“عندما أعدتُّ بنا الإنسان، أعدتُّ بناء العالم”
المخزون المعرفي بين الغرب والعرب و”الفرق نقطة واحدة”:
قبل يومين بينما أنا بين سويعات خلوتي اليومية أمارس رياضة (نوردك ووكيج)، وهي عبارة عن رياضة المشي بعصايتين، كنت بصحبة رفيق ألماني وكنّا نتجابد أطراف الحديث عما علمتنا إيّاه مدارسنا كل في بلده على حدة. ويا للصدفة أن كلانا قد درس مادة الأحياء في سنة التخرج من المدرسة الثانوية بعام البكلوريا. لكن بكل صراحة وبغض النظر عن إننا لم ندرس نفس المنهجين فضلًا عن لغتين مختلفتين، أنني أرى حتى وخارج اطار التحصيل المدرسيّ، أن الفرق بيننا بجد شاسع، أولاً في كمِّ المخزون المعرفي واللغوي الحيّ الذي بحوزته في لغته الأم والذي تتيحه له اللغة الألمانية (سواءً عاميتها أم فصحاها)، ثانياً وبصورة عامة إجادته وتمكنه من أدواتها وذلك يتبدّى عبر التلقائية، سرعة البديهة، البلاغة وطلاقة لسان جبّارة حقيقة مدهشة، ويجدر أن نذكر في هذا الصدد أن معجم الطفل الألماني الشخصي قد يصل إلى عشرة ألف كلمة بينما لا يصل مخزون صغارنا من أبناء العرب إلى الألف ونصف على سبيل المثال لا الحصر، ثالثا نجد أن هناك فارقًا في الخبرة والتمرس بالمعارف اليومية عموما، أقصد هنا لغة الاصطلاح أو لغة الأغراض الخاصة فيما يخص ورشة نجارة أو أخرى منزلية مثلًا أو فيما يخص أغراض الأطفال العامة أو في حيّ الله مَعلَم أو منشط رياضي أو فني مثلا. وإذا ذهبنا إلى الحياة العامة نجد أن الألماني مثلاً له محصول كبير كما في لغته الأم من أسماء الحيوانات والحشرات، بالإضافة إلى ميزاتها، خصائصها، ثمّ له حصيلة كثيفة في أسماء الزهور والورد والأعشاب وحتى على طيلة كل الفصول. نجدهم يعايشون فصول السنة ويحتفون بها أربعتها: الصيف، الخريف، الشتاء والربيع. ونجد عندهم التدريب على مظاهرها مهم في تكوين الطفل حيث أنهم يضعون في رياض الأطفال أهمية قصوى للاهتمام بهذه التغيرات في الفصول ومظاهر الطبيعة العامة، يتغنون بها، فهم يغنون للربيع، للخريف، للمطر، وللجليد، للفراش، للماء والضباب، الخ، يرسخون عبر مورثهم الغنائي هذا آي الجمال في نفوسهم ونفوس صغارهم، فينشؤون وفي جعبتهم حصيلة كبيرة من الموروث المعرفي الشعبي والعلميّ بكل مجالات الحياة، شيء مدهش حقًا ومدرسة لا تضاهى هذه المدرسة الألمانية وحتى في التخطيط والتنسيق والانجاز والحديث في هذا الموضوع طويل. لذلك من هنا وفي هذه الألفية ومع إطلالة العام الجديد وبعد تحديات جائحة كورونا علينا أن ننتبه لهذا الأمر، وأن بناء الإنسان هو اللبنة الأولى للمشاركة في المنظومة العالمية، وأهم طريق في اطار خلق نماذج مثالية للنماء الإنسانيّ الصالح في المجتمع والبيئة عبر التربية القويمة التي تعنى بتنمية ودعم الإمكانيات الجسدية، العقلية والأدبية في طريقها إلى الوصول إلى الدرجة المثلى، والكمال لله، ولبلوغ هذه الغاية تتعاضد شتى العوامل المختلفة التي لا بد أن تلعب في توفيرها وتدبيرها واستدامتها الحكومات بمؤسساتها المتفاعلة من أفراد المجتمع عبر الصحة والتعليم والثقافة والإعلام والرياضة وغيرها، لأنها تعتبر عملية بنائية حيوية متواصلة تتبع خطا واحدًا هو الارتقاء بهذا الفرد، الإنسان، من أجل أن تجعل له قيمة، سواءً في صغره، شبابه، شيخوخته أو حتى في مماته. فللإنسان في العالم المتقدم قيمة عالية نفتقدها نحن في الدول العربية وفي دول العالم الثالث عموما، نجدنا ندخل الأمور الغيبة في كل فقد لإنسان حدث عن طريق الخطأ وكان يمكننا أن نتفاده، لنقول في النهاية، الله غالب وهذا أمر السماء!
أهمية المنظومة التعلميّة:
ربما نرى يا سادتي أن الذين يقومون على أمر التعليم في بلدانا وبلاد العالم الثالث، لا أظنهم يدركون إلى أيّ مدى أهمية وخطورة هذه العلمية، وهل في حالة عدم إدراكهم ينبغي علينا أن نرجئ الأمر لشحّ الموارد أو ربما قلّة الهمم؟ للأسف نجد عجلة التعليم قد حولت عقول صغارنا إلى آلات للحفظ والتكرار والتقليد، فانعدمت فيها روح الابتكار والخلق والابداع. الحقيقة لم يتغير شأن التعليم في دولنا هذه أبدًا، فمنذ أن تبصر عينا الطفل اليافع النور، يجد المعلم منتصبًا واقفا بجلاله وصلفه أمامه، يوحي له من أول وهلة أنه هو الآمر والناهي والحاكم العالي؛ هو وحده الذي يتكلم، يقرر، يسأل، ولا يُسأل، يضرب ويعاقب ويزجر، يُرغِّب أحيانًا ويُرهِّب أحيانا أخر، وكل ذلك ينبجس من أعماق فرديته دونما أيّة خارطة يتبعها، على عكس الحال في ألمانيا مثلا في تصور المنهجية العلمية التي ينبغي لكل معلم أن يحتذى بها ويطبقها بحذافيرها، وليس ما يمليه عليه ضميره وما تعلمه من قبل في صغره وكبره، وألا يكون ذلك هو الفيصل في حراكه المدرسي العام. نجد مثلًا قضية النظافة سواءً في المدرسة أو في صحن المجتمع، أو قضايا أخرى مثلًا كالصدق، الأمانة، الإتقان في العمل، التفاني، التعامل الراقي والمستدام، الخ، كلها أمور مفقودة حقيقة في مجتمعاتنا. لذلك نجد أن مجتمعاتنا – حسب التجربة المريرة – لم تُسيَّر أو تسير إلا بالعنف، للأسف، فيما يمكن أن نسميها عملية توليد وإنتاج العنف على حد سواء، ذاك هو العامل الرئيس والمجرب في مجتمعاتنا فيما يسمى بالتحفيز القهري، إن صح التعبير. فهل يجب علينا بسبب هذه الإخفاقات المتواصلة أن ندخل مادة التربية الأخلاقية وتربية البيئة المستدامة في مدارسنا؟ وهل ستأتي حينئذ أكلها، كما نرجو ويرجو الكثير من الآباء والأمهات والحادبون على مصلحة الأمة؟ هل ستغير من سلوك التعامل بين الناس وفي طرق العمل والانجاز الإنمائي المثمر؟ هل ستأتي لنا بالقيم والأخلاق التي يتوق لها المجتمع حتى يصل بها أو لنقل تُوصله إلى درجة المعافاة أو اليوتويبا على سبيل المغالاة؟ فإن تغيرت هذه الأشياء في عالمنا، حتما سوف نسهم في بناء إنسان سوي متحضر وقويم، يبنى مجتمعه بكل طموح ونكران ذات، متطلعا إلى حمايته والزود عنه في كل الظروف.
باولو كويلو وقصة الجريدة وبناء الإنسان:
كنت ذات يوم اتنقل هنا وهناك بين مواقع الصحف الإسفيرية فوقعت في طريقي قصة جميلة جديرة أن نجعلها حجرا كريما بين مكونات العقد الذي يحاول أن ينظمه هذا المقال، لما فيها من أهمية وعبر وروح بيداغوجية تعلمية تتحدث عن نفسها. لقد نشر الروائي البرازيلي المعروف باولو كويلو والذي اشتهر بقصة الخيميائي التي كان لها أعظم الأثر في عكس ولعه بالعوالم الروحانية الذي بدأ منذ شبابه كهيبي، حينما جال العالم بحثا عن المجتمعات السرية، وديانات الشرق وألقه ونكهته الفريدة التي طالما حلم بها في سني حياته المديدة. يقول كويلو في هذا القصة الآتي: ” كان الأب يحاول أن يقرأ الجريدة، ولكن ابنه الصغير لم يكف عن مضايقته، وحين تعب الأب من مضايقات ابنه، قام بقطع ورقة في الجريدة كانت تحوي خارطة العالم، ومزقها قطعا صغيرة، وقدمها لابنه، وطلب منه إعادة تجميعها! ثم واصل قراءته للجريدة ظانّا أن ابنه الطفل سيبقى مشغولا بها طيلة بقية اليوم، إلا أنه لم تمر غير ١٥ دقيقة حتى عاد الابن إليه، وقد أعاد ترتيب الخريطة! “فتساءل الأب مذهولا: “هل كانت أمك تعلمك الجغرافيا؟” رد الطفل قائلا: “لا، لكن كانت هناك صورة لإنسان على الوجه الآخر من الورقة، وعندما أعدتُّ بناء الإنسان، أعدتُّ بناء العالم!” رغم عفوية العبارة التي نطق بها هذا الطفل، نجدها تحمل في طياتها معنى عميق ورسالة خالدة ومحتوى نادر ينبغي أن نقف إليه برهة: “عندما أعدتُّ بنا الإنسان، أعدتُّ بناء العالم”، وتحوي القصة هنا أولوية البناء التي شرع الطفل في إعادتها: أولًا الإنسان ثم من بعد العالم، وتركيب الإنسان جعل من تركيب العالم أمرًا ممكنًا.
تاريخ أوروبا والبناء المستدام:
بالرجوع إلى تاريخ العديد من الدول الأوروبية التي لم تعرف طيلة قرون طويلة طعم الراحة والسلامة والأمن ولا حتى المدنية، نجدها صارت الآن من أرقى وأشمخ الدول وأعزها في شتى مجالات العلوم والفنون والمعرفة ذلك على كل الأصعدة، العامة والخاصة. وإذا طرحنا التساؤلات التي ربما تؤرق الفرد منّا هاهنا، سائلين كيف ولماذا ومتى، وعندما نرجع البصر لنجد هل من فطور ثم نرجعه كرتين فينقلب إلينا البصر خاسئا وهو حسير، ليقول: الوصفة سهلة للغاية، وهي أن القلوب والنفوس هي بيت القصيد والمحرك الديناميكي لهذا الرقي، لأنها هي أولًا وأخيرًا التي تجود بالغفران وتسمح بطوي صفحات ماض بغيض كانت سماته قاتمة بمعنى الكلمة ذلك عكسته شتى التجاوزات ومختلف المحن وثقيل الكوارث التي خلفتها تلك الحروب مع الدمار الشامل، فضلًا عن الاعتداءات الدائمة بين الكر والفر والتهجير والتهكير، بين الشعوب والقلوب والجنوب، إلى أن رجعت تلك القلوب إلى صوابها لتفتح جناحيها على مصراعيها لأسمى آيات الغفران وأقرّت في نهاية المطاف أنه لا مخرج ومنفذ من المحنة غير السلام وأيقنت وقتئذ وأدركت قيمة هذا الإنسان، الذي جهل الكل قيمته في غضون تلك المآسي، لكنهم رجعوا إلى الحقيقة والبيان من جديد ليُقِّروا بأنه، المفتاح في منظومة الخلق، وأنه هو ولا شيء أو أحد غيره، العنصر الرئيس والأساسيّ في بناء (أو تدمير) أي مجتمع على صعيد صغير ومن ثمّ بناء (أو تدمير) العالم على الخارطة الكبيرة، وكأننا ها هنا نتحدث يا سادتي عن لعبة التجميع “بَزِل” التي أوحت بها قصة باولو كويلو السالفة الذكر. وعلى صعيد آخر ما أجمل ما قالته ذات يوم رئيسة من رؤساء الدول الأوروبية، اعتقد فنلندا، عندما سُئلت عن موارد بلدها وقيمتها على الصعيد العالمي، فأجابت بكل ثقة قائلة لحظتئذ: “نحن لا نملك سوى الإنسان، لذلك فنحن نستثمر أولًا وأخيرًا فيه”. وليس بيننا من يشك في أهمية العملية التربوية التي تصبو لتحقيق الأهداف الكبرى لأي مجتمع من أجل سعادة هذا الفرد (الإنسان) الذي هو القاعدة الأساسية لكل مجتمع، ودعامته التي تقوم إلا به.
ألمانيا وفنلندا … أمثلة لبناء الإنسان بعد الدمار:
لقد كانت ألمانيا من البلدان الرائدة حتى قبل الحرب العالمية الثانية فجاءت الحرب وألقت على أرضها عصاها وبنت بها بيتًا وخيمة، فخيم عليها حينها الدمار والكساد والغبار، بيد أنّ عزيمة إنسانها لم تنكسر أبدًا، فها هي ذا وفي غضون بضعة عقود صارت مثالا للدولة المتقدمة. وأيضًا الدول الاسكندنافية ولنأخذ فنلندا من بينها، كأفقر دولة فيها، فلقد صارت هذه الدولة رغم محدودية مواردها وطقسها القاسي، دولة تقدم ورفاه اجتماعي مستدام، واسع المدى، وحتى بالمقارنة مع رفيقاتها من دول إسكندنافيا أو مقارنة مع ألمانيا، ورغم قلّة مواردها كما ذكرنا وبالتالي قلّة الإمكانيات الاقتصادية، استطاعت أن تتصدر قوائم البلدان الأولى في مجالات الصحة، التعليم وترقية مستوى الحياة. والسؤال الذي يطرح نفسه هاهنا: كيف تمكنت من الوصول إلى قمم الثريا انطلاقًا من هذه المعطيات المتواضعة من الموارد؟ هناك عدة عوامل ساهمت في ذلك: اهتمامها بالإنسان وقيمته في ترقية الحياة ودفع عجلتها إلى الأمام، بناء إنسان متعلم، بثقافة بيئية ومعرفية مستدامة، فتح أبواب ثقافة التفكير والجهر بالرأي والنقد البناء على مصراعيها ومن خلال هذه الصلاحيات يا سادتي ندرك جميعا ما للبشر عموما وللإنسان خاصة من أهمية قصوى في بناء أي مجتمع فما هذا الأخير إلا بنية تتألف فيها قلوب هؤلاء لتصنع المستقبل مجابهة كل التحديات التي تقف في طريقها من أجل النماء وحياة فاضلة مستحقة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم