حين يلبس الرجال الأبيض…
بعد نشر الجزأين الأول والثاني، تذكرت ملاحظة قالها لي صديق موريتاني عرفته طويلًا بدقة الملاحظة قبل جزالة العبارة. لم يدخل في نقاش نظري مباشر، بل توقف عند صورة بسيطة قال إنه التقطها في أكثر من بلد، وكتب: “كلما زرت الخليج شدني مشهد يتكرر: رجال يلبسون الأبيض، ونساء يلبسن الأسود. ولا أقصد الثياب، بل ما يوحي به هذا التضاد اللوني.”
أغلقت الرسالة، لكن السؤال لم يُغلق معي. فبعض الأسئلة لا تُجاب بقدر ما تستقر في الداخل كأنها جزء من طبقة أعمق من التفكير. فالإنسان لا يعيش بالأفكار وحدها، بل بالرموز التي تسكن يومه دون أن يلتفت إليها. والثياب، مثل العمارة واللغة والإيقاع الاجتماعي، ليست مجرد وظائف عملية، بل طرق خفية لرؤية العالم وتفسيره.
لم أتوقف عند الأبيض والأسود بوصفهما لونين، بل بوصفهما طريقة في تخيّل العالم. فالحياة كما خبرتها في طفولتي في السودان، ثم رأيتها لاحقًا في نيروبي وضفاف البحيرات، لا تعرف هذا الحسم اللوني الصارم. لا وجود فيها للأبيض الخالص أو الأسود الخالص، بل لتدرّج لا ينتهي: أخضر يتبدل مع الضوء في كل لحظة، ماء يعكس السماء بأكثر من هيئة، وسماء لا تثبت على حالة واحدة، بل تتخللها أحياناً ألوان قوز قزح مستعيرة إزدحام الوجدان.
الحياة في أصلها ليست ثنائية، بل متصلة ومتداخلة. لكن الإنسان، حين يفرط في ترتيب العالم ذهنيًا، يميل إلى اختزاله في ثنائيات حادة: مواطن/بدون، منقبة/سافرة، مطوع/فاسق، إلى آخره. وما إن تستقر هذه الثنائية في الوعي حتى تتجاوز كونها فكرة، لتصبح طريقة كاملة في النظر إلى الأشياء كلها.
ولعل هذا ما أعاد إلى ذهني طرفة رواها لي أستاذ إنجليزي. قال إن أحد مواطنيه عاد من زيارة إلى الخليج، فسأله أصدقاؤه: ما أكثر ما لفت انتباهك؟ فأجاب: “مجتمع يقبّل الرجال بعضهم بعضًا، لكنه يتحرج من مصافحة النساء!”
ضحكت يومها، ثم أدركت لاحقًا أن الطرفة، رغم ذكائها، لا تخلو من عين ثقافية ترى العالم من زاوية واحدة، وتظن أن معيارها الخاص هو معيار الطبيعة ذاتها. لكنها مع ذلك لم تكن سطحية تمامًا، لأنها فتحت بابًا لسؤال أعمق من العادات: كيف تُنظَّم العلاقات داخل المجتمع؟ وكيف تتحول التفاصيل اليومية الصغيرة إلى جزء من الصورة الكلية للإنسان عن العالم؟
فالعلاقة بين الرجل والمرأة ليست مجرد أحكام أو أعراف، بل جزء من النسيج اليومي للحياة، تتولد منه المجاملة والدهشة والحياء وسوء الفهم والفكاهة، وكل تلك التفاصيل التي لا تُدوَّن في القوانين لكنها تُحفر في الوجدان.
وحين تضيق مساحة العفوية في العلاقات، لا تتغير السلوكيات وحدها، بل يتغير المناخ الذي يولد فيه الخيال نفسه. فالخيال لا يعيش في الكتب فقط، بل يتغذى من الحياة اليومية: من الأسواق والمقاهي والنوادي والجامعات، من الاحتكاك غير المتوقع، ومن احتمال أن يفاجئك العالم بدل أن يكون مُغلقًا بإحكام.
في إحدى تلك اللحظات، قلت لصديق، في شيء من المبالغة التي لا تخلو منها الكتابة: “بعض المناخات الاجتماعية لا تقتل الفحولة فقط، لكنها أيضًا تئد الرجولة.” ثم توقفت، وكأن الجملة تحتاج أن تُفهم أكثر مما تحتاج أن تُقال.
لم أكن أعني الفحولة بمعناها الجسدي، ولا الرجولة بمعناها البيولوجي أو الاجتماعي المباشر، بل استخدمتهما بوصفهما استعارتين. فالفحولة في ذهني هي جرأة المبادرة، أن يمد الإنسان يده إلى المجهول دون ضمانات. أما الرجولة، في معناها الأعمق، فهي استقلال الضمير، أن يقول الإنسان “لا” حين ينبغي أن تُقال، وأن يتحمل كلفة موقفه دون أن يستعير شجاعته من أحد.
وحين يطول مقام الإنسان في مناخ يكافئ الحذر أكثر من المبادرة، ويجعل السلامة أسبق من التجربة، ويحوّل الصمت إلى خيار عقلاني دائم، فإن ما يذبل لا يكون الصوت فقط، بل تلك الطاقة الأولى التي تنشأ منها الحركة والإبداع.
ولهذا لم أعد أميل إلى الثنائيات السهلة: محافظة/انفتاح، شرق/غرب، تقليد/حداثة. كما لم أعد أخلط بين التدين والروحانية؛ فالروحانية هي اتساع الداخل وصدق العلاقة مع الذات والخالق والكون، أما التدين بوصفه ممارسة اجتماعية فهو متعدد الصور ولا يمكن اختزاله في هيئة واحدة أو معيار واحد.
ولذلك صرت أرى المجتمعات لا ككتل متقابلة، بل كمناخات مختلفة: بعضها يمنح الأمن بدرجة أعلى، وبعضها يمنح الحرية بدرجة أوسع، وقليل منها يحاول التوفيق بين الاثنين. وليس في هذا حكم أخلاقي، بل توصيف لطبيعة التجربة الإنسانية في اختلاف شروطها.
ثم أدركت شيئًا أبعد من ذلك كله: أن المدن ليست موضوع المقارنة الحقيقي، بل الإنسان نفسه هو الذي يتغير حين ينتقل بين مناخات مختلفة. وهنا فهمت، مرة أخرى، رسالة صديقي الأولى. لم يكن يسأل عن بحيرة فيكتوريا، ولا عن الجميلات الملهِمات، ولا عن الأشجار الباسقات، ولا عن مدينة بعينها، بل عن شيء أعمق: عن المناخ الذي تتنفس فيه الأفكار.
تذكرت عندها عبارة سمعتها ذات يوم من استاذي دنس غالفان: “الكتابة تساعدنا على حل معضلاتنا الفكرية.” وفهمت أنها لم تكن جملة بلاغية، بل وصف دقيق لما يحدث فعلًا. لم أكتب هذه السلسلة لأقرر أين تكمن الحقيقة، ولا لأضع المدن في ميزان المفاضلة، بل لأفهم ما الذي يحدث للفكرة حين تغيّر مكانها، وما الذي يحدث للإنسان حين يتبدل سياقه دون أن يتبدل هو بالضرورة.
فالحياة لا تمنحنا كل شيء. هناك أمكنة تمنح الأمن وتطلب من الخيال أن يهدأ، وأمكنة تمنح الحرية وتطلب من الإنسان أن يتحمل كلفتها. وبين هذا وذاك تتشكل التجربة الإنسانية في صورتها الأكثر تعقيدًا وصدقًا.
والحكمة ليست في البحث عن مكان كامل، بل في إدراك طبيعة المقايضة التي نختارها بوعي، دون أوهام. في النهاية، لم تكن هذه الرحلة بين الدوحة ونيروبي، ولا بين البحيرة والصحراء، بل كانت رحلة داخل سؤال واحد: أي مناخ يجعلني أكثر صدقًا مع نفسي؟
ولذلك أكتب الآن جملة واحدة كنت أهرب منها طويلًا: الأفكار، شأنها شأن الأشجار، لا تنمو في كل تربة ولا يناسبها كل منهل. فاختر التربة التي تناسب فطرتك واسكب الرُقية التي تعينك على تنقية ذاتك.
auwaab@gmail.com
