بقلم: د. صلاح أحمد الحبو
في اللحظات التي تبلغ فيها الأمم حافة الانكسار، لا يعود معيار البقاء هو امتلاك أدوات القوة، بل امتلاك القدرة على إعادة إنتاج المعنى. فالمعنى ليس مجرد تفسيرٍ للواقع، بل هو ما يمنحه قابليته للاستمرار، ويعيد ترتيب الفوضى في نسقٍ قابلٍ للفهم، ويحوّل التعدد من مادةٍ للصراع إلى إمكانيةٍ للتآلف. ومن هذه الزاوية، تبدو المأساة السودانية أعمق من أن تُختزل في حربٍ أو أزمة حكم؛ إنها، في جوهرها، أزمة عجزٍ عن تأليف المعنى، أو عن تحويل الاختلاف القائم إلى سرديةٍ قادرة على حمل الجميع.
لقد راكمت النخبة السودانية معرفةً واسعة، وأنتجت خطابًا كثيفًا في توصيف الأزمة، غير أن هذا الجهد – في معظمه – ظل يدور داخل حدود الشرح، دون أن يتحول إلى فعلٍ تأليفيّ يعيد تركيب الواقع في صورةٍ جديدة. وهنا لا يظهر الخلل بوصفه نقصًا في التفكير، بل بوصفه قصورًا في حوكمة المعنى[3]، حيث تتكاثر الأفكار دون أن تنتظم في رؤيةٍ قادرة على التأثير، وتتحول اللغة إلى فضاءٍ للتشظي بدل أن تكون أداةً لإعادة البناء.
إن ما يبدو كـ”غيابٍ للخطاب” هو في حقيقته غيابٌ لقدرةٍ أعمق: القدرة على التأليف. أي القدرة على جمع السرديات المتنافرة في بنيةٍ رمزية واحدة، تُعيد تعريف العلاقة بين الأفراد والجماعات، وتُنتج معنى مشتركًا للوجود. لقد تعددت الحكايات حتى صار لكل فاعلٍ سودانه الخاص، دون أن تنجح أي سردية في أن ترتقي إلى مستوى الرواية الجامعة. وهنا تتكشف الأزمة في بعدها التخيّلي، حيث تعجز المخيلة الجمعية عن ابتكار أفقٍ يتجاوز الانقسام، فتعيد إنتاجه في صورٍ متجددة.
وفي هذا السياق، يستعيد النص القرآني موقعه بوصفه توجيهًا بنيويًا لإدارة الصراع، لا مجرد إشارة أخلاقية عابرة:
﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾
فهذه الآية لا تصف واقع الاقتتال فحسب، بل تؤسس لضرورة وجود فاعلٍ ثالث، يتجاوز طرفي النزاع، ويضطلع بمهمة إعادة بناء المعنى حين ينهار. غير أن هذا الدور التأليفي ظل غائبًا أو مؤجّلًا، إذ انخرطت النخب، بدرجاتٍ متفاوتة، في ديناميات الصراع ذاته، أو وقفت على تخومه دون أن تمتلك القدرة على تفكيكه. وهكذا تُرك المجال الرمزي مفتوحًا لتنازع المعاني، حتى دخل الصراع في ما يمكن تسميته بـ”فخّه”[4]، حيث تتراكم الخسائر دون أن تفتح أفقًا للحل، ويصبح الاستمرار – رغم كلفته – أقل صعوبةً من التغيير.
ومن هنا، يتبدل السؤال من البحث عن مخرجٍ تكتيكي للأزمة، إلى البحث عن أفقٍ جديد للمعنى: كيف يمكن تخيّل الذات الجماعية خارج الشروط التي أنتجت هذا الانسداد؟ وهنا تتبدى الأزمة بوصفها انسدادًا في الأفق التخيّلي[1]، حيث تضيق إمكانات التصور إلى حد إعادة تدوير الواقع نفسه. غير أن كسر هذا الانسداد لا يتحقق عبر أدوات التحليل وحدها، بل عبر استدعاء الخيال الأخلاقي[6]؛ ذلك النمط من التفكير الذي لا يكتفي بوصف ما هو كائن، بل ينفتح على ما ينبغي أن يكون، ويمنح الفعل اتجاهه القيمي دون أن يفقد صلته بالواقع.
إن الخيال الأخلاقي لا يعمل خارج الواقع، بل يعيد تشكيله من الداخل؛ إنه يوسّع أفق الممكن، ويمنح الفاعلين قدرةً على رؤية ما لم يتشكل بعد، بوصفه إمكانيةً قابلة للتحقق. وبهذا المعنى، يصبح الخيال أداةً استراتيجية، لا تقل أهمية عن أدوات السياسة أو الاقتصاد، لأنه وحده القادر على تحويل السلام من فكرةٍ مجردة إلى أفقٍ عمليّ قابلٍ للتجسيد.
في قلب هذه المقاربة، يتقدم مفهوم تأليف الوطن بالمعاني الحسان[2] بوصفه المدخل الأكثر عمقًا لإعادة بناء السودان. فهذا المفهوم لا يكتفي بالدعوة إلى خطابٍ وطني جامع، بل يقترح إعادة تعريف الوطن نفسه بوصفه نصًا مفتوحًا، تتشكل هويته عبر عملية تأليفٍ مستمرة. فالوطن، وفق هذا التصور، ليس معطىً ثابتًا، بل بناءٌ دلاليّ يتجدد بقدر ما تنجح النخبة والمجتمع في إعادة صياغته.
إن تأليف الوطن بالمعاني الحسان يعني نقل السرديات المتعددة – الإثنية والجهوية والأيديولوجية – من حالة التنازع إلى حالة التراكب الخلّاق، حيث لا تُلغى الفروق، بل يُعاد ترتيبها داخل أفقٍ جامع يمنحها معنى. إنه فعلٌ يتجاوز الجمع الكمي إلى التركيب الدلالي، حيث تتحول التناقضات إلى عناصر في بنيةٍ أوسع، وتغدو الهوية نتاجًا للتفاعل لا نتيجةً للإقصاء.
غير أن هذا التحول لا يمكن أن يحدث دون تحرير الخيال من بنيته المقيدة. فالخيال الذي تشكّل داخل شروط الأزمة يعيد إنتاجها، حتى وهو يسعى إلى تجاوزها. أما الخيال الحر، فهو الذي يمتلك القدرة على كسر الإطارات الجاهزة، وإعادة تصور العلاقة بين الذات والآخر، بين المركز والهامش، بين الماضي والمستقبل. ومن هنا، فإن تحرير الخيال ليس خطوةً لاحقة للإصلاح، بل شرطه التأسيسي.
إن السودان، في وضعه الراهن، يبدو كأنه نصٌّ فقد مؤلفه؛ تتعدد فصوله، وتتضارب سردياته، دون أن تنتظم في قصةٍ قابلة للحياة. المشكلة ليست في غياب الوقائع، بل في غياب القدرة على تأويلها ضمن إطارٍ جامع. فكل سرديةٍ تمتلك جزءًا من الحقيقة، لكنها، حين تنفصل عن غيرها، تتحول إلى أداةٍ للصراع بدل أن تكون لبنةً في بناءٍ مشترك.
وفي هذا المستوى، لا يعود السلام مجرد اتفاقٍ يوقف القتال، بل يصبح عملية إعادة كتابة شاملة، تُعيد تعريف معنى العيش المشترك، وتحوّل التعدد من عبءٍ إلى مورد. وهنا تتقاطع فكرة “السلام من قريب” مع هذا التصور، بوصفها دعوةً إلى تقليل كلفة الزمن في إعادة إنتاج المعنى؛ إذ كل تأخيرٍ في التأليف يزيد من تعقيد النص، ويجعل إعادة كتابته أكثر صعوبة.
إن الخروج من فخ الصراع لا يتحقق عبر مراكمة التفاهمات الجزئية، بل عبر هندسة السلام[5] بوصفها عملية تصميم للمعنى قبل أن تكون ترتيبًا للمصالح. فحين يتغير المعنى، تتغير معه الحوافز، وحين تتغير الحوافز، يصبح السلام خيارًا عقلانيًا، لا مجرد استجابةٍ اضطرارية.
في المحصلة، يتوقف مصير السودان على قدرته على الانتقال من كونه ساحةً لتنازع السرديات، إلى كونه فضاءً لتأليفها. فإذا تحرر الخيال، أمكن إنتاج معنى جديد، وإذا أُنتج المعنى، أمكن إعادة كتابة الوطن بوصفه قصةً مشتركة. وهنا فقط، لا يصبح السؤال كيف ننهي الصراع، بل كيف نعيد تعريف أنفسنا داخله، بحيث لا نخرج منه كما دخلنا، بل كما ينبغي أن نكون: جماعةً قادرة على أن تؤلف اختلافها في معنى، وتحول تاريخها المثقل إلى أفقٍ مفتوح.
هامش بسط المفاهيم
[1] انسداد الأفق التخيّلي: حالة عجز جماعي عن تخيّل بدائل جديدة، تؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمات ضمن نفس الأنماط الفكرية. [2] تأليف الوطن بالمعاني الحسان: مفهوم مركزي يشير إلى إعادة بناء الوطن بوصفه سردية جامعة عبر جمع السرديات المتعددة في إطار دلالي واحد يُنتج هوية مشتركة. المصطلح مقتبس من مقال عبد الله علي إبراهيم بعنوان “المثقف: يكذب من الشباك ثلاثاً”، حيث وردت عبارة “وتأليفهم بالمعاني الحسان”، وقد شكّل هذا المقال دافعًا فكريًا مباشرًا لكتابة هذا النص. [3] حوكمة المعنى: إدارة إنتاج المعاني وتوجيهها لتصبح قوة مؤثرة في تشكيل الوعي والفعل العام. [4] فخ الصراع: وضعية يصبح فيها الخروج من النزاع أكثر صعوبة نفسيًا وسياسيًا من الاستمرار فيه، رغم كلفته العالية. [5] هندسة السلام: عملية تصميم لإعادة بناء العلاقات والصراعات عبر خلق حوافز جديدة تجعل السلام خيارًا عمليًا ومربحًا. [6] الخيال الأخلاقي: مفهوم طوّره جون بول ليدراخ في كتابه الخيال الأخلاقي: فن وإبداع بناء السلام، ويعني القدرة على تخيّل واقع بديل أكثر عدلًا وإنسانية، وتوظيف هذا التصور في توجيه الفعل نحو بناء السلام.المراجع
[7] بناء السلام: مصالحة مستدامة في المجتمعات المنقسمة – جون بول ليدراخ.[8] الخيال الأخلاقي: فن وإبداع بناء السلام – جون بول ليدراخ.
[9] الجماعات المتخيلة – بندكت أندرسون.
[10] النظام السياسي والانحلال السياسي – فرانسيس فوكوياما.
[11] معذبو الأرض – فرانز فانون
habobsalah@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم