د. صلاح أحمد الحبو
المصالحة بعد الحرب ليست حفلة سياسية يتصافح فيها أمراء الحرب أمام الكاميرات، ثم يُطلب من السودانيين أن ينسوا. وليست صفقة جديدة بين النخب المسلحة والمدنية لإعادة توزيع السلطة والثروة. المصالحة الحقيقية تبدأ من السؤال الذي تخشاه السياسة عادة: ماذا حدث؟ ومن فعل ماذا؟ ومن دفع الثمن؟ ومن استفاد؟
هذه الأسئلة ليست انتقامًا من الماضي، بل شرطًا لمنع عودته. فالسودان لا يواجه مجرد آثار حرب انتهت، بل يواجه بنية سياسية واقتصادية أنتجت الحرب، وبقيت أجزاء كبيرة منها قائمة. ولهذا فإن إغلاق ملف الماضي دون تفكيك شروط إنتاجه يعني تحويل السلام إلى هدنة بين حربين.
الحرب منذ أبريل 2023 كشفت بصورة أكثر قسوة ما كان قائمًا قبلها: دولة ضعيفة أمام مراكز القوة المسلحة، اقتصاد سياسي تتشابك فيه السلطة والثروة والسلاح، وتهميش تاريخي للأقاليم، ومجتمع يدفع كلفة الصراع بينما تتفاوض النخب باسمه. وبعد أكثر من ثلاثة أعوام، لا تزال الانتهاكات والإفلات من العقاب مستمرين؛ وقد حذرت تقارير حقوقية من أن غياب المحاسبة ليس مجرد مشكلة قانونية، بل أحد أسباب إعادة إنتاج الانتهاكات. (Human Rights WatchAttachment.png)
لذلك لا يكفي أن نقول: «فلنتصالح». السؤال هو: أي مصالحة؟
إذا كانت المصالحة تعني العفو المتبادل بين الأقوياء، فهي ليست مصالحة وطنية. وإذا كانت تعني إسقاط جرائم الحرب مقابل اتفاق سياسي، فهي إعادة إنتاج للظلم تحت اسم السلام. وإذا كانت تعني مطالبة الضحية بالنسيان قبل أن تعرف الحقيقة، فهي استمرار للعنف بوسائل أخرى.
المصالحة تبدأ بالمصارحة: كشف الوقائع، توثيق الانتهاكات، معرفة مصير المفقودين، تحديد المسؤوليات، كشف شبكات التمويل والتسليح، والاستماع إلى الضحايا لا إلى النخب وحدها. ولا ينبغي أن تكون الحقيقة رواية المنتصر؛ بل سجلًا وطنيًا مستقلًا، تشارك في بنائه لجان مهنية وقانونية ومجتمعية، وتتاح فيه للضحايا فرصة الكلام والاعتراض.
وهنا يصبح مفهوم العدالة الانتقالية أكثر اتساعًا من مجرد المحاكمات. الدراسة الحديثة لمعهد الدراسات الأمنية حول السودان تؤكد أن السلام المستدام يحتاج إلى عدالة ومساءلة متكاملتين، تشملان الحقيقة والمصالحة وجبر الضرر وبناء السلام، وأن هذه العملية يمكن أن تبدأ حتى قبل توقف القتال، على أن تندمج في مسار السلام نفسه. (jstor.orgAttachment.png)
لكن الحقيقة وحدها لا تكفي. ماذا يعني أن يعرف السوداني من قتل ابنه إذا ظل بلا بيت؟ ماذا يعني أن توثق جريمة اغتصاب إذا تُركت الضحية بلا علاج أو حماية أو تعويض؟ وماذا يعني كشف تدمير قرية إذا لم يعد أهلها إلى أرضهم ولم تُستعد حياتهم الاقتصادية؟
لهذا يجب أن يكون جبر الضرر حقًا اجتماعيًا لا منحة سياسية: إعادة الممتلكات، تعويض الضحايا، علاج المصابين، تأهيل الناجين، إعادة النازحين واللاجئين متى توفرت شروط العودة الآمنة، وإعادة بناء المدارس والمستشفيات والأسواق وسبل العيش. فالحرب لم تدمر الأرواح فقط؛ دمرت رأس المال الاجتماعي والاقتصادي للدولة.
وهنا تظهر الطبقة الغائبة في خطاب المصالحة: من يملك الحرب ومن يدفع ثمنها؟
لقد تحولت الحرب في السودان إلى اقتصاد موازٍ له مصالحه وشبكاته وموارده، وفي مقدمتها الذهب والأسواق والتهريب. وفي اقتصاد كهذا يصبح استمرار الحرب مصلحة لفئات محددة، بينما يتحول الفقر والنزوح والموت إلى كلفة يدفعها ملايين السودانيين. وتشير تقارير حديثة إلى استمرار تدفق الذهب خارج قنوات الدولة واستعماله في تمويل أطراف الصراع، بما يكشف أن إنهاء الحرب سياسيًا لا يكفي إذا بقي اقتصاد الحرب قائمًا. (AP NewsAttachment.png)
لذلك فإن المصارحة التي يحتاجها السودان ليست فقط مصارحة حول الجرائم، وإنما مصارحة حول الثروة أيضًا: من امتلك الموارد؟ من راكم الثروات؟ من استفاد من الدولة؟ ومن حُرم منها؟ لا يمكن بناء سلام اجتماعي بينما تعود شبكات الامتياز القديمة إلى السيطرة على الاقتصاد الجديد.
وتؤكد تقديرات UNDP وInstitute for Security Studies في تقرير «Beyond the Conflict» لعام 2026 أن استمرار الحرب حتى 2030 قد يدفع 34 مليون شخص إضافي إلى الفقر المدقع، بينما يمكن لمسار السلام المقترن بالإصلاح والاستثمار أن يخرج 17 مليون شخص من الفقر ويضاعف الناتج المحلي أكثر من مرة بحلول 2043. (UNDPAttachment.png) هذه الأرقام تقول إن السلام ليس ملفًا أمنيًا فقط؛ إنه مشروع إعادة توزيع للفرص والموارد وإعادة بناء للاقتصاد الوطني.
ومن هنا فإن أخطر مصالحة هي تلك التي تعيد إنتاج النظام الذي صنع الحرب. أن يعود أمراء الحرب إلى السياسة، وتعود شبكات المصالح إلى الاقتصاد، وتعود الدولة إلى مركزيتها القديمة، ثم نعلن أن السودان قد تصالح مع نفسه.
ذلك ليس سلامًا؛ إنه إعادة تدوير للأزمة.
المصالحة المطلوبة هي التي تنقل السودان من دولة تتقاسمها مراكز القوة إلى دولة تحتكر السلاح بالقانون، ومن اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الإنتاج، ومن الامتيازات إلى المواطنة، ومن الإفلات من العقاب إلى سيادة القانون، ومن ذاكرة الضحية المنعزلة إلى ذاكرة وطنية مشتركة.
ولا ينبغي انتظار نهاية الحرب لكي نبدأ ذلك. فكلما طال أمد الصراع، تضخمت كلفة إعادة البناء، واتسعت الفجوة بين المجتمع والدولة، وترسخت اقتصاديات الحرب. وقد شددت مقاربات حديثة بشأن السودان على ضرورة دمج العدالة والمساءلة في عملية السلام نفسها، لا تأجيلهما إلى مرحلة غامضة تسمى «ما بعد الحرب». (jstor.orgAttachment.png)
السودان لا يحتاج إلى مصالحة بين الذين اختلفوا على السلطة بقدر ما يحتاج إلى مصالحة بين الدولة والمجتمع.
وهذه المصالحة تبدأ عندما تقول الدولة للضحية: سنكشف الحقيقة. وللمتهم: ستُحاسب وفق القانون. ولمن أُخذ حقه: سيُرد إليه حقه. ولمن استفاد من اقتصاد الحرب: لن تكون الثروة حصانة. وللمواطن: لن تعود الدولة ملكًا لمن يحمل السلاح.
فالمصالحة ليست أن ننسى الماضي.
المصالحة أن نكشفه، ونحاسب عليه، ونجبر ضرره، ثم نبني دولة تجعل تكراره أكثر صعوبة.
ولهذا فإن المعادلة السودانية بعد الحرب يجب أن تكون واضحة:
لا مصالحة بلا مصارحة، ولا مصارحة بلا حقيقة، ولا حقيقة بلا عدالة، ولا عدالة بلا جبر للضرر، ولا سلام مستدام بلا تفكيك البنية السياسية والاقتصادية التي أنتجت الحرب.
ذلك هو الفرق بين إطفاء الحرب وبناء السلام
habobsalah@gmail.com
