بني السودان”، ويفكر في سودانية الاسم وصلته ببنية الشخصية ومعناها. لذلك لم يكن “عبد القيوم” في إحدى قصصه اسمًا اعتباطيًا، ولا “هاهينا” مجرد لعبة صوتية. الاسم نفسه يدخل في الصناعة الداخلية للحكاية.

ومن هنا جاءت قدرة بشرى النادرة على اختراع الكلمات.

“الطفابيع” مثلًا لم تعد مجرد لفظة داخل قصة. خرجت من النص، وعاشت خارجه.

وهذا امتحان بالغ القسوة لأي كاتب: هل تستطيع كلمة اخترعتها أنت أن تنسى أصلها الأدبي وتدخل في كلام الناس؟

بشرى فعل ذلك.

وقد لاحظت دكتورة لمياء شمت في قراءتها لتجربته أن اللعب اللغوي عنده ليس حلية أسلوبية، وأن بعض تعبيراته المبتكرة عبرت صفحات القصص إلى الاستعمال الثقافي اليومي. وتصف صوته بوصفه أحد أكثر الأصوات تأثيرًا في المشهد السردي السوداني، خصوصًا في القصة القصيرة، لما فيه من تجريب ومغامرة وابتكار.

وهذا مهم، لأن الكاتب الكبير لا يضيف كتابًا إلى المكتبة فقط… أحيانًا يضيف إمكانية جديدة إلى اللغة.

قبل أن يكتبها لم تكن الجملة موجودة بهذه الطريقة. وبعد أن يكتبها يصبح من الصعب أن نتذكر اللغة من دونها.

في “حكاية البنت التي طارت عصافيرها” يظهر بشرى الفاضل في واحدة من أكثر حالاته صفاءً وقسوة.

كتب القصة سنة ١٩٧٩، وفق شهادته، وكانت من قصصه المبكرة. وكان في قلبها، منذ ذلك الزمن البعيد، العنف الذي تتعرض له المرأة، كأن القصة التقطت جرحًا سيظل مفتوحًا عقودًا بعدها. وبعد ما يقارب أربعة عقود، ستعبر القصة حدود السودان واللغة العربية، مترجمة إلى الإنجليزية بواسطة ماكس شموكلر بمساعدة نجلاء عثمان التوم، وتنشر ضمن The Book of Khartoum، ثم تفوز في يوليو ٢٠١٧ بجائزة “كين” للكتابة الإفريقية.

ولعل في مصير هذه القصة عدالة شعرية غريبة.

نص كُتب في الخرطوم سنة ١٩٧٩ ظل يسير ببطء لما يقارب أربعين سنة حتى وصل إلى منصة دولية في لندن.

ليس لأن النص كان يحتاج أربعين عامًا لينضج. ربما كان العالم هو الذي احتاج أربعين عامًا حتى يصل إليه.

كانت لجنة “كين” ترى في القصة استكشافًا للحرية عبر المجاز وطريقة إدراك مبتكرة ومغايرة، مع حضور بصري غير مألوف في تاريخ الجائزة. وكانت أيضًا أول قصة مترجمة تفوز بالجائزة في تاريخها بحسب تغطيات ذلك العام.

لكن ما يدهشني أكثر من الجائزة نفسها أن بشرى، عندما سُئل عن القصة بعد كل تلك السنوات، عاد مباشرة إلى المرأة السودانية.

تغيرت الأنظمة، وكبر الكاتب، وسافر النص، وتغير العالم، وبقي العنف.

كأن القصة التي كتبها الشاب في السبعينيات كانت تنتظر الرجل في شيخوخته لتسأله السؤال نفسه.

وهنا يصبح الأدب شيئًا أكثر حزنًا من الانتصار.

لأن خلود النص قد يكون أحيانًا دليلًا على أن الجرح الذي كتبه لم يشفَ.

من “حكاية البنت التي طارت عصافيرها” إلى “أزرق اليمامة”، ومن “فزيولوجيا الطفابيع” إلى “فوق سماء بندر” و”أشرقت في ظلام”، ومن روايتي “تعيسة” و”سيمفونية الجراد” إلى “٢٠٨٤ ـ ستاة وتَلّي”، ظل بشرى يوسع المساحة التي يتحرك فيها خياله. وفي القائمة التي نشرها بنفسه لكتبه عام ٢٠٢١ أحصى خمس مجموعات قصصية، وثلاث روايات، وديوان “هضلبيم ـ عن الأنهار وضفافها”، وكتاب “تضاريس” في النقد الأدبي، إلى جانب أعمال درامية ومخطوطات، وأشار بحسرة هادئة إلى عمل للأطفال بعنوان “الحصان الطائر” ضاع لدى مكتب النشر في جامعة الخرطوم عام ١٩٩٠.

وله في الدراما أيضًا “حوش ناس عجبنا”، و”طلعت القمرا”، وأعمال للأطفال، كما خرج شعره من الصفحة إلى الغناء؛ غنى له مصطفى سيد أحمد، وأبو عركي البخيت، ويوسف الموصلي، وسيف الجامعة وغيرهم.

وهذه التعددية ليست تنقلًا بين أجناس الكتابة بحثًا عن شكل مناسب.

أحسب أن وراءها قلقًا أعمق.

بشرى من الكتّاب الذين لا تكفيهم نافذة واحدة للنظر.

مرة يحتاج القصة.

ومرة يحتاج القصيدة.

ومرة يحتاج البودكاست.

ومرة يحتاج مقالة سياسية ساخرة.

كأنه لا يثق في أن شكلًا واحدًا يمكنه حمل كل هذا السودان.

وفي “حفل الافتتاح”، وهي قصة نقلتها إلى الإنجليزية إليزابيث جاكيت ونشرتها مجلة The Common، يستطيع بشرى أن يأخذ واقعة تكاد تكون يومية في دولة استبدادية: شارع بناه السكان بأموالهم، ثم مُنعوا من استعماله لأن المسؤول الكبير لم يأتِ بعد لافتتاحه.

المشهد مضحك.

ثم، بعد قليل، لا يعود مضحكًا.

إنه تعريف مصغر للدولة التي تستولي حتى على الأشياء التي لم تصنعها. الناس بنوا الطريق، والسلطة تريد الصورة. الناس دفعوا المال، والمسؤول يريد المقص والشريط والكاميرا. وحتى حق الناس في المرور يحتاج حضور الرجل الذي لم يأتِ.

قراءة نقدية نشرتها المجلة نفسها رأت في القصة تفكيكًا للانتظار العبثي لسلطة تحكم من بعيد بالخوف والهيبة أكثر مما تحكم بحضورها الفعلي.

وهنا نجد شيئًا أساسيًا في فن بشرى.

الديكتاتور عنده ليس دائمًا رجلًا واقفًا فوق منصة.

يمكن أن يكون طريقة انتظار.

أو كلمة.

أو كرسيًا.

أو إجراءً إداريًا.

أو خوفًا صغيرًا يسكن في رأس إنسان عادي.

وهذا أكثر عمقًا من الهجاء السياسي المباشر، لأن السلطة، حين تدخل في التفاصيل اليومية، لا تعود مؤسسة خارج الإنسان؛ تصبح عادة في داخله.

لهذا يصعب الفصل بين بشرى الكاتب وبشرى المواطن.

فهو لم يكتب الحرية كموضوع أدبي من بعيد.

دفع من حياته المهنية ثمن موقفه من السلطة، وفقد موقعه الأكاديمي في جامعة الخرطوم، وذهب إلى المنفى. ثم امتد منفاه من السعودية إلى كندا، حيث استقر في تورنتو منذ أواخر العقد الماضي وانضم إلى محيط كتّاب المنفى هناك. وتظهر تجربته الكندية في مواد PEN Canada وNew Canadian Media بوصفها استمرارًا لسؤال قديم عنده: كيف يستطيع الإنسان أن يعيد بناء حياته حين ينقطع عن المكان الأول؟

واللافت أن المنفى لم يدفعه نحو كتابة سودان بوصفه فردوسًا مفقودًا.

ظل يرى عيوبه وقسوته واستبداده، ويكتبها.

لكنه لم يفقد، مع ذلك، القدرة على تخيل بلد آخر.

في مشروع روايته “٢٠٨٤” يستعير المسافة الزمنية من أورويل ثم يقلبها بطريقة تكاد تكون بشرواية تمامًا: بينما تغلق دول العالم أسوارها على نفسها، يتخيل السودان وقد أصبح واحة للسلام والتقدم والانفتاح، ملتقى للثقافات، في مستقبل يبدو الآن أقرب إلى الخيال العلمي منه إلى التنبؤ السياسي.

يمكن أن يضحك المرء من هذا التفاؤل.

وقد يكون بشرى نفسه أول الضاحكين.

لكن ربما كانت وظيفة الكاتب، بعد أن يفشل السياسيون في إنتاج المستقبل، أن يحتفظ هو بنسخة منه، ولو في الرواية.

هناك عبارة ليحيى فضل الله عن عالم بشرى تقول إن الواقع فيه يختلط بالفنتازيا الشاعرية والتجريد، وإن هذا العالم يضج بالتفاصيل الدقيقة.

أظن أن كلمة “يضج” دقيقة جدًا.

فنصوص بشرى لا تشبه غرفة هادئة. إنها أقرب إلى سوق سوداني، تمر فيه أصوات كثيرة في وقت واحد: بائع، وعسكري، ومجنون، وشاعر، وامرأة، وحيوان، وطفل، وموظف، وحاكم، وشحاذ، ولص، وكمساري، وميت ربما نهض لتوه من قبره.

كلهم يتكلمون.

واللغة نفسها أحيانًا تتكلم، ويمكن للحروف أن تتعارك داخل الكلمة.

والجملة قد تبدأ واقعية وتنتهي مخلوقًا آخر… هذا السودان المزدحم هو مادته الكبرى.

ولهذا أظن أن وصفه بـ“كاتب الفانتازيا” وحده يظلمه. فالفانتازيا عند بشرى ليست هروبًا من الواقع السوداني؛ ربما كانت إحدى الطرق القليلة الممكنة لاحتماله.

فالواقع نفسه، كما لمح في حوار قديم، بلغ من الغرابة ما يجعل السؤال عن سبب كتابة الفانتازيا سؤالًا مقلوبًا: كيف يمكن كتابة السودان من دونها؟

وهنا تقترب تجربته، من جهة أخرى، من معنى فلسفي بسيط وعميق: الواقع ليس دائمًا ما حدث، وإنما الطريقة التي وعاه بها الإنسان.

وحين يصبح الواقع عنيفًا إلى درجة تتجاوز المعقول، يصبح اللا معقول أحيانًا أكثر الأشكال واقعية.

كافكا عرف ذلك.

غوغول عرفه.

ويونسكو عرفه.

وبشرى الفاضل وجده في الحافلات والأسواق والمكاتب والشوارع السودانية.

وعندما فاز بـ“كين” عام ٢٠١٧ كان في الخامسة والستين، وكان الأكبر سنًا بين من وصلوا إلى القائمة القصيرة حتى ذلك الوقت. وربما لهذا بدت الجائزة مختلفة.

لم يكن العالم يكتشف موهبة شابة.

كان يعثر متأخرًا على كاتب ظل يكتب منذ عقود.

وهذا فرق كبير.

كانت الجائزة، في معنى من المعاني، اعتذارًا متأخرًا من الجغرافيا.

فالكاتب السوداني كثيرًا ما يكتب داخل لغة واسعة اسمها العربية، وداخل قارة واسعة اسمها أفريقيا، ثم يظل هامشيًا في الاثنين معًا. لا المركز الثقافي العربي يعرفه بما يكفي، ولا العالم الأفريقي الناطق بالإنجليزية والفرنسية يصل إليه بسهولة.

وبشرى عاش هذه المفارقة طويلًا.

سوداني عربي اللغة، أفريقي المخيلة والمكان، دارس للأدب الروسي، مترجم، شاعر، قاص، ثم كاتب في المنفى.

كأن سيرته نفسها ترفض الحدود التي تحاول الجوائز والمكتبات والدراسات أن تضع الأدباء داخلها.

لكنني، لو طُلب مني أن أختار الشيء الأجمل في كل هذه السيرة، فلن أختار “كين”، ولا الدكتوراه، ولا الكتب، ولا الأغنيات.

سأختار شيئًا أصغر.

سأختار فضوله.

لأن الذي يقرأ حوارات بشرى المختلفة يلاحظ أن في الرجل شيئًا من الطفل الذي لم يتوصل بعد إلى قرار نهائي بشأن العالم.

لا يزال يختبره.

لا يزال يخترع له أسماء.

لا يزال قادرًا على الدهشة.

وهذه خصلة أصعب مما نتصور.

فالزمن يجعل معظم البشر أكثر يقينًا وأقل فضولًا. والمبدع الحقيقي يسير في الاتجاه الآخر: كلما عرف أكثر، ازدادت شكوكه، واتسعت دهشته.

ربما لهذا استطاع بشرى أن يعبر كل هذه المسافة من أرقي إلى ود البر، ومن حنتوب إلى جامعة الخرطوم، ومن ليننغراد وموسكو إلى الخرطوم، ومن الخرطوم إلى جدة، ومن جدة إلى تورنتو، من دون أن يتحول إلى مجرد صاحب سيرة طويلة.

ظل كاتبًا.

وهذا، في النهاية، أصعب من أن تكون أديبًا مشهورًا.

نكرّم بشرى الفاضل اليوم لأن من حق المبدع أن يسمع شيئًا من محبة الناس وهو بينهم.

فثقافتنا السودانية أفرطت طويلًا في إتقان الرثاء، وقصرت كثيرًا في فن الامتنان. ننتظر الغياب أحيانًا حتى نكتشف مقدار الحضور، ونجمع ما قاله الإنسان بعد أن يصبح بعيدًا، ونقيم له المنابر حين لا يستطيع الصعود إليها، ونكتب عن ضحكته بعد أن تفقد الغرفة صوتها.

والأجمل أن نفعل شيئًا من ذلك الآن.

أن نقول لبشرى، وهو يستطيع أن يسمعنا: لقد تركت شيئًا هنا. في لغتنا، وفي طريقة ضحكنا من السلطة، وفي “الطفابيع” التي خرجت من القصة ومشت بين الناس، وفي تلك البنت التي طارت عصافيرها منذ سنة ١٩٧٩ وما زالت تطير، وفي جيل من القصاصين جاء بعدك وهو يعرف أن في وسع القصة السودانية أن تكون أكثر جنونًا وحرية وجرأة.

لهذا لا أرى بشرى الفاضل مجرد واحد من كتّاب القصة السودانية.

أراه واحدًا ممن جعلوا اللغة أقل اطمئنانًا إلى ما تعرفه عن نفسها.

أعطاها الحق في أن تلهو وهي تفكر، وأن تسخر وهي تتألم، وأن تخترع كلمة حين لا تجد في القاموس ما يكفي. جعل الحيوان يتكلم، والكرسي يتذكر، والبنت تتحول إلى عصافير، والمدينة تطير فوق سمائها، حتى إن الواقع نفسه، بعد قراءة بعض قصصه، يكاد يقف مترددًا: هل أنا حقيقة، أم أن بشرى الفاضل كتبني هكذا؟

وهذه منزلة لا تمنحها جائزة.

الجائزة تستطيع أن تصل إلى الكاتب، أما الكاتب الحقيقي فهو الذي يصل إلى اللغة قبلها.

وبشرى وصل إليها منذ زمن بعيد.

دخل إليها بما حمله من أرقي وحنتوب والخرطوم وموسكو والمنفى، ومن الشعر والسخرية والوجع والفضول، وأخذ هذه اللغة التي نتحدث بها كل يوم، قلبها بين يديه، أصغى إلى ضجيجها وضحكتها ولهجتها وجنونها، ثم أعادها إلينا وفيها شيء لم يكن موجودًا من قبل.

ربما لهذا، بعد كل هذه السنوات، لا تزال اللغة كلما مرّ بها بشرى الفاضل تفقد شيئًا من طمأنينتها.

ولحسن حظنا، لم تستعدها بعد.

zoolsaay@yahoo.com

Author
إبراهيم برسي

إبراهيم برسي

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
اقليه الروهنجيا المسلمة ببورما(ميانمار) وجذور الاضطهاد الديني والعرقي . بقلم: د.صبري محمد خليل
منبر الرأي
نحن جيل 1956 الرائع والشريف الذي خذلته الدكتاتوريات ثم الانقاذ 1
منبر الرأي
مناشدة عاجلة لوزير التعليم العالي
منبر الرأي
الترابي لم يمت
منشورات غير مصنفة
سلام يا ..وطن من أفسد الخدمة المدنية؟! .. بقلم: حيدر احمد خيرالله

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

المحجوب: آسف جداً .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم
منبر الرأي

بروفيسور منصور علي حسيب: طبيب باحث ومعلم من طراز فريد. بقلم: بروفيسور مصطفى عبد الله محمد صالح

طارق الجزولي
منبر الرأي

تجليات محنة ومازق العقل السلفي (2 ) .. بقلم: د. عبدالسلام نورالدين

د. عبد السلام نورالدينِ
منبر الرأي

لماذا لم يُعارِضْ الحزبُ الجمهوري اتفاقيةَ مياهِ النيل بعد التوقيع عليها؟ .. بقلم: د. سلمان محمد أحمد سلمان

د. سلمان محمد أحمد سلمان
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss