بين هلال ومريخ :هل توجد منطقة وسطى ؟ بقلم: جمال محمد إبراهيم

 

(تهنئة خاصة لصديقي السفير عبد المحمود)

 jamalim@yahoo.com
 
         ولأني أخترت أن أكون دبلوماسيا  حتى في الشأن الرياضي ،  فقد كان حرصي وأنا أمارس مهنتي بين زملائي وأصدقائي ، وفيهم المريخاب و الهلالاب ، والمورداب ، أن أقف في المنطقة الرمادية ، متلفعا  بدبلوماسيتي  مبقيا شعر معاوية كله ، لا شعرة واحدة  مشدودة . نعم  هي مشدودة ، لكنها  متينة قوية لا تنقطع ، ولا تهرب من طرف إلى طرفها  الآخر .  يوم الإثنين 17 نوفمبر 2008 كنت أعرف أنه ليس ذكرى لآنقلاب عبود الأغر ، بل أن فيه أيضا ، أمسية  مباراة الكأس  الرئيس بين قمتين ، بينهما المحبة السمحاء والعداوة الجميلة  .

       كنت  محتارا بقدر غير أني رأيت أن أحاذر هذه الأمسية الخاصة ، ففي طرف قريب يقيم مجاوراً ، ليس في وزارة الخارجية فحسب ،  ولكن في مدينة المهندسين الحي الذي يشاركني السكنى فيه بأم درمان منذ سنوات ،  صديقي السفير   حيدر حسن حاج الصديق . أما في نيو يورك فالمندوب الدائم للسودان هناك ، هو السفير عبد المحمود عبد الحليم  المريخي الراسخ باستدامة تعجب ، بيننا تتواصل خطوط الهاتف عبر المحيط  ، تفاكرا حول مآلات ملف دارفور والخوازيق التي تحفر بين كل متر أو مترين ،هذا إذا جئنا إلى حديث الجغرافيا  ، ثم لا يغمض لهم جفن ، إذا جئنا لحديث التاريخ . تراهم يحيكون ما يحيكون من صور شوهاء عن بلدٍ  نحيا فيه ، ونعرف مقدار سماحة أهله وتسامحهم  ، غير أنا  يكاد يخنقنا الضيق من حذق المتآمرين يمكرون مكراً  يكاد أن ينال من قدراتنا يضعفها ، ومن دبلوماسيتنا يوهن صوتها  ويهدر منطقها . يدافع عبد المحمود وفي يديه أسياف العشر، مثل تلك التي أتيحت للخليفة التعايشي ، فيما  مدافع المكسيم  في أيدي كيتشينر وجنده ، في هجير كرري ، يحصدون فرسان العشر حصدا . لا يسمع  ممن يقف معه إلا مثل   قول الصديق أبي بكر لصديقه أن الله معنا .  ما بال بعضنا يأخذ على محمود  انفعاله مدافعا  ومنافحاً  ، ونحن نعرف أي جمر يحرق أقدامه هناك في نيويورك .

        أما صديقي السفير حيدر الصديق ، وقد عاد من الجزائر فإني رأيته هادئا  وقد جاء إلى دفء الخرطوم ،  لا يزعجه أوكامبو ولا أفاعيله وأضاليله بمثل ما تشغل صديقي محمود .

         كنت أغالب الفكر  أتخيل محمودا في نيويورك ، تختلف عليه ساعات النهار في الخرطوم وهي ليله الحالك هناك . يحسب الساعات ليشاهد اللقاء التاريخي لمريخه يواجه أسد الهلال فيرهقه السهر  وينهك قواه بأكثر مما يجد من أشياع أوكامبو   . لكن عليه بالطبع  أن يتابع ، مع ولاية المريخ وواليه ،  كيف  ستكون أحوال فريقه الذي يؤيد ويحب  ويدافع عنه ، ربما بذات الهمة التي  يقاتل بها في ساحة المنظمة الدولية   .

       تابعت من حيث أقيم في بيروت ،  هذه المعركة الجميلة ، معركة الهلال والمريخ ، فأعجبني فيها أن نهايتها التعادلية ، رسخت قمتين كرويتين في السودان ، لهما بلا مراء ذات القوة والشكيمة  والذكاء الكروي . ولنحمد للأقدار ترتيبها ونظامها ، فقد نال فريق منهما  قصب السبق ، وأمسك بالكأس من أذنيه ، وقفز الحارس إلى فوق زاوية المرمى ببهلوانية لم نشهدها منه ساعة احتدام المعركة واشتعال أوارها . ضحكت بيني وبين نفسي  وقلت هي روح التنافس الحارة لا نشوة النصر هي التي كادت أن تلغي عن كاهله جاذبية الأرض فرأيناه يكاد يطير فعلا لا قولا ، فكأني سمعته يهتف : يا هلالا  أضعناك ، نحن هنا لاحقون بالمريخ نفسه في المجرات البعيدة . . !

     لكن وقد انتهى الصراع الحبي ، تجدني  سعدت لأمرين :

أولهما التحكيم ، فقد أبدع هذا الحكم  في إدارة المعركة التاريخية  ببراعة تعجب وكأنه _ حفظه الله_ عددا من الحكام لا واحدا فردا في الساحة الخضراء . قيل في التعريف عن شخصه أنه درس الحسابات في الجامعة ، غير أني أظنهم أخطأوا فهو لا شك نال درجة خفية في القانون ، وحفظه وتطبيقه . أعاد لي الرجل ذكرى لحكم راحل إسمه قنديل . ذلك حكم  رأيناه يصول في الميادين ، يحكم المباريات  فكأنه السلطان ، لا تقع له كلمة على الأرض ولا تضيع له صافرة في فضاء الملعب .

الأمر الثاني أن المعلق السوداني في قناة “آي آر تي ” ، قد رأيته يتفوق على بقية المعلقين  عن المعركة المحتدمة بين المريخ والهلال ، وهي ليست لأي حال  لسبب  يعود ل” سودانيته” ، بل من المؤكد  لمعرفته الواسعة بخفايا اللعبة الجماهيرية الأولى في العالم وفي السودان بوجه خاص  . كان الرشيد المهدية  دقيقا في ملاحظاته ، مصيبا في كل ما أشار إليه من  إخفاق هنا أو هناك ،  ومن كلا الفريقين . لم يكن منحازا لفريق  ضد فريق ، ويعرف الجميع أين كان يلعب الرشيد المهدية . شهد له في زملاؤه  في  الاستديو وأشادوا بموضوعيته  وحسن تقديره ، بل وتنبؤاته ، التي صدقت بحذافيرها  وهو يتابع معهم مجريات المعركة محتدمة على أشدها بين الهلال    والمريخ . بخٍ بخ ٍ  ، أيها الرشيد فقد رفعت  صوتنا قويا  ، وعبرت عن خبرة  وكفاءة في فنون لعبة كرة القدم .

       حبيبنا عبد المحمود  ، ألف تهنئة لك ولفريق المريخ ، فقد يزيدك  ذلك – أعلم – نفسا عاليا في التصدي  والمجاهدة المطلوبة وأنت في ساحتك هناك في نيويورك . لن ينعم أوكامبو بنوم هاديء وأنت هناك ، والمريخ قد أمسك الكأس الكبير من أذنيه . يوما أيها العزيز ، من يعرف ،  فقد تمسك بأذني  من يزعجك ، وتريح السودان من جعجعته وضوضائه الخادعة . .

        في الجانب الآخر ،  أقول لصديقي حيدر حاج الصديق ، ألف مبروك ، فقد كان هلالك في قوة المريخ ، لعبا ومناورة وحذقا .  وأنا في منطقتي الرمادية ، تذكرت صحفية سودانية ، سألتني ذات يوم : من تشجع ، المريخ أم الهلال ؟ أظن أني أجبتها أن قلبي يشجع الهلال ، ولكن عقلي يشجع المريخ . . !  هل تراني صدقت أيها القاريء ، في أن أقنعك أني  مستمتع في مقامي في منطقتي الرمادية … أم أن الدبلوماسية خذلتني هذه المرة . .؟

بيروت – نوفمبر 2008
 

عن جمال محمد ابراهيم

جمال محمد ابراهيم

شاهد أيضاً

من عقيدة مونرو إلى “عقيدة ترامب”

جمال محمد إبراهيم(1) بعد الإقرار بما أقدمتْ عليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غزو أراضي …

اترك تعليقاً