أخبار أخرى
25 نوفمبر, 2008 جمال محمد ابراهيم, منبر الرأي 151 زيارة
jamalim@yahoo.com
ولأني أخترت أن أكون دبلوماسيا حتى في الشأن الرياضي ، فقد كان حرصي وأنا أمارس مهنتي بين زملائي وأصدقائي ، وفيهم المريخاب و الهلالاب ، والمورداب ، أن أقف في المنطقة الرمادية ، متلفعا بدبلوماسيتي مبقيا شعر معاوية كله ، لا شعرة واحدة مشدودة . نعم هي مشدودة ، لكنها متينة قوية لا تنقطع ، ولا تهرب من طرف إلى طرفها الآخر . يوم الإثنين 17 نوفمبر 2008 كنت أعرف أنه ليس ذكرى لآنقلاب عبود الأغر ، بل أن فيه أيضا ، أمسية مباراة الكأس الرئيس بين قمتين ، بينهما المحبة السمحاء والعداوة الجميلة .
كنت محتارا بقدر غير أني رأيت أن أحاذر هذه الأمسية الخاصة ، ففي طرف قريب يقيم مجاوراً ، ليس في وزارة الخارجية فحسب ، ولكن في مدينة المهندسين الحي الذي يشاركني السكنى فيه بأم درمان منذ سنوات ، صديقي السفير حيدر حسن حاج الصديق . أما في نيو يورك فالمندوب الدائم للسودان هناك ، هو السفير عبد المحمود عبد الحليم المريخي الراسخ باستدامة تعجب ، بيننا تتواصل خطوط الهاتف عبر المحيط ، تفاكرا حول مآلات ملف دارفور والخوازيق التي تحفر بين كل متر أو مترين ،هذا إذا جئنا إلى حديث الجغرافيا ، ثم لا يغمض لهم جفن ، إذا جئنا لحديث التاريخ . تراهم يحيكون ما يحيكون من صور شوهاء عن بلدٍ نحيا فيه ، ونعرف مقدار سماحة أهله وتسامحهم ، غير أنا يكاد يخنقنا الضيق من حذق المتآمرين يمكرون مكراً يكاد أن ينال من قدراتنا يضعفها ، ومن دبلوماسيتنا يوهن صوتها ويهدر منطقها . يدافع عبد المحمود وفي يديه أسياف العشر، مثل تلك التي أتيحت للخليفة التعايشي ، فيما مدافع المكسيم في أيدي كيتشينر وجنده ، في هجير كرري ، يحصدون فرسان العشر حصدا . لا يسمع ممن يقف معه إلا مثل قول الصديق أبي بكر لصديقه أن الله معنا . ما بال بعضنا يأخذ على محمود انفعاله مدافعا ومنافحاً ، ونحن نعرف أي جمر يحرق أقدامه هناك في نيويورك .
أما صديقي السفير حيدر الصديق ، وقد عاد من الجزائر فإني رأيته هادئا وقد جاء إلى دفء الخرطوم ، لا يزعجه أوكامبو ولا أفاعيله وأضاليله بمثل ما تشغل صديقي محمود .
كنت أغالب الفكر أتخيل محمودا في نيويورك ، تختلف عليه ساعات النهار في الخرطوم وهي ليله الحالك هناك . يحسب الساعات ليشاهد اللقاء التاريخي لمريخه يواجه أسد الهلال فيرهقه السهر وينهك قواه بأكثر مما يجد من أشياع أوكامبو . لكن عليه بالطبع أن يتابع ، مع ولاية المريخ وواليه ، كيف ستكون أحوال فريقه الذي يؤيد ويحب ويدافع عنه ، ربما بذات الهمة التي يقاتل بها في ساحة المنظمة الدولية .
تابعت من حيث أقيم في بيروت ، هذه المعركة الجميلة ، معركة الهلال والمريخ ، فأعجبني فيها أن نهايتها التعادلية ، رسخت قمتين كرويتين في السودان ، لهما بلا مراء ذات القوة والشكيمة والذكاء الكروي . ولنحمد للأقدار ترتيبها ونظامها ، فقد نال فريق منهما قصب السبق ، وأمسك بالكأس من أذنيه ، وقفز الحارس إلى فوق زاوية المرمى ببهلوانية لم نشهدها منه ساعة احتدام المعركة واشتعال أوارها . ضحكت بيني وبين نفسي وقلت هي روح التنافس الحارة لا نشوة النصر هي التي كادت أن تلغي عن كاهله جاذبية الأرض فرأيناه يكاد يطير فعلا لا قولا ، فكأني سمعته يهتف : يا هلالا أضعناك ، نحن هنا لاحقون بالمريخ نفسه في المجرات البعيدة . . !
لكن وقد انتهى الصراع الحبي ، تجدني سعدت لأمرين :
أولهما التحكيم ، فقد أبدع هذا الحكم في إدارة المعركة التاريخية ببراعة تعجب وكأنه _ حفظه الله_ عددا من الحكام لا واحدا فردا في الساحة الخضراء . قيل في التعريف عن شخصه أنه درس الحسابات في الجامعة ، غير أني أظنهم أخطأوا فهو لا شك نال درجة خفية في القانون ، وحفظه وتطبيقه . أعاد لي الرجل ذكرى لحكم راحل إسمه قنديل . ذلك حكم رأيناه يصول في الميادين ، يحكم المباريات فكأنه السلطان ، لا تقع له كلمة على الأرض ولا تضيع له صافرة في فضاء الملعب .
الأمر الثاني أن المعلق السوداني في قناة “آي آر تي ” ، قد رأيته يتفوق على بقية المعلقين عن المعركة المحتدمة بين المريخ والهلال ، وهي ليست لأي حال لسبب يعود ل” سودانيته” ، بل من المؤكد لمعرفته الواسعة بخفايا اللعبة الجماهيرية الأولى في العالم وفي السودان بوجه خاص . كان الرشيد المهدية دقيقا في ملاحظاته ، مصيبا في كل ما أشار إليه من إخفاق هنا أو هناك ، ومن كلا الفريقين . لم يكن منحازا لفريق ضد فريق ، ويعرف الجميع أين كان يلعب الرشيد المهدية . شهد له في زملاؤه في الاستديو وأشادوا بموضوعيته وحسن تقديره ، بل وتنبؤاته ، التي صدقت بحذافيرها وهو يتابع معهم مجريات المعركة محتدمة على أشدها بين الهلال والمريخ . بخٍ بخ ٍ ، أيها الرشيد فقد رفعت صوتنا قويا ، وعبرت عن خبرة وكفاءة في فنون لعبة كرة القدم .
حبيبنا عبد المحمود ، ألف تهنئة لك ولفريق المريخ ، فقد يزيدك ذلك – أعلم – نفسا عاليا في التصدي والمجاهدة المطلوبة وأنت في ساحتك هناك في نيويورك . لن ينعم أوكامبو بنوم هاديء وأنت هناك ، والمريخ قد أمسك الكأس الكبير من أذنيه . يوما أيها العزيز ، من يعرف ، فقد تمسك بأذني من يزعجك ، وتريح السودان من جعجعته وضوضائه الخادعة . .
في الجانب الآخر ، أقول لصديقي حيدر حاج الصديق ، ألف مبروك ، فقد كان هلالك في قوة المريخ ، لعبا ومناورة وحذقا . وأنا في منطقتي الرمادية ، تذكرت صحفية سودانية ، سألتني ذات يوم : من تشجع ، المريخ أم الهلال ؟ أظن أني أجبتها أن قلبي يشجع الهلال ، ولكن عقلي يشجع المريخ . . ! هل تراني صدقت أيها القاريء ، في أن أقنعك أني مستمتع في مقامي في منطقتي الرمادية … أم أن الدبلوماسية خذلتني هذه المرة . .؟
بيروت – نوفمبر 2008
جمال محمد إبراهيم(1) بعد الإقرار بما أقدمتْ عليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غزو أراضي …
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم