حين قرأت رسالة أمين حسن عمر إلى الداعشي «المصباح أبو زيد»، قائد كتيبة البراء بن مالك، كنت أعلم أنه يكذب حين قال إنه كان قد صوّت ضد قانون الدعم السريع. فقد كنت أعلم أن الأحزاب العقائدية، كالإخوان المسلمين والشيوعيين، تستند إلى المركزية التنظيمية، وأن التصويت لصالح قرارات التنظيم يُعدّ التزاماً من التزامات العضوية، وفقاً للوائح هذه التنظيمات الشمولية. ولذلك فإن ادعاء أمين بأنه اختار ان يصوت ضد القانون مجرد وهم حاول ان يبيعه للناس.
وقد كتبت من قبل، منبهاً إلى خطورة هذا النهج على الثقة بين هذه التنظيمات والمجال العام، بما فيه النقابات ومنظمات المجتمع المدني؛ إذ إن هذه التنظيمات لا تسعى إلى التوصل إلى قرارات تقوم على الحوار والتفاهم المشترك، بقدر ما تسعى إلى توجيه منظمات المجتمع المدني بما يخدم أجندات الحزب وقراراته مما يتسبب فى غياب الشفافية ومصادرة الثقة والتعددية فى الراى داخل المجتمع المدنى. فى تقديرى كذلك ان انعدام الشفافية بين البرهان وحميدتى بناءا علي سياسة الاسلاميين هذه هى التى تسببت فى ضرب الثقة بين الرجلين حين ادرك حميدتى ان مشاورات البرهان له مجرد إجراء شكلي لانه لا يملك القرار.
ثم جاء المقال الأخير للصحفي الدكتور مرتضى الغالي، حاملاً تفاصيل تؤكد أن أمين حسن عمر لم يُبدِ أي اعتراض على القانون، بل كانت كذبة بلقاء منه كعادة الاسلاميين على طريقة ” الكذب فى سبيل الدعوة حلال” و ” الحرب خدعة ” ، حيث اتضح ان الشخص الوحيد الذي اعترض عليه كانت مواهب السيد، التي واجهت أمين حسن عمر قائلة له:” كنت داخل القاعة ، ولم تكن لك مداخلة ترفض القانون او تعترض على اجازته، بل صوتم جميعا على إجازته ، ولم يكن بينكم صوت رافض سوى صوتي “.
ويؤيد ذلك أيضاً تصريح قائد الدعم السريع، الذي قال بفخر إن الجميع صوّتوا لصالح القانون، باستثناء امرأة واحدة.
وفي تسجيل صوتي للأخ خالد محمد علي، استنتج، في رأيي، بصورة صحيحة، أن القرارات المتعلقة باستقلالية قوات الدعم السريع والدعم السخي الذي تلقته لم تكن قرارات البرهان وحده، وإنما كانت جزءاً من حسابات الحركة الإسلامية، التي افترضت أن هذه القوات ستظل خاضعة لنفوذها. لكن يبدو أن حميدتي خذلهم، وتصدّى لاحقاً لما رآه من محاولات للسيطرة على قواته، ومن مؤامرات وفساد، بعد أن اطّلع على دهاليز الحكم.
ويبدو أن الحركة الإسلامية استخدمت مختلف وسائل الإغراء والاختراق للتأثير في قوات الدعم السريع. ومن أوضح الأمثلة على ذلك اعتقال قيادة الدعم السريع مديرَ التدريب، الصادق السيد، ونائبَه عثمان ود القبائل، وهما من الضباط المنتدبين من الجيش، بسبب دورهما ــ بحسب هذه الرواية ــ في مخالفة التعليمات والمشاركة مع قوات الدعم السريع في فضّ الاعتصام، بما كان يمكن أن يساهم في توريط القوات في قتل المدنيين.
وجدير بالذكر أن اعتقال الرجلين جاء في يوليو 2019، أي مباشرة بعد أحداث فضّ اعتصام القيادة العامة. وظلّا معتقلين لمدة أربع سنوات في أم درمان، إلى أن أطلق الجيش سراحهما في أبريل 2023، بعد اندلاع الحرب الأهلية.
هذه الوقائع، إذا وُضعت في سياقها، تفتح الباب أمام قراءة مختلفة للعلاقة التي نشأت بين الحركة الإسلامية وقيادة الدعم السريع، وكيف تحولت من محاولة احتواء واستقطاب إلى صراع انتهى بانفجار الحرب.
ختاما لايسعنى الا ان اردد بحسرة وغضب مقولة د. مرتضى الغالي الشهيرة ( الله لا كسبكم).
طلعت محمد الطيب
