محمد صالح محمد
ثمة أرواحٌ خُلقت من طينٍ غريب صلبة كحجر الصوان في ملمسها لكنها تخبئ في جوفها أنهاراً من الكوثر هي تلك “الزولة” التي تلبس القسوة درعاً وتتخذ من الصمت سياجاً بينما ينبض خلف أضلعها قلبٌ لو وُزّع حنانه على العالمين لكفاهم وأفاض.
قناعُ القسوة هروبٌ أم حماية؟
في لغتها جفافٌ يوجع وفي ملامحها حدةٌ تشبه نصل السيف؛ تنظر إليك وكأنها لا تراك وتتحدث إليك وكأن الكلمات تخرج من زفرات ضيق يظن الغريب أنها جُبلت من قسوة وأن المشاعر عندها مجرد ترفٍ لا تملكه و لكن المتأمل في عينيها يدرك أن هذه القسوة ليست إلا “ميكانيزم دفاعي” غطاءً سميكاً وضعته لتحمي هشاشتها المفرطة من خدوش الأيام.
التناقض الموجع …
ما أقسى أن تحب روحاً تعطيك ظهرها وهي تفتح لك أبواب الجنة في الخفاء! هي تلك التي توبخك بلسانها وتسهر على راحتك بقلبها تقول لك “لا شأن لي بك” بينما صلاتها في جوف الليل لا تخلو من اسمك.
“رغم قسوتك ديك… حنان الدنيا كلها فيك”
ليست هذه مجرد كلمات بل هي اعتراف بحقيقة “الزولة” التي تجيد فن الاختباء خلف ملامح الجمود إنها تشبه الأرض الصحراوية؛ في ظاهرها عطش وقحط وفي باطنها مخزونٌ من المياه العذبة لا يدركه إلا من حفر عميقاً بالصبر والثبات.
جمال الحزن في عمقها …
هناك حزنٌ نبيل يسكن نبرة صوتها حزنٌ يجعل من قسوتها نوعاً من الزهد في إظهار الود كأنها تخاف إن هي أفصحت عن حنانها أن ينفرط عقد قوتها. هي “الزولة” التي تمنحك الأمان في عزّ الخوف ليس بكلمات معسولة بل بوجودٍ صلبٍ كالجبال وعاطفةٍ جارفة تتدفق تحت السطح الهادئ والمخيف أحياناً.
القسوة الظاهرة ليست دائماً موتاً للمشاعر بل قد تكون أصدق أنواع الحب حين تعجز اللغة عن احتواء فيضه. فسلامٌ على تلك القلوب التي تظلم نفسها بالجمود لتمنح من تحب دفئاً لا ينطفئ.
في محراب الروح المتعبة …
وفي نهاية المطاف يبقى ذلك التناقض هو “اللعنة الجميلة” التي تسكنكِ يا زولة؛ فما قسوتكِ إلا صرخة صامتة لقلبٍ لم يعد يقوى على الانكسار أكثر وما حنانكِ إلا فطرةٌ غلبت كل محاولات التخفي إنكِ تلك الغيمة التي تبدو مثقلةً بالظلال والبرق لكنها لا تهمي إلا بالمطر الذي يحيي هشيم الروح.
لقد أرهقكِ أن تكوني “السند” و”المنفى” في آنٍ واحد فصرتِ كالبحر؛ موجُه يرتطم بالصخور بعنف وفي أعماقه لؤلؤ السكينة ودفء الحياة.
رفقاً بذاتكِ فالحنان الذي يسكنكِ لم يُخلق ليُوأد خلف جدران الجمود بل خُلق ليكون هو الحقيقة الوحيدة التي ننجو بها من وحشة هذا العالم.
binsalihandpartners@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم