“بيت العنكبوت”: الاستقصاء داخل جهاز الأمن .. بقلم: صلاح شعيب
قليلة جدا هي تجارب التوثيق في الحراك السوداني عموما، والسياسي خصوصا. وبرغم أن سنوات الإنقاذ قد شهدت تحولات كبيرة على مناحي الحياة فإن الحاجة إلى توثيقها صارت من المستحيلات داخل البلاد. ففي ظل طبيعة هذا النوع من الأنظمة الديكتاتورية التي حكمت السودان فإن مجال التوثيق ظل ضيقا في بيئة تقوم ثقافتها أصلا، ولزمن طويل، على المشافهة عوضا عن التدوين. ومع توفر سبل النشر، وهجرة عدد كبير من المثقفين، والناشطين سياسيا للخارج، إلا أن محاولات التوثيق ظلت تعاني من عقبات كثيرة، من بينها أن هذا الضرب من العمل الثقافي يحتاج إلى دعم مادي، ومعنوي، أكبر قد لا يتوفر لدور النشر المضطلعة بالمهمة. كما أن بعض الأفراد المهتمين قد لا يستطيع وحده حمل أعباء التوثيق الذي يتطلب الجهد الجماعي. ولكن إذا تعذر وجود التوثيق في داخل البلاد لأسباب تتعلق بإهمال دور الثقافة، وتصحر المتاحف، وإهمال الآثار، وسرقتها، وفقر الميزانيات المقدمة للجامعات لرصد وتوثيق مراحل الحياة السودانية، فإن السودانيين الذين يعيشون في الخارج قد عجزوا عن توثيق بعض مظالمهم، أو الجرائم، التي اقترفها النظام القائم ضدهم حتى اضطروا للبحث عن أوطان يستظلون فيها بالأمان، والكرامة. وإذا أقمنا الأعذار للمهاجرين في ظل الانشغال بفترات الانتقال التي يعايشونها بمرارة وصعوبة، فإن الأحزاب، والحركات المسلحة، ومنظمات المجتمع المدني كان يمكن أن تقوم بتوثيق، على الأقل، الجرائم التي ارتكبت ضد عضويتها، أو نشر أسماء الذين استشهدوا دفاعا عن حقوقهم، وحماية لأنفسهم في ميادين القتال. وتنبع أهمية التوثيق لهؤلاء الذين ضحوا عبر هذه المظاهر السياسية تقديرا لدورهم النضالي لتحقيق دولة المواطنة التي رووها بدمائهم. وليس هناك جهد أقل من أن تتعهد قوى المعارضة أمر نشر سجل كامل بالأموات الذين رافقوا الأحياء، وتقاسموا معهم المبيت في الخنادق يوما.
لا توجد تعليقات
