تأمُلات
كمال الهِدَي
عبارةٌ وقعت عليها عيناي مراراً خلال الأيام الماضية، وكلما تجاهلتها وجدتها أمامي مرة أخرى، وذلك لأننا شعبٌ انطباعي لا نحاجج أنفسنا تجاه فكرةٍ أو فردٍ قُدِّم إلينا، فقبلناه منذ الوهلة الأولى، ليعزَّ علينا بعد ذلك مراجعة أنفسنا أو طرح الأسئلة حوله.
العبارة صدرت عن الدكتور حمدوك، وهي تقول: “بوصلتنا مصلحة الشعب السوداني”.
من حق أي فرد، بالطبع، أن يقتنع بما يقوله أي سياسي أو يرفضه، لكن لو صدَّق جميع السودانيين ما يردده الدكتور حمدوك، فسأظل على موقفي الراسخ بأن الرجل أحد أهم أسباب فشل حكومة الثورة.
وعبارته موضوع هذا المقال مرفوضة بالنسبة لي رفضاً تاماً؛ لأنها تناقض ما كان يفعله ويقوله إبان فترة رئاسته لحكومة الثورة.
فوقتذاك كان يوهمنا حمدوك بأن شراكتهم مع العساكر تُعد نموذجًا يُدرَّس، وقد ربط ذلك القول بالسلوك؛ إذ شاهدناه في العديد من المناسبات إلى جوار البرهان وحميدتي، وهو في غبطةٍ وسرور.
فأين كانت مصلحة الشعب حينذاك يا دكتور؟ ولماذا لم تصدُقوا مع هذا الشعب الذي لولا ثورة شبابه وتضحياته لما كان لكم شأن، ولما عرفكم السودانيون؟
لماذا لم تعودوا إلى الشارع الذي أوصلكم إلى تلك المناصب لتقولوا له إن العسكر كانوا يتأبطون شراً بثورة ديسمبر المجيدة؟
وقبل ذلك، لماذا تماهيتم مع العسكر وأفسحتم لهم المجال لإجهاض الثورة بتجاهلكم أحد أهم مطالب الثوار، وهو المجلس التشريعي، الذي كان سيضمن لأصحاب التضحيات الحقيقية أن يكونوا في قلب الأحداث، وأن يراقبوا ثورتهم من داخل المطبخ السياسي، بدلاً من حراسة المخابز وبراميل الوقود؟
ولماذا قبلتم بمؤامرة جوبا التي سُمّيت سلاماً، وسمحتم للموقعين عليها بدخول عاصمة البلاد بجيوشهم الجرارة وكامل عتادهم؟
ولماذا تخليتم عن أقوى وزراء حكومتكم بتلك السهولة، ولم تحرضوا الشعب (صاحب المصلحة) بمختلف الوسائل المتاحة – لو كنتم ثواراً بحق – لكي يساندكم ويقوي موقفكم في وجه أعداء الثورة الذين أرادوا تجريدها من أسلحتها القوية؟
ولماذا قبلتَ بأن يحيط بك داخل مكتبك عدد من أعداء الثورة وتجاهلتم النقد والنصائح في هذا الجانب؟
ولماذا استعنتَ، منذ أول ظهور رسمي لك كرئيس للوزراء، بمساعِدة إعلامية لا يعرف السودانيون عنها شيئاً (داليا الروبي)، ولم تطلب العون من أي إعلامي أو إعلامية ثائرة معروفة للناس؟
ولماذا استعنتُم بمديري مكاتب لبعض الوزراء من موظفات سابقات في شركات أسامة داؤود؟ (منى)، مديرة مكتب وزير الصناعة مدني، نموذجاً.
الأسئلة كثيرة، والوجع أكبر؛ لذلك لا تروق لي عبارات من شاكلة: «بوصلتنا مصلحة الشعب»، فلو اتبعتم هذه البوصلة منذ البداية لربما كفانا ذلك شروراً كثيرة.
أعلم أن جماعة «شكراً حمدوك» أوجدوا لكم الأعذار دائماً بحجة أن الكيزان والعساكر شكّلوا عليكم ضغوطاً وسعوا لإفشال حكومتكم، ولا أدري ماذا كنا نتوقع ممن أطاحت الثورة بحكمهم الطويل؛ هل كان متوقعاً مثلاً أن يفرشوا لكم الطريق بالورود؟
من المعلوم أن أي حكومة تتشكل بعد ثورة شعبية ستواجه صعوبات شتى، لكن المطلوب أن تصارح هذه الحكومة شعبها، وأن تضعه في صورة الأحداث، إن كانت قد تشكلت من ثوار حقيقيين.
أما الحديث عن أن الدبلوماسية كانت تقتضي التماشي مع العسكر حفظاً للدماء، فلا أقبله شخصياً، باعتبار أن الدماء التي سالت قبل تشكيل حكومتكم لم تكن هينة ولا بسيطة. ولو أنكم اتخذتم المواقف الصلبة المطلوبة وأشعل الكيزان حربهم الحالية، لوجدنا لكم العذر، ولقُلنا إنكم فعلتم ما بوسعكم، إلا أن قوى الشر كانت أشد.
لكنكم، للأسف، فرشتم لهم طريق وأد الثورة بالورود عبر أخطاء فادحة، مثل عدم تشكيل المجلس التشريعي، والصمت على خلافات العسكر معكم، والقبول بمؤامرة جوبا التي وفرت حاضنة للانقلاب.
ولن أنسى قبولكم بجبريل وزيراً للمالية عوضاً عن الدكتور البدوي، لنشهد هذا الخراب والدمار الاقتصادي الذي، حتى إن توقفت الحرب غداً، فسيحتاج إصلاحه إلى عشرات السنين، هذا إن أمكن الإصلاح أصلاً.
نتفق حول موقفكم الرافض لاستمرار الحرب، ونقدره لكم، لكن الحرب نفسها ما كان لها أن تندلع لولا تماهيكم مع العسكر.
ولهذا أختلف مع من يقولون إن الوقت وقت الوقوف مع ابن عمي ضد الغريب، وإن علينا تأجيل نقدنا للمدنيين؛ فما بلغناه من خراب غير مسبوق، ولم يبقَ لنا ما نخسره.
كما أن هذا الحديث نفسه ظل يتكرر منذ الأسابيع الأولى لتشكيل حكومتكم ومع بدء مفاوضات سلام جوبا المزعوم؛ فكلما انتقدناكم وقتها كنا نسمع عبارات من شاكلة: “مثل هذا النقد يفسح المجال لعودة الكيزان” و”السلام سمح” . والمفارقة أن الكيزان الذين تخوف البعض من عودتهم كانوا وقتها يتولون مناصب داخل مكتب حمدوك، الذي امتلأ بالغواصات أيضاً.
ولهذا كنت شخصياً أُصرّ على النقد والتنبيه إلى مكامن الخطر، وهو ما نبّه إليه آخرون غيري، لكن لا حياة لمن تنادي.
واليوم، وأمام كل ما نشهده ونعيشه، لم يعد السكوت على أخطاء المدنيين، وقصور تفكير بعضهم، وتواطؤ البعض الآخر، خياراً ممكناً. فقد كان هذا السكوت، في الأصل، نوعاً من الهروب إلى الأمام، أما الآن فلم يعد أمامنا ما نهرب إليه، وأصبح لزاماً علينا البحث عن حلول جذرية لمشكلات السودان في مرحلة ما بعد الحرب.
kamalalhidai@hotmail.com
