شهدت بلادنا سلسلة من الحروب و النزاعات السياسية -الاهلية الطاحنة، لكن جيلنا -مواليد السبعينات/ مواليد سلام اديس اببا ومابعد تمرد الانانياـ كان شاهد علي ثلاثة حروب ذات أثر مدمر .. تلكم هي (تمرد جنوب السودان) او تمرد الكتيبتين ١٠٥ و ١٠٤ انطلاقاً من مدينة بور في١٦ مايو١٩٨٣م، والذي افضي الي انقسام الجنوب وقيام دولة فيه، و (تمرد) قوات الدعم السريع ١٥ ابريل ٢٠٢٣م الذي لا يزال علي قدم وساق و أفضي حتي اليوم الي (تقاسم امر واقع) تضع بموجبه القوات (المتمردة) يدها وبندقيتها علي كامل اقليم دارفور و اجزاء من كردفان و النيل الازرق بعد سيطرة مؤقتة علي اجزاء واسعة من الوسط. وبينهما اضطرابات اقليم دارفور في ٢٦ فبراير ٢٠٠٣م.
ما يعني ان بلادنا تشهد حرب شعواء مرة واحدة علي الأقل كل عقدين!!
ولا تنتهي فيها حرب الا ان كانت أخري قد اشتعلت او علي وشك الاشتعال!!
حربين من تلك الحروب الثلاثة كان لهما أثر مدمر ليس علي الحكومة وأجهزة الدولة فقط وانما علي المجتمع نفسه، فحرب ١٩٨٣م قبل ان تقسم تراب الوطن قسمت المجتمع، اذ خلقت حاجز نفسي؛ او عمقته بالأصح، ذلك الحاجز بين الشماليين والجنوبيين كان تمرد توريت ١٩٥٥م هو ما وضع حجر الأساس له ..
لكن أهم من كل ذلك ان حرب ١٩٨٣م تسببت او تزامنت مع جفاف ٨٤/٨٣ وقادت الي مجاعة امتدت الي ١٩٨٥م التي كانت لها اثار كارثية علي بني المجتمع وعلي قيمه واخلاقه(اختفاء قيم الرخاء وسيادة ثقافة وقيم الحرمان والشح والندرة)..
ذلك التأثير لم يجد مع الأسف حظه من البحث والتدقيق المنهجي، وان كانت الحرب لم تتسبب مباشرة في المجاعة الا انه كان لها تأثير كبير عليها، اذ اثرت اولا علي استجابة الدولة، التي اعادت ترتيب اولوياتها فكانت الكوارث (والتنمية) في ذيل اهتمامها ولم تكن في الاساس علي رأس اهتماماتها؛ اذ ان الفساد كان يعصف بكل الحكومات التي تعاملت مع حرب ١٩٨٣ من جعفر نميري الي عمرالبشير مروراً بحكومة الاحزاب قصيرة الأجل ـ والنفس، فيما اصبح المجهود الحربي (والحشد للنصر العسكري) هو الاولوية.. ان للنزوح و اللجوء الذي يصحب الكوارث (الحروب والمجاعات) انعكاس عميق علي الروابط الاجتماعية و علي النسيج و علي المنظومة القيمية للمجتمعات، وعندما تتطاول تلك الازمات زماناً و تتسع مكاناً فانها تؤشر علي ان مجتمع ما قد دخل في حالة شتات (دياسبورا) وهذا اخطر ما يصيب المجتمعات..
ان الشعب اليهودي هو نموذج مثالي لحالة الشتات تلك، فعلي الرغم من كونه من اعرق الشعوب و اقواها رابطة (اسطورة) الا ان حالات الشتات التي تعرض لها جعلته من اصغر الشعوب و رغم انه هجح مؤخراً في (تلفيق) وطن قومي، الا انه يظل شعب في مهب ريح التاريخ، فلأغلب القوميات اكثر من دولة (العرب لهم ٢٢ دولة والسلاف عدد مماثل و اللاتينوز والساكسونيين كذلك) اما اليهود فليس لهم الا وطن وحيد (اسرائيل) لا يزالون ينازعون ل(تطبيع) وجوده!!
قد لا ينافس السودانيين اليهود (في الشتات) لكن هناك بين شعوب المنطقة من شهد سابق حالة مماثلة (الاثيوبيين والاريتريين والصومالين) لذا تجد لهم تأثير في دول (الدياسبورا) حيث تنشط جالياتهم واصبحوا يمثلوا جماعة ضغط مؤثرة وكتلة يحسب حسابها انتخابياً خصوصاً في الولايات المتحدة، هؤلاء يمكن ان نجاريهم (في الشتات) لكن للأسف ينعكس الاختلاف الداخلي للسودانيين علي وجودهم في الخارج فتلاحظ حالة الانقسام والتشظي التي تصل لدرجة العنف بينهم احياناً !!
فمع اندلاع تمرد ٨٣ بدأ شتات تأثرت به اولاً مجتمعات الجنوب اذ تشتت العوائل والاسر و العشائر بين دول شرق ووسط افريقيا، فيما نزح قسم كبير نحو الشمال وعاش في (غيتوهات) أي خلقوا لهم تجمعات معزولة (وعلي الرغم من انه لم تكن توجد موانع قانونية وامنية تحول دون اندماجهم في المجتمع الذي نزحوا اليه، الا ان الاندماج يحتاج الي ماهو اكثر من مجرد ازالة الموانع الامنية والقانونية).. ثم تمدد الشتات الجنوبي الي مصر اوروبا واميركا واستراليا مع وصول الجبهة الاسلامية للحكم وتحويلها الصراع من تمرد (خارجين عن القانون) علي الحكومة الي جهاد تشنه الحكومة (الاسلامية) علي رافضين لسلطتها وتزعم انهم مدعومين وجزء من تحالف صليبي صهيوني يستهدفها!
عند تلك النقطة اخذ الشتات يشمل كذلك سياسيين وناشطين شماليين كما شمل كثير من الباحثين عن (فرصة هجرة للعالم الاول) متحججين بانتهاكات حقوق الانسان التي مارستها سلطة الجبهة الاسلامية فعلاً !!
ثم جاءت الحرب الراهنة لتكمل مشروع ٨٣ و حرب دارفور!!
فمن حيث اللجوء والنزوح شهد المجتمع حالة ليس لها مثيل منذ ١٨٩٩م، فقد توزع السودانيين بين دول الاقليم فيما كانت حالة النزوح الداخلي كارثية.
لكن مع الاسف تزامن لجوء السودانيين مع صعود المد اليميني المعادي للمهاجرين، ماجعل هؤلاء اللاجئين في حالة اقرب الي عالقين وليس لاجئين! وما من خيار امامهم الا الاقامة في بلدان اللجوء تلك (الاقامة علي الرمضاء) بلا أي مساعدة، او العودة الطوعية الي النار !!
وجه الشبه الثاني بين ٨٣ و ٢٠٢٣م هو ازمات انهيار الخدمات وغلاء المعيشة التي تبدأ من اضطراب سلاسل امداد الغذاء و تنتهي بالمجاعة، فحكومات (الحرب) لا تهتم بادارة الملفات الاقتصادية و معاش الناس انما فقط تهتم بالحرب! فلا احتياطي نقدي، ولا مخزون استراتيجي، ولا تمويل زراعي، ولا رعاية صحية ولا يحزنون.. علي المنتج و المزارع ان يواجه تكاليف ومدخلات انتاج بسعر دولار جمركي يقترب من الخمسة ألف/ألف جنيه، متزامن مع انهيار تام للعملة الوطنية!
موسم جفاف واحد كفيل بقتل الجميع حتي جنود الحكومة..
ان ضحايا الحرب. ليس اؤلئك الذين اصيبوا بالرصاص او شظايا القذائف فقط، فهناك الالاف من مرضي الامراض المزمنة قضوا نتيجة انعدام الدواء (مرضي الكلي و السرطان و السكر وضغط الدم)، ثم الالاف الذين قضوا بالحميات و الكوليرا نتيجة انعدام الماء النظيف و لتلوث البيئة (عدا ان استخدام مواد معالجة المياه -الكلور- كسلاح كفتاك).
ثم يأتي الجوع (الكافر) بسلاحه الأشد مضاءاً ليكمل ما بدأته الاسلحة والامراض…
لقد بعث موسم ٢٤/٢٣ الزراعي برسالة في بريد الجميع وذلك حين كانت الامطار دون المتوسط، وكالات الأمم حينها تلقت رسالة الموسم وحذرت من ان ثلث السكان يواجهون مستوي او آخر من الجوع، ورفضت الحكومة استلام الرسالة وقالت ان شعبها رزقه في السماء فلن يجوع!
اما موسم ٢٧/٢٦ فهو يبعث بانذار أخير، ان ادركوا الناس، بل ادركوا انفسكم.. فهل من مجيب؟ او هل من سامع!
ابونوره اوهاج
