بين الحبّة والقُبّة! .. بقلم: د. مرتضى الغالي
30 أبريل, 2018
د. مرتضى الغالي, منبر الرأي
36 زيارة
لا يذهب العُرف بين الله والناس! ولولا الحديث الذي يساق في تقريظ ما لا يمكن تقريظه من المواقف السياسية لمن يخرجون من مواقع السلطة في (فرقعة باهتة) كما حدث في قصة وزير الخارجية المُقال، لولا ذلك لما اهتاجت مجدداً (الذكريات الموجعة) وإستعادة ما جرى عندما تم إعداد المعاول من أجل إزاحة وتفكيك الحركة النقابية السودانية! فقد كانت تلك أخطر حلقة في (برنامج التمكين) وأكبر تمهيد لزعزعة مؤسسات الدولة المُنتجة ومرافقها ذات القيمة والأهمية، وقتل الحيوية الإجتماعية، وإضاعة حقوق العاملين وتذويب مهنتهم ومهنيتهم، هذا علاوة على التشريد الذي طال الآلاف وأغلق البيوت وأطفأ مواقد المعيشة، وشرّد العيال وأذهل الآباء والأمهات حتى انشقت مرارات كثيرين منهم نتيجة (المغسة) والمهانة وقلة الحيلة !
هذه الأعجوبة التي كان إسمها (نقابات المنشأ) تم إرساؤها تحت المشاركة الفاعلة للرجل الذي أصبح رئيساً لنقابات عمال السودان مع العلم بأنه لا يمكن بقرائن الحال أن يكون ممثلاً لهم من قريب أو بعيد، فهو ليس بعامل ولكنه طبيب بروفيسور! وقد كانت حكاية نقابة المنشأة من الحيل التي أضاعت كيان العاملين وداست على حقوقهم، ومن صنعوا هذه الأعجوبة وخططوا لها وركبوا على ظهرها كانوا يعلمون ما صنعوه بسبق الإصرار والترصُّد! فكيف تنسى الذاكرة الوطنية ما حدث لمجرد إن تصاريف السياسة وتقلّبات المناصب دفعت بأحد هؤلاء إلى مواقع أخرى حتى جاءت به إلى وزارة الخارجية ودنيا الدبلوماسية!
الأخلاق السياسية بل الإلتزام السياسي يحتّم أن يكون السياسي مسؤولاً عن مُجمل التركيبة السياسية التي يشترك فيها، ويعمل عبر أهدافها واستراتيجياتها، ويبقى بالتالي مسؤولاً عن كافة القرارات والوقائع السياسية التي حدثت وهو في (قطار السلطة) ولا يمكن أن يتحلل الشخص أو (يتملّص) مما شارك فيه لمجرد وقوع (حدث جانبي عارض) مثل تأخير بعض مرتبات مرؤسيه؟ فماذا تساوي هذه الواقعة مثلاً مع واقعة فصل عشرات الآلاف من وظائفهم والدفع بهم إلى المجهول؟!
إن الحديث عن الأشخاص هو آخر ما يهمنا؛ ولكن النظر للأمر يكون في غاياته ومآلاته العامة، فليس المهم من الذي يترجّل من الوزارة أو من يصعد إليها إذا ظلت الكليات هي الكليات والسياسات هي السياسات والهيمنة هي الهيمنة! ولكن الضرورة تقتضي أن يتسلح المواطنين بالوعي في كل الأحوال وأن تبقى الذاكرة الشعبية حيّة تحفظ مجريات ما حدث في الفضاء العام (خيراً أو شراً) بإعتبار أن كل شخص عام مسؤول عما قام به، وأن كل من يتصدى للعمل العام يتم الحكم له أو عليه من واقع المسؤولية العامة وما صنعه إختياراً وهو يتقلّد وظيفة عامة أو منصباً عاماً تؤثر تبعاته مباشرة على الوطن والمواطنين!
هذا يذكّر الناس بقول السيد المسيح: هل تطلبون الفتوى في البعوضة وتبتلعون الجمل؟ وهو يقصد من يحاولون الإدعاء بأنهم قد تأذوا من (صغائر الأمور) في حين أنهم لم يتعفّفوا عن (إرتكاب عظائمها)! ويريدون أن يخرجوا للناس في لبوس آخر، حتى يكتسبوا مظهر الضحية فيسرعون إلى تغيير أزيائهم المعهودة ليتزيّنوا بمسوح الرهبان.. وهيهات!
murtadamore@yahoo.com