سوف نتناول في هذا الجزء لمحة عامة عن جيل الرواد الاوائل من الاطباء السودانيين الذين افتتحت بهم مدرسة كتشنر الطبية..
ليسجلوا تاريخ البداية كأول الخريجين اضافة إلى حَمَلة الشعلة البريطانيين..
مُقدّمة تعريفيّة:
بعد أن استعرضنا في الجزء الأول قصة تأسيس كلية كيتشنر التذكارية للطب عام 1924 كصرحٍ نَشأ في خضمّ الحقبة الاستعمارية لخدمة أهداف إستراتيجية وصحية معًا، يحين الوقت لنتعرّف على الرجال الذين نفخوا الروح في جدران هذه الكلية وهمَّشوا كتبها الأولى. هذا الجزء يُسلط الضوء على الشخصيات الفعلية التي دشّنت الطريق: أول دفعة من الأطباء السودانيين الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية النهضة الطبية، وأبرز الأساتذة البريطانيين الذين أوصلوا هذا الصرح التعليمي إلى الحياة.
- أول دفعة خريجي كلية كيتشنر: نواة النخبة الطبية السودانية
في عام 1928، وبعد أربع سنوات من الدراسة المكثفة، شهدت كلية كيتشنر حفل تخرجها الأول، ليكون علامة فارقة في تاريخ السودان الحديث. ضمت هذه الدفعة التاريخية ثمانية طلاب سودانيين فقط، وهو رقم يعكس السياسة الانتقائية والتحفظ الأولي في بداية إقامة الكلية، والتي سعت لتخريج كوادر طبية مؤهلة تأهيلاً عالياً لقيادة المنظومة الصحية في البلاد.
لم يكن هؤلاء الخريجون مجرد أطباء عاديين، بل أصبحوا “بطانة النهضة الطبية السودانية” والأعمدة التي ارتكز عليها مستقبل الطب والتعليم الطبي والصحة العامة في السودان لأجيال قادمة.
أسماء الخريجين الثمانية وهناك صورة جماعية شهيرة لهذه الدفعة :
· النور شمس الدين
· داود إسكندر
· الفاضل بشرى
· أحمد عكاشة
· الطاهر يوسف
· أمين السيد
· هاشم بيه البغدادي
· علي بدري
- حَمَلة الشعلة: أبرز الأساتذة البريطانيون الأوائل
لضمان تحقيق المستوى الأكاديمي المطلوب، اعتمدت الكلية في سنواتها التأسيسية على مجموعة متميزة من الأطباء البريطانيين ذوي الخبرة، الذين أُعيروا من الخدمات الطبية البريطانية في السودان (Sudan Medical Service) ومختبرات “ويلكوم” البحثية الشهيرة.
· الرائد هربرت شافاس سكويرز (Herbert Chavasse Squires): يُعتبر حجر الزاوية في البناء التعليمي للكلية. عُيّن في عام 1926 كأول محاضر رسمي بالكلية، وكان يشغل في الوقت ذاته منصب مدير مستشفى الخرطوم. لعب دورًا مركزيًا ومحوريًا في وضع وتأسيس المنهج التعليمي والتدريبي للطلاب.
· نواة الهيئة التدريسية: انضم إلى سكويرز لاحقًا عدد من الأطباء البريطانيين البارزين الذين شكلوا العمود الفقري للتدريس، ومن أبرزهم:
· روي ميرفين همفريز (Roy Mervyn Humphreys): جراح متميز.
· فينلي ماين (Finlay Main): الجراح الأول.
· جي. إس. هوفيل (G.S. Howell): أخصائي أمراض نسائية وتوليد.
ضمان الجودة والاعتراف العالمي: لإضفاء المصداقية والاعتراف بشهادات الكلية، حرصت الإدارة على استقدام كبار الأطباء من المملكة المتحدة لتقييم الامتحانات النهائية للطلاب. فبين عامي 1927 و1938، أشرف على الامتحانات كوكبة من نجوم الطب البريطاني، منهم:
· السير ألكسندر بيغام (Sir Alexander Biggam)
· السير هنري تيدي (Sir Henry Tidy)
· السير والتر لانغدون-براون (Sir Walter Langdon-Brown)
وفي عام 1950، زار الكلية اللورد برين (Lord Brain)، وهو طبيب أعصاب مرموق، بصفته ممثلاً للأكاديمية الطبية الملكية، مما يؤكد المكانة التي حققتها الكلية في فترة زمنية قصيرة نسبيًا.
- إرث الخريجين الأوائل: من الرواد إلى عمالقة الطب السوداني..
لم يقتصر دور خريجي الدفعات الأولى على ممارسة الطب فحسب، بل أصبحوا قادة ومؤسسين لأفرع طبية وعلمية جديدة، وحفروا أسماءهم في ذاكرة الأمة.
· الطبيب علي بدري (1903–1987): خريج دفعة 1928 الأولى. يعتبر من أبرز رواد الطب في السودان. تولى منصب كبير الأطباء في مستشفيي أم درمان والخرطوم، وهو أول طبيب سوداني يصل إلى هذه المناصب القيادية. تدرج في المناصب الإدارية حتى أصبح وزيرًا للصحة في عام 1949. كما حصل على شرف علمي كبير بأن أصبح أول سوداني يُنتخب زميلًا في الكلية الملكية للأطباء في لندن (FRCP) عام 1952.
· الدكتور عبد الحليم محمد (1910–2009): خريج عام 1933. جمع بين التميز الطبي والنضال الوطني، وتولى مناصب قيادية في المستشفيات والتعليم الطبي. لُقب بحق بـ “أب الطب في السودان” نظرًا لإسهاماته المؤسسية والتعليمية الشاملة.
· الدكتور داؤود مصطفى خالد (1917–2008): طبيب أعصاب بارز، يُنسب إليه لقب “العميد المؤسس لطب الأعصاب في السودان”، حيث أسس أول قسم وأول برنامج تدريبي متخصص في هذا المجال.
· الدكتور منصور علي حسيب (1910–1973): عالم متميز في الميكروبيولوجي والأمراض الطفيلية، ويُعد مؤسس طب المختبرات الإكلينيكية في السودان. اشتهر بتأسيسه لمختبرات “ستاك” (STAC Laboratories) للبحوث الطبية، والتي ساهمت في مكافحة الأمراض المتوطنة.
خاتمة: كانت كلية كيتشنر بطلابها وأساتذتها، سودانيين وبريطانيين، بوتقة انصهرت فيها المعرفة والخبرة لتُخرّج جيلاً مؤسسًا حمل على عاتقه مسؤولية بناء نظام صحي حديث، ليكونوا بحق رواد النهضة الطبية في السودان
تاريخ الطب في السودان (الجزء الثاني):
د. علي بدري… الرائد الذي وضع اللبنات الأولى للطب الحديث
في الجزء الأول من هذه السلسلة تناولنا بدايات التعليم الطبي في السودان، ونشأة مدرسة كتشنر الطبية. اليوم، نسلط الضوء على شخصية فريدة لعبت دورًا محوريًا في هذا التاريخ: د. علي بدري، الطبيب والإداري والوزير، الذي أسهم في وضع الأساس المتين لخدمات الطب الحديث في السودان.
علي بدري: الطبيب الرائد
وُلد د. علي بدري في أوائل القرن العشرين، وتلقى تعليمه الطبي في مدرسة كتشنر الطبية، حيث كان من بين أوائل الأطباء السودانيين الذين تخرّجوا منها. بدأ مسيرته في ميادين الطب العام والجراحة، ليصبح لاحقًا من أبرز الأسماء التي ارتبطت بتطوير المستشفيات والمراكز الصحية.
المعلم والمربّي الطبي:
لم يكن علي بدري طبيبًا ممارسًا فحسب، بل كان أيضًا معلّمًا للأجيال. أسهم في تدريب الكوادر الطبية الأولى من أطباء وممرضين وفنيين، واضعًا حجر الأساس للتدريس الطبي المحلي، بعيدًا عن الاعتماد الكامل على البعثات الأجنبية.
الإداري والمخطط الصحي:
شغل د. علي بدري مواقع إدارية مهمة في وزارة الصحة السودانية، وشارك في تخطيط السياسات الصحية ووضع الهياكل التنظيمية للمستشفيات والمراكز الريفية. تميّز أسلوبه الإداري بالصرامة والتنظيم، مع التركيز على توطين الخدمات الصحية وتوسيعها لتشمل الأقاليم.
الوزير وصانع القرار:
تولى منصب وزير الصحة، فكان أول طبيب سوداني يتبوأ هذا المنصب في فترات ما بعد الاستقلال. خلال توليه الوزارة، دفع باتجاه تأهيل المستشفيات، وتطوير برامج التطعيم، وزيادة عدد الأطباء والممرضات السودانيين.
إرثه الوطني:
قدّم د. علي بدري للوطن إرثًا غنيًا يتلخص في:
توطين التعليم الطبي وجعل السودان قادرًا على تخريج أطباء أكفاء.
وضع اللبنات الأولى لخدمات الصحة العامة وبرامج الوقاية.
المساهمة في تطوير الإدارة الصحية بما يتناسب مع احتياجات البلاد الناشئة.
خاتمة
يبقى د. علي بدري رمزًا من رموز الريادة الطبية السودانية، ورجلًا جمع بين الممارسة العلمية والإدارة الواعية والسياسة الصحية الرشيدة. وإذ نذكره اليوم، فإننا نستحضر جيلًا حمل على عاتقه مهمة تأسيس طب وطني، ممهّدًا الطريق لأجيال لاحقة من الأطباء والممارسين الصحيين
عثمان يوسف خليل
المملكة المتحدة
osmanyousif1@icloud.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم