باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الثلاثاء, 4 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

تحالفات الدم والسلطة: من عبود إلى البرهان وحميدتي

اخر تحديث: 4 أغسطس, 2026 12:42 مساءً
شارك

تحالفات الدم والسلطة: من عبود إلى البرهان وحميدتي، كيف صنعت أسماء قبلية بعينها تاريخ الانقلابات العسكرية في السودان وكيف تحطمت على صخرة الحرب التي أنتجتها

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

تتناول هذه الدراسة العلاقة الممتدة تاريخياً بين قيادات قبلية محددة بالاسم وأنظمة عسكرية سودانية متعاقبة، منطلقة من فرضية أن هذه العلاقة لم تكن يوماً تحالفاً مستقراً بل مقايضة مصلحية متكررة تقدم فيها القبيلة الشرعية الشعبية والقدرة القتالية مقابل الاعتراف الرسمي والسلاح والحماية من المساءلة، وقد بلغت ذروتها في انقلاب قوات الدعم السريع على حليفها الجيش عام 2023 بعد أن كانا معاً قد أطاحا بالحكم المدني عام 2021.

وتفسر الدراسة هذه الظاهرة نظرياً من ثلاث زوايا متكاملة، فمن جهة تُقرأ بوصفها زبائنية سياسية يعوض فيها الزعيم القبلي غياب الدولة البيروقراطية في الريف، وقد بلغت من العمق أن انعكس الانتماء القبلي في وثائق التوظيف الرسمي نفسها، ومن جهة ثانية تُفسَّر في ضوء النيوباتريمونيالية حيث يستبدل الولاء المؤسسي بالولاء الشخصي وتتحول موارد الدولة، من البندقية الواحدة إلى سيارات الدفع الرباعي، إلى أدوات لشراء تأييد الزعامات المحلية، ومن جهة ثالثة تُوظف نظرية إدارة المفسدين لتفسير لجوء الأنظمة المتعاقبة إلى استيعاب الزعامات القبلية المسلحة القادرة على التخريب بدل مواجهتها، كما حدث مع تحول الجنجويد تدريجياً إلى كيان شرعي هو قوات الدعم السريع.

وتمتد الجذور التاريخية لهذه الظاهرة إلى ما قبل الدولة الحديثة، من السلطنة الزرقاء وسلطنة دارفور التي منحت الزعماء سلطات محلية مقابل الولاء، مروراً بالثورة المهدية التي اعتمدت على الولاءات القبلية في كردفان ودارفور وبحر الغزال، ثم التنافس الطائفي القبلي بين الأنصار بقيادة عبد الرحمن المهدي والختمية بقيادة علي الميرغني الذي أفرز حزب الأمة المرتكز على غرب السودان والنيل الأبيض والحزب الاتحادي المرتكز على الشمال والشرق ووسط قبائل كالشايقية والبجا والجعليين، وصولاً إلى الإدارة الأهلية التي أرساها الاستعمار البريطاني عبر سياسة الحكم غير المباشر، والتي شارك نظارها في الجمعية التأسيسية عام 1955 حين نادى الناظر عبد الرحمن دبكة، ناظر بني هلبة، بالاستقلال من داخل البرلمان.

وشكل حكم الفريق إبراهيم عبود أول تجربة تحمل تناقضاً مزدوجاً، إذ فككت لجنة القاضي أبو رنات عام 1959 السلطات التقليدية للنظار عبر قانون إدارة المديريات 1960، بينما لجأ عبود نفسه في الوقت ذاته، بعد إحباط محاولة انقلابية أواخر 1959، إلى البحث عن سند لدى زعماء الطوائف والقبائل بديلاً عن الأحزاب، لتُطاح حكومته لاحقاً بثورة أكتوبر 1964 التي أكملت حل الإدارة الأهلية. ثم جاء عهد جعفر نميري ليلغي الإدارة الأهلية رسمياً بقانون الحكم الشعبي المحلي عام 1971 بوصفها إرثاً استعمارياً متخلفاً، محدثاً فراغاً إدارياً استغلته النخب المحلية، فيما ينبغي التمييز الدقيق بين هذا الإلغاء وبين ترتيب عسكري منفصل تماماً جرى عام 1972 اقتصر على تخصيص كتيبتين نظاميتين لحماية مراحل قبيلة الرزيقات الرعوية الموسمية إلى الجنوب، وهو أمر مختلف جوهرياً عن التسليح القبلي الفعلي اللاحق.

فالتسليح الحقيقي لمليشيا المراحيل بدأ فعلياً عام 1983 واتسع بصورة رسمية بين 1985 و1989، أي في عهد المجلس العسكري الانتقالي بقيادة سوار الذهب ثم حكومة الصادق المهدي المنتخبة، حين كلف وزير الدفاع فضل الله برمة ناصر بتوزيع السلاح على قبيلتي الرزيقات والمسيرية تحت غطاء حماية المواشي بينما كان الهدف الفعلي مؤازرة الجيش ضد الحركة الشعبية، وقد شملت أنشطة هذه المليشيات اقتحام قرى الدينكا ونهب الماشية واختطاف النساء والأطفال وسياسة الأرض المحروقة، وتحالفت بين 1987 و1989 سبع وعشرون قبيلة عربية فيما عرف بالتجمع العربي في مواجهة مجموعات الزرقة، رغم نفي الصادق المهدي لاحقاً أن تكون هذه القوات مليشيا قبلية مستقلة.

ومع انقلاب البشير عام 1989 تأسست قوات الدفاع الشعبي بمرسوم نوفمبر من العام نفسه لتنظم المليشيات القبلية في قوات شبه رسمية، ثم بلغ التوظيف القبلي ذروته مع حرب دارفور 2003 وتسليح الجنجويد الذي أسفر عن مقتل نحو ثلاثمئة ألف مدني، وقد لعب حسن الترابي دوراً في تأجيج البعد القبلي للأزمة بعد إقصائه عن السلطة. وبرز من رحم هذه الحرب موسى هلال، زعيم قبيلة المحاميد المولود عام 1961، الذي عينه البشير مستشاراً بديوان الحكم الاتحادي عام 2008 قبل أن يُفرض عليه حظر أممي عام 2006، ثم انشق عن المؤتمر الوطني عام 2013، إلى أن اعتقلته قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي في نوفمبر 2017 على خلفية نزاع حول ذهب جبل عامر، وأُطلق سراحه عام 2021 ليقود لاحقاً مجلس الصحوة الثوري المتحالف مع الجيش في مواجهة ابن عمه حميدتي.

وفي شرق السودان مثل مؤتمر البجا، المؤسس عام 1957 على يد طه عثمان بلية ومحمد أحمد النيل، نموذجاً موازياً، إذ حمل الحزب السلاح حتى وقع اتفاق أسمرة عام 2006 الذي عين بموجبه موسى محمد أحمد مساعداً لرئيس الجمهورية حتى سقوط البشير عام 2019، قبل أن يبرز في الفترة الانتقالية زعيم بديل هو محمد الأمين ترك رئيس مجلس نظارات البجا الذي أغلق موانئ البحر الأحمر من سبتمبر 2021 مشترطاً إسقاط الحكومة المدنية، في تزامن لافت مع انقلاب البرهان في 25 أكتوبر 2021.

وقد واصل المجلس العسكري الانتقالي بقيادة البرهان بعد 2019 تسييس الإدارة الأهلية لحشدها ضد قوى الحرية والتغيير حتى تفويضها له بتشكيل حكومة من جانب واحد، قبل أن ينفذ انقلابه الكامل في أكتوبر 2021. وبالتوازي تطور مسار حميدتي، المنحدر من فرع الماهرية بقبيلة الرزيقات، من قائد مليشيا قبلية إلى نائب لرئيس المجلس العسكري ثم مفاوض في اتفاق جوبا 2020، مستنداً إلى ثروة متأتية من تجارة الذهب عبر شركة الجنيد، إلى أن تفجر خلافه مع البرهان حول دمج قواته حرباً شاملة في أبريل 2023 كشفت عن هشاشة بنيوية داخل الدعم السريع نفسه تجلت في انشقاقات قبلية متتالية.

وأعادت هذه الحرب تشكيل التحالفات القبلية جذرياً، من الاشتباكات العرقية في شمال دارفور وجنوب كردفان إلى الاقتتال القبلي في كوستي، وصولاً إلى واقعة عزل والي جنوب دارفور بشير مرسال لواحد وسبعين عمدة ونظاراً عام 2025 بتهم جنائية تصل إلى الإعدام بعد دعوتهم قبائلهم للانضمام إلى الدعم السريع، وهي واقعة تكشف كيف ينقلب النظام العسكري على شركائه القبليين السابقين حين ينحازون للطرف الآخر، تماماً كما انقسمت قبيلة الرزيقات نفسها بين موسى هلال وحميدتي.

وتخلص الدراسة نقدياً إلى أن هذا النمط المتكرر عبر عبود ونميري والصادق المهدي والبشير والبرهان وحميدتي يثبت في كل مرة أن تسليح القبيلة وتسييسها يفقدها دورها التقليدي كوسيط سلمي ويحولها طرفاً مسلحاً في الصراع، وأن كل تحالف من هذا النوع يحمل بذور انقلابه على صانعه، سواء تجسد ذلك في تمرد حميدتي على البرهان أو في الانقسامات الانفصالية شرقاً أو في انقلاب الدولة على نظارها في دارفور، وأن الحرب الأهلية الراهنة ليست سوى التتويج المأساوي الأخير لأكثر من ستة عقود من هذا النمط، مما يستوجب تفكيك منطق الزبائنية العسكرية القبلية والانتقال إلى صيغة مؤسسية تحصر دور الإدارة الأهلية في حفظ السلم المحلي بعيداً عن التوظيف العسكري والسياسي.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية

تشكل العلاقة بين قيادات قبلية بعينها وأنظمة عسكرية بعينها أحد أكثر محاور الاجتماع السياسي السوداني تعقيداً وأطولها أمداً وأشدها قابلية لإعادة الإنتاج عبر الأجيال، إذ تمتد جذورها إلى ما قبل تأسيس الدولة السودانية الحديثة نفسها، وتتصل بمنظومة الإدارة الأهلية التي أرستها السلطنات التقليدية ثم أعاد الاستعمار البريطاني هندستها لخدمة أغراضه الإدارية، قبل أن تتحول على مدى سبعة عقود متعاقبة من حكم عبود ثم نميري ثم الصادق المهدي ثم البشير وصولاً إلى البرهان وحميدتي، إلى أداة توظفها كل سلطة عسكرية بأسلوبها الخاص لتثبيت شرعيتها وتعبئة قواعدها الاجتماعية المسلحة. ولم تكن هذه التحالفات في أي مرحلة من مراحلها علاقة أحادية الاتجاه يفرضها الجيش على القبيلة أو تفرضها القبيلة على الجيش، بل كانت على الدوام تبادلاً مصلحياً محدداً بالاسم والتاريخ والمكان، تقدم فيه قيادة قبلية بعينها، كناظر الرزيقات أو زعيم مؤتمر البجا أو شيخ المحاميد، للنظام العسكري الحاكم الشرعية الشعبية والقاعدة الأمنية والقدرة على التعبئة القتالية الفعلية على الأرض، مقابل أن يمنحها النظام الاعتراف الرسمي والمنصب والسلاح والحماية من المساءلة القانونية والدولية. وقد بلغت هذه العلاقة ذروتها المأساوية في نموذج قوات الدعم السريع، حيث تحولت مليشيا قبلية نشأت من رحم الحرب في دارفور بقيادة شخص بعينه هو محمد حمدان دقلو حميدتي، إلى قوة عسكرية موازية للجيش النظامي بقيادة عبد الفتاح البرهان، ليتحول الحليفان السابقان في انقلاب 25 أكتوبر 2021 إلى عدوين متحاربين اعتباراً من 15 أبريل 2023 في حرب أهلية شاملة أعادت خلط أوراق التحالفات القبلية جميعها، وبلغت من الحدة أن دفعت السلطات العسكرية نفسها إلى عزل عشرات الزعماء القبليين الموالين للطرف الآخر بقرارات إدارية مصحوبة بتهم يعاقب عليها بالإعدام. يسعى هذا المقال، بعد مراجعته وتصحيحه وتوسيعه جذرياً، إلى تتبع هذه السيرورة التاريخية الطويلة بأسماء قادتها وتواريخها الدقيقة، بدءاً من جذورها في السلطنات ما قبل الاستعمارية، مروراً بمحطاتها المفصلية في عهود عبود ونميري والصادق المهدي والإنقاذ والفترة الانتقالية، وصولاً إلى إعادة تشكلها في أتون الحرب الراهنة، مستعيناً بأطر نظرية من أدبيات الزبائنية السياسية والنيوباتريمونيالية وإدارة المفسدين، ومستنداً إلى مصادر أكاديمية وبحثية وإعلامية موثوقة جرى التحقق منها وتصحيح ما ورد فيها من تواريخ غير دقيقة، وفي مقدمتها تاريخ تسليح قوات المراحيل الذي صُحح في هذه النسخة تصحيحاً تاماً.

أولاً: الإطار النظري والمفاهيمي للتحالف بين القبيلة والعسكر

تفسر أدبيات العلوم السياسية المقارنة ظاهرة التحالف بين القيادات التقليدية والأنظمة العسكرية بوصفها شكلاً من أشكال الزبائنية السياسية التي تقوم على تبادل المنافع بين مركز السلطة وأطراف مجتمعية تملك رأسمالاً اجتماعياً ورمزياً يعجز الجهاز البيروقراطي المركزي عن توفيره بالكفاءة نفسها. ففي سياق دولة ما بعد استعمارية هشة كالسودان، حيث يبلغ عدد القبائل نحو 957 قبيلة تتحدث أكثر من مئة وخمس عشرة لهجة محلية بحسب إحصاءات المركز الديمقراطي العربي (المركز الديمقراطي العربي، 2016)، يصبح الزعيم القبلي حلقة وصل لا غنى عنها بين الدولة المركزية والريف، وتتحول القبيلة نفسها، حين تُسيّس، إلى وحدة تعبئة سياسية وعسكرية موازية للمؤسسات الرسمية. وقد بينت دراسة نشرها مركز دراسات الوحدة العربية حول أثر القبلية في الاستقرار السياسي في حالة دارفور أن هذا التسييس أفضى إلى ما يمكن تسميته بقبلنة السياسة في الحضر، حيث انعكس الانتماء القبلي حتى في استمارات التوظيف الحكومي والوثائق الرسمية الخاصة بالهوية، فيما تعزز في المقابل التوظيف السياسي للقبيلة في الريف حتى تحول بعضها إلى مليشيات مسلحة أضعفت هيبة السلطة المركزية نفسها وعززت بنيتها العسكرية والسياسية والاقتصادية الخاصة (مركز دراسات الوحدة العربية، 2022).

ومن زاوية نظرية أخرى، يمكن قراءة هذه التحالفات في ضوء نموذج النيوباتريمونيالية الذي يفسر الحكم في الدول الأفريقية ما بعد الاستعمارية بوصفه مزيجاً من السلطة البيروقراطية الشكلية والعلاقات الشخصية الزبائنية التي تدور حول الحاكم الفرد أو المجموعة العسكرية الحاكمة، حيث يُستبدل الولاء المؤسسي بالولاء الشخصي والقبلي، وتُستخدم موارد الدولة لشراء تأييد الزعامات المحلية بدل بناء مؤسسات فعالة. وتنسجم هذه القراءة مع ما لاحظه باحثون سودانيون من أن الحكومات المتعاقبة وظفت الإدارة الأهلية توظيفاً سياسياً متكرراً كلما احتاجت إلى حاضنة اجتماعية تسندها في مواجهة خصومها السياسيين، وتطورت هدايا الدولة لزعماء القبائل من بندقية واحدة يمنحها الحاكم الثنائي لخفير الناظر إلى العطايا المالية والأوسمة ثم إلى سيارات الدفع الرباعي في العهد الثوري الأخير، وهي هدية تُعد ميزة رمزية لزعيم في منطقة رعوية أو بدوية (ويكيبيديا، الإدارة الأهلية في السودان، تاريخ الوصول أغسطس 2026).

كما تفيد نظرية إدارة المفسدين، التي تطورها أدبيات دراسات السلام لتفسير كيفية تعامل الأنظمة الانتقالية مع الفاعلين المسلحين القادرين على تخريب مسارات التسوية، في تفسير سلوك الأنظمة العسكرية السودانية حيال القيادات القبلية المسلحة، إذ لجأت هذه الأنظمة مراراً إلى استيعاب الزعامات القبلية ذات القدرة التخريبية عبر دمجها في هياكل شبه رسمية بدل مواجهتها، على غرار ما جرى مع مليشيات الجنجويد التي تحولت تدريجياً إلى كيان شرعي هو قوات الدعم السريع، وهو ما يفسر استمرارية الظاهرة رغم تغير الأنظمة وتغير الأسماء المحددة للفاعلين في كل مرحلة.

ثانياً: الجذور التاريخية: من السلطنات ما قبل الاستعمارية إلى الإدارة الأهلية البريطانية

تعود جذور التحالف بين الزعامة القبلية والسلطة المركزية في السودان إلى ما قبل قيام الدولة الحديثة، حين اعتمدت السلطنة الزرقاء وسلطنة دارفور على نظام قبلي بسيط نسبياً منح زعماء القبائل سلطات محلية لإدارة شؤون قبائلهم، من حل النزاعات إلى جباية الضرائب، في مقابل ولائهم للسلطان (سودانايل، الإدارة الأهلية والحكم القبلي في السودان، 2025). وحين أسقط الغزو التركي المصري سلطنة الفونج عام 1821 تأسست الدولة السودانية الحديثة على أنقاض تلك البنية القبلية، لتظل الزعامات التقليدية مصدراً أساسياً للنفوذ المحلي رغم تبدل مراكز السلطة.

وحين اندلعت الثورة المهدية عام 1881 بقيادة محمد أحمد المهدي ضد الحكم التركي المصري، اعتمدت الدولة المهدية التي أعقبتها اعتماداً كبيراً على الولاءات القبلية في كردفان ودارفور وبحر الغزال لحشد الأنصار وتثبيت سلطتها، حتى إن سقوط مدينتي بارا والأبيض في يناير 1883 تم بفضل تكاتف الأنصار القبلي في وجه آخر حملة عسكرية مصرية أرسلت لفك الحصار عنهما، وامتد نفوذ الأنصار في مناطق كردفان ودارفور وبحر الغزال حتى بعد سقوط الدولة المهدية عام 1899 على يد القوات الأنجلومصرية (وزارة الأوقاف المصرية، الأنصار المهدية، تاريخ الوصول أغسطس 2026). وقد استثمر الاستعمار البريطاني هذا الإرث الطائفي القبلي استثماراً مزدوجاً حين استخدم كلاً من طائفة الأنصار بقيادة السيد عبد الرحمن المهدي (1885-1959) وطائفة الختمية بقيادة السيد علي الميرغني (1873-1968) في إدارة البلاد، رغم تباين رؤى الطائفتين حيال مستقبل السودان، إذ دعا الأنصار إلى شعار السودان للسودانيين والاستقلال التام، فيما أيدت الختمية وحدة وادي النيل مع مصر، وهو الانقسام الذي شكل المشهد السياسي السوداني من نهاية الدولة المهدية حتى عهد البشير عام 1989 (ويكيبيديا، التنافس بين الأنصار والختمية، تاريخ الوصول أغسطس 2026). وقد أفرز هذا التنافس الطائفي القبلي بعد الاستقلال حزبين رئيسيين ارتكز كل منهما على قواعد قبلية جغرافية محددة بدقة، فتركز نفوذ حزب الأمة الذي أسسه عبد الرحمن المهدي في منتصف أربعينيات القرن الماضي من رحم الأنصار وبعض المتخرجين، في غرب السودان والنيل الأبيض، فيما توزع نفوذ الحزب الوطني الاتحادي المرتبط بالختمية بين قبائل الشمال والشرق ومناطق من الوسط كالشايقية والبجا والجعليين، وهو ذات الحزب الذي طوره الشريف حسين الهندي والسيد إسماعيل الأزهري (مركز الدراسات السودانية، السودان: قصة فشل معلن، 2012).

وفي هذا السياق الاستعماري تبلورت الإدارة الأهلية بصيغتها الرسمية المعروفة، إذ اقتبس البريطانيون النظام من الممارسات التقليدية القائمة مسبقاً ومنحوا الزعماء التقليديين سلطات رسمية تكمل نفوذهم غير الرسمي داخل مجتمعاتهم، في إطار سياسة الحكم غير المباشر التي هدفت إلى تقليص كلفة الإدارة المركزية عبر الاستعانة بالوسطاء المحليين، وكان الهدف الاستعماري المضمر من إبعاد السيد عبد الرحمن المهدي عن السياسة عبر تسهيل امتلاكه للأراضي الزراعية هو منع تكرار تجربة التلاحم الوطني الذي أنتجته الثورة المهدية (ويكيبيديا، الإدارة الأهلية في السودان، تاريخ الوصول أغسطس 2026؛ مركز الدراسات السودانية، 2012). واستمدت هذه الزعامات سلطتها الروحية من رجال الطرق الصوفية، حيث كانت النزعة الصوفية السمة الغالبة على سلوك المجتمعات القبلية الريفية، وهو ما رسخ اندماج البعد الديني الطرقي بالبعد الإداري القبلي في تشكيل السلطة المحلية (نون بوست، الإدارات الأهلية: سلاح عسكر السودان لشرعنة الانقلاب، 2023). ومع فجر استقلال السودان في يناير 1956 لعبت الإدارة الأهلية دوراً سياسياً ملحوظاً، إذ شارك بعض النظار في الجمعية التأسيسية عام 1955، وكان الناظر عبد الرحمن دبكة، ناظر عموم قبيلة بني هلبة في جنوب دارفور، أول من نادى باستقلال السودان من داخل البرلمان نفسه، واستمرت المحاكم الأهلية المعروفة بمحاكم النُظار والعُمد في تنظيم سبل التعايش القبلي وتسوية النزاعات (ويكيبيديا، الإدارة الأهلية في السودان، تاريخ الوصول أغسطس 2026).

ثالثاً: حكومة الفريق إبراهيم عبود (1958-1964): تفكيك الإدارة الأهلية مع البحث عن سند قبلي بديل

يمثل انقلاب الفريق إبراهيم عبود في 17 نوفمبر 1958 أول تجربة حكم عسكري مباشر في السودان، وقد جمعت سياسته حيال القبيلة تناقضاً مزدوجاً يستحق تفكيكاً دقيقاً. فمن جهة، شكل عبود في أغسطس 1959 لجنة لتنسيق العلاقات بين الحكومة المركزية والحكومات المحلية برئاسة القاضي محمد أحمد أبو رنات، رئيس القضاء آنذاك والرجل الثاني في النظام عملياً، وقد قدمت هذه اللجنة توصيات أفضت إلى إصدار قانون إدارة المديريات لسنة 1960 الذي أنشأ نظام مجالس المديريات ونص على تفتيت السلطات التقليدية للنظار والعُمد وتوزيعها على مؤسسات المركز البيروقراطية، انطلاقاً من اعتبار الإدارة الأهلية إرثاً استعمارياً ينبغي تجاوزه (الراكوبة، سيما أوانطة، 2024؛ حركة تحرير السودان/جيش، الإدارة الأهلية بين التفكيك والتمكين، 2023). ومن جهة أخرى، وبالتزامن الزمني الدقيق مع هذا التفكيك المؤسسي، لجأت حكومة عبود نفسها، بعد أن نجحت في إحباط محاولة انقلابية قادها البكباشي علي حامد أواخر عام 1959 وأعدمت خمسة من ضباطها، إلى البحث عن سند سياسي بديل من خارج المؤسسة العسكرية، فشرعت تحاول إيجاد هذا السند لدى بعض زعماء الطوائف الدينية وبعض زعماء القبائل، واستمالت إليها عدداً من الصحف لتجد تأييداً شعبياً معتمدة على مهاجمة الأحزاب السياسية وتنديدها بالنظام البرلماني الذي أطاحت به (الصادق المهدي، المرحلة الثانية 1958-1964، 2017). وبذلك فإن نظام عبود، الذي يُعرف تاريخياً بكونه أول من فكك الإدارة الأهلية رسمياً كمؤسسة إدارية شكلية، هو نفسه الذي أرسى نمطاً موازياً من التحالف السياسي غير الرسمي مع أعيان القبائل والطوائف بوصفهم قاعدة تعبئة شعبية بديلة عن الأحزاب، وهو نمط مزدوج سيتكرر بصور مختلفة في عهود لاحقة. ولم يتح لقرار التفكيك الكامل للإدارة الأهلية أن يوضع موضع التنفيذ الشامل قبل أن تطيح ثورة أكتوبر 1964 بحكم عبود، لتصدر الحكومة الانتقالية الراديكالية التي أعقبتها قراراً بحل الإدارة الأهلية رسمياً حين تقدم بذلك أحد وزرائها، في مسار أكمل ما بدأه عبود من حيث المبدأ وإن اختلف في الشكل (حركة تحرير السودان/جيش، الإدارة الأهلية بين التفكيك والتمكين، 2023).

رابعاً: عهد نميري (1969-1985): الإلغاء الرسمي للإدارة الأهلية وأول تسليح رسمي محدود لقبيلة الرزيقات

شكل حكم جعفر محمد نميري (1969-1985) منعطفاً حاداً في مسار العلاقة بين القبيلة والدولة، إذ أصدر نظامه قانون الحكم الشعبي المحلي عام 1971 الذي ألغى الإدارة الأهلية رسمياً ونقل اختصاصاتها إلى مؤسسات الحكم المحلي والمجالس الشعبية المرتبطة بالاتحاد الاشتراكي الحاكم، انطلاقاً من رؤية أيديولوجية اعتبرت الإدارة الأهلية، على حد وصف الرائد أبو القاسم محمد إبراهيم أحد أركان النظام المايوي، امتداداً طبيعياً للتربية الاستعمارية وطريقة متخلفة في الحكم فات أوانها (سودانايل، الإدارة الأهلية بين الموروث ومتطلبات المستقبل، 2026). غير أن هذا الإلغاء، بدل أن يفضي إلى بناء دولة حديثة قائمة على المؤسسات، أحدث فراغاً إدارياً في المناطق الريفية أدى إلى تراجع جباية الضرائب وارتفاع التوترات المحلية، فيما استمر كثير من الزعماء التقليديين في ممارسة نفوذهم غير الرسمي رغم إلغاء الاعتراف الرسمي بهم، وقاومت الإدارات الأهلية قرار الإلغاء بقوة خاصة في إقليم دارفور، حتى اضطر النظام نفسه في سنواته الأخيرة إلى محاولة إعادة الاعتبار لها تحت مسمى الإدارة الذاتية خلال ثمانينيات القرن العشرين (ويكيبيديا، الإدارة الأهلية في السودان، تاريخ الوصول أغسطس 2026؛ الراكوبة، نزاعات قبائل السودان، 2022).

وبصورة منفصلة تماماً عن مسار إلغاء الإدارة الأهلية، وينبغي التأكيد بدقة على الفصل بين الظاهرتين تصحيحاً لخلط شائع، فقد وقع في عام 1972 اتفاق بين الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان التي قادت الكفاح المسلح باسم أبناء الجنوب، وبين حكومة نميري في أعقاب اتفاقية أديس أبابا، ونظراً لأن قطعان الرعاة من قبيلة الرزيقات كانت تتحرك في رحلة موسمية سنوية بحثاً عن الماء والعشب من الشمال الغربي إلى الجنوب، وكثيراً ما وقع قتال بين الرعاة والسكان المحليين أو قطاع الطرق المسلحين، فقد اتخذت السلطة العليا قراراً بتخصيص كتيبتين نظاميتين تابعتين للجيش السوداني، إحداهما متمركزة في منطقة سفاهة تتحرك مصاحبة لقبيلة الرزيقات في مراحيلها الموسمية من الشمال إلى الجنوب حتى مركز أويل بجنوب السودان، بهدف حماية هذه المراحيل الرعوية وليس تسليح القبيلة نفسها كمليشيا مستقلة عن الجيش (مجلة المجلة، الميليشيات في السودان: تاريخ مديد، 2016). وهذا الترتيب العسكري النظامي المحدود لعام 1972، الذي اقتصر على حماية عسكرية رسمية لمسارات الرعي الموسمي، يختلف اختلافاً جوهرياً في طبيعته وحجمه وتوقيته عن ظاهرة تسليح مليشيا المراحيل القبلية المستقلة التي ستظهر لاحقاً في عهدين مختلفين تماماً.

خامساً: التسليح الفعلي لمليشيا المراحيل القبلية: عهدي المجلس العسكري الانتقالي والصادق المهدي (1985-1989)

يستوجب هذا القسم تصحيحاً منهجياً دقيقاً، إذ إن التسليح الفعلي لمليشيا المراحيل بوصفها قوة قبلية مسلحة موازية للجيش، خلافاً للترتيب العسكري النظامي المحدود لعام 1972 آنف الذكر، بدأ فعلياً في عام 1983 واستمر بصورة مكثفة ورسمية بين عامي 1985 و1989، أي في عهدين متعاقبين هما المجلس العسكري الانتقالي بقيادة الفريق عبد الرحمن سوار الذهب الذي أعقب سقوط نميري في أبريل 1985، ثم حكومة الصادق المهدي المنتخبة التي تولت السلطة عام 1986 واستمرت حتى انقلاب البشير في يونيو 1989. فقد كانت مليشيات المراحيل، وهي مليشيات قبلية تألفت في المقام الأول من قبيلتي الرزيقات والمسيرية في غرب السودان، مسلحة منذ عام 1983 من قبل الحكومات السودانية المتعاقبة بهدف قمع تمرد الجيش الشعبي لتحرير السودان خلال الحرب الأهلية الثانية، وشملت أنشطتها اقتحام قرى الدينكا ونهب الماشية واختطاف النساء والأطفال وسياسة الأرض المحروقة، وساهمت هذه التكتيكات الوحشية في تفاقم المجاعة والنزوح بين سكان جنوب السودان (ويكيبيديا، المراحيل، تاريخ الوصول أغسطس 2026).

وبحسب شهادات موثقة، فإن التكليف الرسمي بتوزيع السلاح على القبائل العربية جاء من اللواء المتقاعد فضل الله برمة ناصر حين شغل منصب وزير الدفاع، وذلك في إطار المجلس العسكري الانتقالي عام 1985 قبل انضمامه إلى أي انتماء حزبي، ثم استمر هذا التسليح واتسع نطاقه أثناء حكومة الصادق المهدي المنتخبة (1986-1989) حين واصل فضل الله برمة ناصر، بصفته الحكومية، توزيع السلاح على القبائل العربية خاصة في مناطق دارفور وكردفان المتاخمة لجنوب السودان، تحت غطاء معلن هو حماية مواشي هذه القبائل من استهداف قوات الجيش الشعبي، فيما كان الهدف المستبطن، بحسب محللين، هو أن تعمل هذه المليشيات العربية جنباً إلى جنب مع القوات المسلحة السودانية في محاربة الجيش الشعبي تحت شعار حماية الدين والهوية العربية كما كانت تردده الحكومة المركزية آنذاك (الأحداث نيوز، زيارة أخرى للتاريخ: من المراحيل للمليشيات، 2024). وفي الفترة الممتدة بين 1987 و1989 تحالفت سبع وعشرون قبيلة عربية فيما عُرف بالتجمع العربي في مواجهة ما وصفته بمجموعات الزرقة، في سياق تصاعد العمليات العسكرية للحركة الشعبية التي حققت تقدماً ملحوظاً في جبال النوبة عام 1985 وجنوب النيل الأزرق عام 1987 وحاولت التوسع في جنوب كردفان (الأحداث نيوز، 2024). وقد نفى الإمام الصادق المهدي شخصياً في تصريحات لاحقة أن تكون قوات المراحيل مليشيا قبلية مستقلة سلحتها الحكومة، مؤكداً أنها كانت تابعة رسمياً للقوات المسلحة وكُلفت بمهمة حماية مراحيل الرعاة حصراً (موقع الصادق المهدي، الجنجويد وملف تسليح القبائل العربية، 2024)، وهو ما يعكس الجدل المستمر حول طبيعة هذا التسليح ومداه الفعلي حتى في الأوساط السياسية السودانية ذاتها. وبصرف النظر عن هذا الجدل حول التوصيف الدقيق، فإن الثابت تاريخياً هو أن هذه الحقبة شكلت النموذج الأول لتسليح قبلي واسع النطاق بمباركة حكومية صريحة، مهدت الطريق لما سيصبح لاحقاً في عهد الإنقاذ نموذجاً مؤسسياً كاملاً هو قوات الدفاع الشعبي ثم الجنجويد.

سادساً: عهد الإنقاذ (1989-2019): قوات الدفاع الشعبي، الجنجويد، وموسى هلال

مثل انقلاب الجبهة القومية الإسلامية بقيادة عمر حسن أحمد البشير في 30 يونيو 1989 المحطة الأكثر منهجية ومؤسسية في توظيف القبيلة عسكرياً وسياسياً في تاريخ السودان الحديث. فبعد خمسة أشهر فقط من الانقلاب، أصدر النظام مرسوماً في نوفمبر 1989 أنشأ بموجبه قوات الدفاع الشعبي بوصفها كياناً قانونياً نظّم المليشيات القبلية القائمة في قوات شبه عسكرية رسمية، وفرض الخدمة الوطنية الإسلامية على جميع المواطنين، وقد نشطت هذه القوات في جنوب السودان ضد الجيش الشعبي لتحرير السودان، وفي غرب دارفور خلال حروب المساليت أواخر التسعينيات، لتصبح إحدى أدوات التعبئة الأولى في دارفور لاحقاً (فلينت، ما بعد الجنجويد: فهم ميليشيات دارفور، مسح الأسلحة الصغيرة، 2009). وقد اندمج في هذا الإطار القانوني فصيل من مليشيا الفرتيت الجنوبية التي كانت نشطة منذ الثمانينيات، وسُرِّح معظم أفرادها في يوليو 1988 بعد تفاوض القادة المحليين مع المفوض القطري لورينس لول لول، بينما ظل فصيل منها نشطاً وتم دمجه رسمياً في ديسمبر 1989 ضمن قوات الدفاع الشعبي حديثة التأسيس (الراكوبة، الميليشيات القبلية في السودان، 2026). وخلافاً لتسليح القبائل الذي جرى بصورة أقل تنظيماً في عهد حكومة الصادق المهدي، فإن نظام الإنقاذ أنشأ هذه المليشيات علناً بموجب قانون الدفاع الشعبي الذي منح أفرادها رتباً عسكرية وسلحها على نحو مواز للقوات المسلحة النظامية، في مسعى استهدف في جوهره إضعاف استقلالية المؤسسة العسكرية الرسمية وقوميتها لصالح بنية موازية موالية أيديولوجياً للحركة الإسلامية الحاكمة (قلب أفريقيا الإخبارية، سقوط مشروع الجنجويد، 2026).

وبلغ هذا النهج ذروته مع اندلاع تمرد حركتي تحرير السودان والعدل والمساواة في دارفور عام 2003، حين لجأت الحكومة إلى تسليح المليشيات العربية والمعربة المعروفة باسم الجنجويد لشن حملة مضادة للتمرد إلى جانب الجيش النظامي، وهي الحملة التي أسفرت وفق تقديرات بحثية نشرت عام 2010 عن وفاة ما يقارب ثلاثمئة ألف مدني نتيجة مباشرة أو غير مباشرة للنزاع (Small Arms Survey، أرشيف السودان، تاريخ الوصول أغسطس 2026). وقد لعب حسن الترابي، مؤسس الجبهة القومية الإسلامية ومهندس انقلاب 1989، دوراً في تأجيج البعد العرقي القبلي لأزمة دارفور بعد إقصاء البشير له عن السلطة عام 1999، حين لجأ إلى التحريض على خلفية عرقية وقبلية عبر ما عرف بالكتاب الأسود الذي تناول اختلال توزيع السلطة والثروة في السودان، وأسس حركة دارفورية مسلحة هي حركة العدل والمساواة، لتتخذ الأزمة أبعاداً دموية بين قبائل ذات أصول عربية وأخرى ذات أصول أفريقية، ولتترتب على ذلك تحالفات ذات طابع إقليمي مرتبطة بالامتدادات القبلية للزغاوة بين تشاد والسودان (الطويل، القبيلة والسياسة في السودان، مركز فاروس، 2022).

ومن رحم هذه المليشيات برز بالاسم موسى هلال، المولود عام 1961 في دامرة الشيخ قرب مدينة كتم بولاية شمال دارفور، وهو نجل الشيخ هلال عبد الله زعيم قبيلة المحاميد العربية التي تنتمي إلى اتحاد أكبر لقبائل رعاة الإبل المعروفة بالأبالة في شمال الرزيقات، وقد خلف والده في زعامة القبيلة وأسس ميليشيا الجنجويد شبه العسكرية التي شنت حملة عسكرية واسعة ضد المدنيين في دارفور عام 2003 (ويكيبيديا، موسى هلال، تاريخ الوصول أغسطس 2026؛ المعرفة، موسى هلال، تاريخ الوصول أغسطس 2026). وفي 21 يناير 2008 عينه الرئيس عمر البشير مستشاراً بديوان الحكم الاتحادي لدى وزير الحكم الاتحادي عبد الباسط سيدرات، ودافع البشير عن هذا التعيين علناً بوصف موسى هلال مواطناً سودانياً وشخصية شديدة التأثير في دارفور قدمت مساهمة كبيرة في إرساء الاستقرار والأمن بالإقليم، كما اختير نائباً بالبرلمان عن حصة حزب المؤتمر الوطني الحاكم (الجزيرة نت، موسى هلال، 2024). وفرضت الأمم المتحدة عليه حظر سفر وتجميداً لأمواله عام 2006 على خلفية دوره في هجمات دارفور. وقد تحول موسى هلال من مؤيد للحكومة وداعم لها بالسلاح والرجال إلى ناقم عليها، فأعلن عام 2013 انشقاقه عن المؤتمر الوطني الحاكم وانضمامه إلى حزب الإصلاح الآن، بعد أن كان دوره في تجنيد ميليشيات الجنجويد أمراً أقرّ به هو نفسه رغم نفيه المسؤولية المباشرة عن جرائم بعينها (ويكيبيديا، موسى هلال، تاريخ الوصول أغسطس 2026). وفي 27 نوفمبر 2017 ألقت قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي القبض على موسى هلال في معقله بمنطقة مستريحة بولاية شمال دارفور، وأوقفت معه ثلاثة من أبنائه وخمسين من معاونيه على خلفية نزاع بينهما حول موارد الذهب في جبل عامر التي كانت تدر على مجلس الصحوة الثوري التابع له نحو خمسين مليون دولار سنوياً من الإيرادات قبل أن يستحوذ عليها حميدتي (الشرق الأوسط، موسى هلال في الأسر، 2017؛ الاستقلال، يخشاه حميدتي، منشور حديث). وبقي موسى هلال معتقلاً طوال الفترة الانتقالية حتى أطلق سراحه عام 2021، ليعود إلى مسقط رأسه بمنطقة كبكابية حيث يُعتقد أنه واصل تجنيد رجال القبائل العربية من أولاد راشد وإرقات وأم الجالول، وقاد لاحقاً مجلس الصحوة الثوري المتحالف مع الجيش السوداني في مواجهة ابن عمه حميدتي إبان الحرب الأهلية الراهنة (المعرفة، موسى هلال، تاريخ الوصول أغسطس 2026).

وبالتوازي مع تسليح المليشيات، عمل نظام الإنقاذ على إعادة توظيف الإدارة الأهلية نفسها سياسياً، فأعاد النظام نظام الإدارة الأهلية وأحياه تحت مسمى مختلف هو النظام الأهلي، الذي يتزعمه أمير هو قائد الجماعة تطبيقاً للمفهوم الإسلامي، مستثمراً هذه البنية في حشد التأييد الشعبي وتجنيد المقاتلين للحرب في الجنوب (ويكيبيديا، الإدارة الأهلية في السودان، تاريخ الوصول أغسطس 2026). كما لجأ النظام إلى استحداث سلطنات وشرتايات وإمارات ومكوكيات ونظارات وعموديات موازية للزعامات القبلية التقليدية حين تعذر عليه استمالة هذه الزعامات الأصيلة، بهدف ابتزازها عبر أبناء عمومتها الانتهازيين، وهو ما أسهم في تفجير اقتتالات قبلية لاحقة في كسلا والجنينة والدمازين (الراكوبة، النزاعات القبلية سببها تسييس الإدارة الأهلية، 2022).

سابعاً: شرق السودان: من تأسيس مؤتمر البجا عام 1957 إلى اتفاق أسمرة 2006 وموسى محمد أحمد

يشكل إقليم شرق السودان حالة نموذجية أخرى محددة بالاسم والتاريخ لتحالف قبلي مع السلطة المركزية العسكرية. فقد تأسس حزب مؤتمر البجا في 14 أكتوبر 1957 بمدينة كسلا، بوصفه أول حزب إقليمي في السودان، على يد الدكتور طه عثمان بلية ومحمد أحمد النيل، نائب بورتسودان في الجمعية التأسيسية السودانية دورة عام 1956، إلى جانب مجموعة من مثقفي قبائل البجا، وذلك بهدف أن يكون منبراً سياسياً لقبائل البجا وسكان الشرق يسهر على تنمية المنطقة ومحاربة الفقر والمرض والأمية، ودعا الحزب في بيانه التأسيسي إلى اعتماد نظام حكم فيدرالي في السودان (ويكيبيديا، مؤتمر البجا، تاريخ الوصول أغسطس 2026). وحمل مؤتمر البجا السلاح ضد حكومة عمر البشير من مطلع تسعينيات القرن الماضي وحتى عام 2006 مطالباً بالمساواة التنموية لإقليم يمثل قبائله نحو عشرة بالمئة من سكان السودان (قنطرة، عقود من التهميش من البشير وحتى البرهان، تاريخ الوصول أغسطس 2026). وبعد انهيار تحالف التجمع الوطني الديمقراطي عام 2004 إثر انسحاب الحركة الشعبية لتحرير السودان منه، أسس مؤتمر البجا تحالفاً جديداً مع فصيل الأسود الحرة بقيادة مبروك مبارك سليم وغيره من المجموعات الأصغر، ليشكلا معاً جبهة الشرق التي بدأت مفاوضاتها مع الحكومة السودانية في مايو 2006 وأفضت في 14 أكتوبر 2006 إلى توقيع اتفاق سلام شرق السودان في أسمرة بإريتريا، سُرّحت بموجبه قوات الحزب وشارك في السلطة المركزية، واستوعبت قوات جبهة الشرق في القوات المسلحة السودانية، وعُيّن قادتها في مناصب سياسية بالحكومة الوطنية والبرلمان وولايات الشرق الثلاث كسلا والقضارف والبحر الأحمر (المعرفة، مؤتمر البجا، تاريخ الوصول أغسطس 2026). وشغل رئيس الحزب موسى محمد أحمد، زعيم تحالف الجبهة الشرقية، منصب مساعد رئيس الجمهورية بموجب هذا الاتفاق منذ عام 2006 حتى سقوط نظام البشير في أبريل 2019، أي طوال ثلاثة عشر عاماً متصلة (المعرفة، موسى محمد أحمد، تاريخ الوصول أغسطس 2026؛ صحيفة العربي الجديد، ورشة سلام شرق السودان، 2023).

غير أن هذا التحالف المؤسسي الطويل بين مؤتمر البجا والبشير لم يمنع تصدع الوحدة القبلية في الإقليم بعد سقوط النظام، إذ برز في الفترة الانتقالية زعيم قبلي مختلف هو محمد الأمين ترك، رئيس المجلس الأعلى لنظارات البجا الذي يمثل بصورة أساسية قبيلة الهدندوة، في مواجهة موسى محمد أحمد نفسه الذي اتُهم من قبل حزبه بمحاولة استغلال صراعات الشرق (اخبار السودان اليوم، حزب البجا يتهم مساعد البشير السابق، 2019). فمنذ 17 سبتمبر 2021 أغلق مناصرو مجلس نظارات البجا بقيادة محمد الأمين ترك ميناء بورتسودان وجميع الموانئ على البحر الأحمر والطرق المؤدية إلى العاصمة والمطار وخط السكة الحديد لأكثر من خمسة وأربعين يوماً، احتجاجاً على ما اعتبروه تهميشاً تنموياً تاريخياً للإقليم منذ الاستقلال، ومطالبة بإلغاء مسار الشرق ضمن اتفاق سلام جوبا الموقع في أكتوبر 2020 الذي اعتبرته قبائل البجا اختزالاً لتنوع الإقليم القبلي في قبيلة بني عامر وحدها (مركز تراندز للبحوث، احتجاجات شرق السودان، 2021). ولم يتراجع مجلس نظارات البجا عن إغلاق الموانئ إلا بعد انقلاب الجيش وقوات الدعم السريع في 25 أكتوبر 2021 الذي أطاح بالحكومة الانتقالية المدنية برئاسة عبد الله حمدوك، إذ كان محمد الأمين ترك قد اشترط صراحة إسقاط الحكومة المدنية وتولي الجيش قيادة البلاد شرطاً لإنهاء الحصار (ألترا سودان، مجلس البجا: ننتظر الحكومة المدنية، 2023). ويكشف هذا التزامن الزمني الدقيق بين إغلاق الموانئ القبلي وتنفيذ الانقلاب العسكري عن مستوى التنسيق أو على الأقل التقاطع المصلحي بين الزعامة القبلية الشرقية بقيادة ترك والمكون العسكري بقيادة البرهان في تلك المرحلة الحرجة من عمر الفترة الانتقالية.

ثامناً: الفترة الانتقالية (2019-2021): تسييس الإدارة الأهلية وتحالف المجلس العسكري بقيادة البرهان

مع نجاح ثورة ديسمبر 2018 في إسقاط نظام الإنقاذ عام 2019، استمرت عملية تسييس الإدارة الأهلية بل تصاعدت، إذ رأى المجلس العسكري الانتقالي، الذي تشكل رسمياً في 21 أغسطس 2019 وترأسه الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في زعامات الإدارة الأهلية حاضنة سياسية له في مواجهة خصمه المتمثل في تحالف قوى الحرية والتغيير خلال مفاوضات وضع دعائم الحكم للعهد الجديد، فحشد كبريات هذه القيادات في اجتماعات كبرى بضاحية بري في الخرطوم، حتى أفرز أحد هذه الاجتماعات تفويضاً من الإدارات الأهلية للمجلس العسكري بتشكيل حكومة مدنية بالاتفاق مع قوى التغيير أو من دونها إلى حين إجراء انتخابات، وهو ما قبله العسكر السودانيون، ودعوا الإدارات الأهلية للقيام بدور تشريعي في ظل غياب المجالس التشريعية الرسمية (نون بوست، الإدارات الأهلية: سلاح عسكر السودان لشرعنة الانقلاب، 2023). وبذلك تحولت الإدارة الأهلية من وسيط محتمل بين طرفي الأزمة الانتقالية إلى شريك فعلي في مسار تثبيت النفوذ العسكري، بعد أن كان السودانيون ينتظرون منها دوراً توفيقياً أميناً.

واستمر البرهان في نهج سلفه إذ واصل تسييس الإدارة الأهلية وحشدها لمساندته حتى تتحول إلى قاعدة سياسية له ضد تحالف قوى الحرية والتغيير، وقدمت حكومته مشروعاً لإعادة الإدارة الأهلية بعد أن كانت قد فقدت نفوذها السياسي وتراجع دورها الإداري والقبلي منذ عهد نميري، لكن تكرر النمط ذاته من التوظيف السياسي المؤقت للإدارة الأهلية كورقة ضغط في الصراع بين المكونين المدني والعسكري (الجزيرة نت، ما وراء عزل زعماء قبائل وإدارات أهلية في غرب السودان، 2025). ثم نفذ البرهان في 25 أكتوبر 2021 انقلابه العسكري بحل مجلس السيادة الانتقالي وحكومة حمدوك وإعلان حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد، قبل أن يعيد تشكيل مجلس سيادة جديد في 11 نوفمبر 2021 بعضوية مختلفة حوّله فعلياً من حكومة وحدة وطنية إلى مجلس عسكري (ويكيبيديا الإنجليزية، المجلس السيادي الانتقالي، تاريخ الوصول أغسطس 2026)، وهو الانقلاب الذي تزامن، كما سبقت الإشارة، مع إنهاء حصار موانئ البجا الذي اشترط قائده صراحة وقوع هذا الانقلاب بالذات.

تاسعاً: قوات الدعم السريع: حميدتي والتحالف القبلي الرزيقاتي من دارفور إلى قمة السلطة الوطنية

يمثل مسار قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي أكثر تجليات التحالف بين القبيلة والعسكر تركيباً وتعقيداً في التاريخ السوداني الحديث. فحميدتي، المولود عام 1975، ينتمي إلى قبيلة الرزيقات فرع الماهرية من رفاعة من جهينة، وقد برز اسمه خلال حرب دارفور حين ساهمت حكومة البشير في تسليح قواته القبلية ثم أنشأتها رسمياً ووضعت لها قانوناً عام 2013 رغم افتقارها إلى التدريب النظامي حتى في صفوف قائدها نفسه، وارتبط اسم هذه القوات، المعروفة سابقاً بالجنجويد، بجرائم إبادة جماعية وتهجير قسري طالت القبائل غير العربية في غرب السودان (ويكيبيديا، محمد حمدان دقلو، تاريخ الوصول أغسطس 2026). واستثمر حميدتي قواته في السيطرة على مناجم الذهب واعتقال منافسه القبلي موسى هلال في نوفمبر 2017 كما فصلنا آنفاً، ليصبح بذلك أكبر تاجر ذهب في السودان عبر شركته الجنيد التي يديرها شقيقه عبد الرحيم دقلو، نائب رئيس قوات الدعم السريع نفسه، إلى جانب اثنين من أبنائه، وهو ما منحه ثقلاً مالياً هائلاً في بلد شكلت فيه تجارة الذهب أربعين بالمئة من الصادرات عام 2017 (المعرفة، محمد حمدان دقلو، تاريخ الوصول أغسطس 2026).

وقد شكلت هذه الثروة المتراكمة، إلى جانب الانتماء القبلي الرزيقاتي الذي وفر قاعدة تجنيد بشرية واسعة في دارفور، الرافعة التي مكنت حميدتي من تحويل قوته القبلية الأصل إلى فاعل سياسي وطني نافذ، فأصبح نائباً لرئيس المجلس العسكري الانتقالي بعد سقوط البشير، وقاد فريق التفاوض الحكومي مع الحركات المتمردة في مفاوضات جوبا التي أفضت إلى اتفاق سلام في أكتوبر 2020 بعد أن هدد صراحة أثناء المفاوضات وقبل مراسم التوقيع برحيل قبيلتين تعنيان بالنزاع إذا لم يتوصلا إلى اتفاق، ثم اعتذر لاحقاً عن لغته القاسية (المعرفة، محمد حمدان دقلو، تاريخ الوصول أغسطس 2026). غير أن الطموح السلطوي المتنامي لحميدتي اصطدم في نهاية المطاف بمشروع دمج قوات الدعم السريع في جيش موحد تحت قيادة البرهان، وهو الخلاف الذي تفجر حرباً شاملة في 15 أبريل 2023 بين الطرفين اللذين كانا حليفين في الإطاحة بالحكم المدني قبل عامين ونصف فقط (ويكيبيديا، الحرب الأهلية السودانية 2023 حتى الآن، تاريخ الوصول أغسطس 2026).

ومع استمرار الحرب واتساع رقعتها اعتمدت قوات الدعم السريع في بنيتها القيادية والعسكرية على شبكات تعبئة متصلة بحرس الحدود السابق ومجموعات الجنجويد القديمة في دارفور، وظهرت داخل هذه البنية فروع قبلية واجتماعية ذات صلة بالتجنيد والقيادة الميدانية، خصوصاً في دارفور وكردفان، من دون أن يعني ذلك تمثيلاً شاملاً لهذه القبائل أو المجتمعات (ويكيبيديا، معركة الخرطوم 2023-2025، تاريخ الوصول أغسطس 2026). وقد كشفت موجة الانشقاقات التي شهدتها صفوف الدعم السريع لاحقاً، وشملت قيادات ميدانية بارزة كعلي رزق الله الملقب بالسافنا الذي أعلن انشقاقه رسمياً، عن أزمة عميقة داخل التنظيم مرتبطة بالتركيبة الإثنية والولاءات القبلية والصراع على تقاسم النفوذ، بحسب تقييم الخبير الأمني إبراهيم عبد القادر، وهي أزمة كانت كامنة منذ فترة طويلة قبل أن تبرز إلى السطح وتتمدد مع تطاول أمد الحرب (الجزيرة نت، للقبيلة كلمة بالميدان، 2026). وبذلك يتضح أن الرابطة القبلية التي شكلت أساس تأسيس القوة ونموها ظلت في الوقت نفسه مصدر هشاشتها البنيوية حين تعرضت لضغوط الحرب الطويلة وتعقيداتها.

عاشراً: إعادة تشكل التحالفات القبلية في أتون الحرب الأهلية الراهنة وعزل النظار في جنوب دارفور

أفرزت الحرب المندلعة منذ 15 أبريل 2023 إعادة تشكيل شاملة لخريطة التحالفات القبلية في السودان، إذ لم يعد الاصطفاف القبلي مقتصراً على المعادلة الثنائية القديمة بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل تشعب إلى تحالفات محلية متعددة الأطراف تبعاً للحسابات الجغرافية والتاريخية لكل منطقة. ففي شمال دارفور وجنوب كردفان تصاعدت المعارك بين قوات الدعم السريع من جهة والقوة المشتركة للحركات المسلحة الموالية للجيش من جهة أخرى، وسط اتهامات لقوات الدعم السريع من قبل شبكة أطباء السودان الأهلية بقتل أكثر من مئتي شخص على أساس عرقي في مناطق أمبرو وسربا وأبو قمرة بعد إعلانها سيطرتها على تلك المناطق بولاية شمال دارفور (وكالة الأناضول، تصاعد المعارك في شمال دارفور وجنوب كردفان، 2025). كما شهدت مدن مثل كوستي بولاية النيل الأبيض مواجهات قبلية مباشرة بين قبائل الهوسا والنوبة والمساليت في مايو 2023، أسفرت وفق نقابة الأطباء السودانيين عن مقتل خمسة وعشرين شخصاً على الأقل في اشتباكات قبلية استمرت وسط تعثر محادثات الهدنة (ويكيبيديا الإنجليزية، اشتباكات كوستي 2023، تاريخ الوصول أغسطس 2026).

وفي واقعة بالغة الدلالة على مدى الانقسام القبلي الذي أحدثته الحرب داخل جهاز الدولة نفسه، أقدم والي جنوب دارفور المكلف بشير مرسال، الموالي للجيش، على عزل واحد وسبعين عمدة، من بينهم سبعة من زعماء القبائل الحاملين لقب نُظّار وقيادات من الإدارة الأهلية بالولاية، وذلك بعد أن أصدر هؤلاء النظار بياناً مشتركاً يدعو أبناء قبائلهم للانسلاخ عن الجيش والانضمام إلى قوات الدعم السريع، ودونت سلطات الولاية اتهامات جنائية في مواجهتهم لدى النيابة ببورتسودان تصل عقوبتها إلى الإعدام أو السجن المؤبد في حال الإدانة، متهمة إياهم بممارسة القتل ونهب ممتلكات المواطنين وتسببهم في هلاك الآلاف من أبناء قبائلهم بعد استنفارهم للقتال إلى جانب الدعم السريع، وهي خطوة وصفها مراقبون بـمجزرة جماعية إدارية غير مسبوقة بحق الإدارة الأهلية (الجزيرة نت، ما وراء عزل زعماء قبائل وإدارات أهلية في غرب السودان، 2025). وتكشف هذه الواقعة عن أن التحالف بين القبيلة والعسكر، حين ينهار بفعل انقسام السلطة العسكرية نفسها إلى طرفين متحاربين، يتحول بالضرورة إلى انقسام موازٍ داخل الجسم القبلي نفسه، حيث تنحاز فروع أو قيادات بعينها من القبيلة الواحدة لطرف عسكري بعينه في مواجهة فروع أو قيادات أخرى من القبيلة نفسها منحازة للطرف الآخر، على غرار ما جرى بالضبط بين موسى هلال المتحالف مع الجيش وابن عمه حميدتي قائد الدعم السريع، إذ هاجمت قوات الدعم السريع مقر إقامة هلال ومستشفى بلدته وسرادق عزاء فيها في مواجهة قبلية شاملة تتداخل فيها الضغائن القديمة بين فروع قبيلة الرزيقات وقبائل الزغاوة والزرقة التي تحمل تجاه الجنجويد بشقيه القديم والجديد ضغائن متراكمة منذ عقود، بدءاً من أحداث توريت عام 1955 وصولاً إلى مواجهات عام 2026 (الجزيرة نت، اقتحام مستريحة وحسابات حميدتي، 2026).

حادي عشر: قراءة نقدية توليفية في استمرارية الظاهرة وحدودها البنيوية

يكشف هذا المسار التاريخي الطويل، الممتد بالاسم والتاريخ من عبود وأبو رنات عام 1959 إلى نميري وقانون 1971 إلى فضل الله برمة ناصر ومراحيل 1985-1989 إلى البشير وموسى هلال وموسى محمد أحمد إلى البرهان وحميدتي ومحمد الأمين ترك وبشير مرسال في 2021-2025، عن نمط بنيوي متكرر يمكن تلخيصه في أن كل نظام عسكري سوداني، بصرف النظر عن خلفيته الأيديولوجية أو الحزبية، وجد نفسه مضطراً إلى البحث عن حاضنة قبلية محددة بالاسم تعوضه عن غياب الشرعية الديمقراطية أو ضعف المؤسسات البيروقراطية الرسمية، فيما وجدت الزعامات القبلية المحددة نفسها في هذا الاصطفاف فرصة لتعظيم نفوذها ومواردها وحمايتها من المساءلة القانونية والدولية. غير أن هذه العلاقة التبادلية، رغم فعاليتها القصيرة المدى في تثبيت الأنظمة العسكرية المتعاقبة، أثبتت هشاشة استراتيجية عميقة على المدى البعيد في كل تجربة محددة من التجارب التي استعرضها هذا المقال، إذ إن تسليح القبيلة وتسييسها ينزع عنها في الوقت نفسه صفتها التقليدية كوسيط سلمي لحل النزاعات المحلية ويحولها إلى طرف مسلح في الصراع، وهو ما لاحظته دراسات عدة حول الإدارة القبلية بوصفها آلية حاسمة تاريخياً في الوساطة وحل النزاعات العرفي وضمان الأمن الإنساني الأساسي، قبل أن يفضي تسييسها إلى تقويض هذا الدور بالذات (سودانايل، الإدارة القبلية والحكم في السودان، الجزء الأول، 2025).

كما يتضح من نموذج حميدتي تحديداً أن التحالف بين الزعامة القبلية والمؤسسة العسكرية، حين يتطور إلى مستوى تكوين قوة عسكرية موازية للجيش النظامي تمتلك اقتصادها الخاص ومواردها المستقلة كما جرى مع تجارة الذهب عبر شركة الجنيد، يحمل بذور انقلابه على الطرف العسكري الشريك ذاته، إذ تحول التحالف الذي أسسه البشير بين الدولة ومليشيا قبلية إلى تهديد وجودي للدولة السودانية بأسرها حين تجاوز حميدتي موقعه كأداة تنفيذية إلى موقع الفاعل السياسي الطامح للسلطة المطلقة في مواجهة البرهان نفسه. وبالمثل، فإن تجربة شرق السودان بقيادة محمد الأمين ترك تظهر أن توظيف الزعامة القبلية كورقة ضغط سياسية آنية، كما حدث في أزمة سبتمبر وأكتوبر 2021، وإن حقق للطرف العسكري مكسباً تكتيكياً فورياً تمثل في تمهيد الطريق لانقلاب البرهان، إلا أنه كرس في المقابل مطالب انفصالية أو شبه انفصالية إقليمية لم تجد حلاً جذرياً حتى اليوم. أما واقعة عزل بشير مرسال لواحد وسبعين عمدة ونظاراً في جنوب دارفور عام 2025 فتكشف عن المآل النهائي الأكثر تطرفاً لهذه الظاهرة، حين ينقلب النظام العسكري نفسه على شركائه القبليين التقليديين بمجرد أن ينحاز جزء منهم للطرف المتحارب الآخر، مستخدماً ضدهم الأداة القانونية الجنائية بدل الأداة الزبائنية التي بنى عليها شرعيته لعقود طويلة.

خاتمة نقدية

يفضي هذا الاستعراض التاريخي المفصل بالأسماء والتواريخ إلى خلاصة نقدية مركزية مفادها أن العلاقة بين القيادة القبلية والنظام العسكري في السودان لم تكن يوماً علاقة استقرار بل علاقة توازن هش قابل للانهيار في كل لحظة تتغير فيها موازين القوى داخل مركز السلطة نفسه، وأن كل زعيم قبلي محدد بالاسم، من عبد الرحمن دبكة إلى موسى محمد أحمد إلى موسى هلال إلى محمد الأمين ترك، قد مر بدورة كاملة من التحالف مع النظام العسكري ثم التوتر معه ثم القطيعة أو الصدام المسلح، بصرف النظر عن هوية النظام نفسه أو أيديولوجيته المعلنة. وتؤكد التجربة التاريخية بجلاء أن كل محاولة لتوظيف القبيلة أداة عسكرية أو سياسية مؤقتة، من قوات المراحيل في الثمانينيات إلى قوات الدفاع الشعبي والجنجويد في التسعينيات إلى الدعم السريع منذ 2013 إلى تسييس الإدارة الأهلية في الفترة الانتقالية، قد أنتجت في كل مرة أزمة أعمق وأكثر استعصاء على الحل من الأزمة التي سعت الحكومة إلى معالجتها أصلاً بهذا التوظيف، وأن الحرب الأهلية الراهنة المندلعة منذ أبريل 2023 ليست سوى التتويج المأساوي الأخير لهذا النمط المتكرر عبر أكثر من ستة عقود من تاريخ السودان المستقل. وعليه فإن أي مقاربة مستقبلية لإصلاح العلاقة بين الدولة السودانية والقيادات القبلية تستوجب تفكيك منطق الزبائنية العسكرية القبلية القائم على المقايضة بين الشرعية الشعبية والامتيازات المادية، والانتقال نحو صيغة مؤسسية تعترف بالدور الوظيفي المشروع للإدارة الأهلية في حفظ السلم الأهلي المحلي وفض النزاعات العرفية، من دون تحويلها إلى أداة تعبئة عسكرية أو سياسية في خدمة أي طرف متصارع على السلطة المركزية، وهو ما يظل رهاناً صعب المنال في ظل استمرار الحرب الأهلية الراهنة وتصاعد الاصطفافات القبلية المسلحة التي تغذيها يوماً بعد يوم.

المراجع

  1. اخبار السودان اليوم. حزب البجا يتهم مساعد البشير السابق باستغلال صراعات الشرق. 2019. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  2. الأحداث نيوز. زيارة أخرى للتاريخ: من المراحيل للمليشيات. 2024. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  3. الأناضول، وكالة. السودان: تصاعد المعارك في شمال دارفور وجنوب كردفان. 2025. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  4. الاستقلال، صحيفة. سيناريو الانقسام مجدداً: كيف تهدد قبائل البجا وحدة السودان. 2021. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  5. الاستقلال، صحيفة. يخشاه حميدتي: ماذا وراء عودة موسى هلال للمشهد السوداني المعقد. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  6. الجزيرة نت. اقتحام مستريحة وحسابات حميدتي. 2026. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  7. الجزيرة نت. إغلاق موانئ شرق السودان بأسبوعه الرابع. 2021. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  8. الجزيرة نت. للقبيلة كلمة بالميدان: القصة الحقيقية لنزيف الانشقاقات بالدعم السريع. 2026. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  9. الجزيرة نت. ما وراء عزل زعماء قبائل وإدارات أهلية في غرب السودان. 2025. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  10. الجزيرة نت. موسى هلال: زعيم قبيلة المحاميد في إقليم دارفور. 2024. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  11. الراكوبة، صحيفة. الميليشيات القبلية في السودان. 2026. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  12. الراكوبة، صحيفة. النزاعات القبلية سببها تسييس الإدارة الأهلية. 2022. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  13. الراكوبة، صحيفة. سيما أوانطة: هاتوا فلوسنا. 2024. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  14. الراكوبة، صحيفة. محاولة اغتيال موسى هلال: حقيقة أم اتهام. 2020. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  15. الصادق المهدي، الإمام. الجنجويد وملف تسليح القبائل العربية. 2024. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  16. الصادق المهدي، الإمام. المرحلة الثانية 1958-1964م. 2017. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  17. الطويل، أماني. القبيلة والسياسة في السودان: أبعاد الدور وتداعياته. مركز فاروس للدراسات والأبحاث المتقدمة، 2022. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  18. العربي الجديد. ورشة سلام شرق السودان: محاولة لإنهاء التهميش والاحتقان والاستقطاب. 2023. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  19. المجلة، مجلة. الميليشيات في السودان: تاريخ مديد. 2016. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  20. المركز الديمقراطي العربي. بنيان السياسة العامة لجمهورية السودان. 2016. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  21. المعرفة، موسوعة. محمد حمدان دقلو. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  22. المعرفة، موسوعة. موسى محمد أحمد. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  23. المعرفة، موسوعة. موسى هلال. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  24. المعرفة، موسوعة. مؤتمر البجا. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  25. النون بوست. الإدارات الأهلية: سلاح عسكر السودان لشرعنة الانقلاب. 2023. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  26. حركة تحرير السودان/جيش. الإدارة الأهلية بين التفكيك والتمكين في ظل الأنظمة السلطوية. 2023. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  27. سودانايل. الإدارة الأهلية بين الموروث ومتطلبات المستقبل. 2026. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  28. سودانايل. الإدارة الأهلية والحكم القبلي في السودان. 2025. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  29. سودانايل. الإدارة القبلية والحكم في السودان (الجزء الأول). 2025. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  30. سودانايل. نزاعات قبائل السودان: من مناوشات الحواكير إلى احتكار مواردها. 2022. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  31. الشرق الأوسط، صحيفة. موسى هلال في الأسر: كوميديا سوداء أم نهاية أسطورة. 2017. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  32. قلب أفريقيا الإخبارية. نيامي بانغي الخرطوم: سقوط مشروع الجنجويد. 2026. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  33. قنطرة (Qantara.de). عقود من التهميش من البشير وحتى البرهان: قبائل شرق السودان الباحثة عن المساواة. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  34. مركز الدراسات السودانية. السودان: قصة فشل معلن. 2012. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  35. مركز تراندز للبحوث والاستشارات. احتجاجات شرق السودان وما بعد قرارات 25 أكتوبر: الأسباب وحدود التفاعل والمآلات. 2021. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  36. مركز دراسات الوحدة العربية. أثر القبلية في الاستقرار السياسي في السودان: حالة دارفور. 2022. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  37. مصراوي. من هو الزعيم السوداني موسى هلال الذي اعتقلته الخرطوم. 2017. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  38. وزارة الأوقاف المصرية. الأنصار المهدية. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  39. ويكيبيديا. الإدارة الأهلية في السودان. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  40. ويكيبيديا. التنافس بين الأنصار والختمية. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  41. ويكيبيديا. الحرب الأهلية السودانية (2023 – حتى الآن). تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  42. ويكيبيديا. المراحلين. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  43. ويكيبيديا. مؤتمر البجا. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  44. ويكيبيديا. محمد حمدان دقلو. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  45. ويكيبيديا. معركة الخرطوم (2023-2025). تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  46. ويكيبيديا. موسى هلال. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  47. ويكيبيديا الإنجليزية (English Wikipedia). 2023 Kosti clashes. Accessed August 2026.
  48. ويكيبيديا الإنجليزية (English Wikipedia). Transitional Sovereignty Council. Accessed August 2026.
  49. ألترا سودان. مجلس البجا: ننتظر الحكومة المدنية لعقد منبر تفاوضي للشرق. 2023. تاريخ الوصول: أغسطس 2026.
  50. Flint J. Beyond ‘Janjaweed’: Understanding the Militias of Darfur. HSBA Working Paper 17. Geneva: Small Arms Survey; 2009. Accessed August 2026.
  51. Small Arms Survey. HSBA Archive – Sudan. Geneva: Graduate Institute of International and Development Studies. Accessed August 2026.
Author

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

الأخبار
قيادات حقوقية إفريقية تطلق تحالفاً لمناصرة السودان
منبر الرأي
القمندان مدني مهدي سبيل ابوكدوك 1927-1986 (1–3)
منشورات غير مصنفة
رسالة الي عبدالخالق محجوب في الفردوس … بقلم: د. ابومحمد ابوآمنة
منبر الرأي
كل هؤلاء اللصوص فى وطني ؟!
الأخبار
بتدخُّل من البرهان.. وصول قطع الغيار اليوم وإكمال إصلاح العطل بسد مروي ما بين أسبوع إلى ١٠ أيام

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

قبل أن تدهسنا المجاعة .. بقلم: الطيب محمد جاده

طارق الجزولي
منبر الرأي

إسعاف المستشفيات وليس حراستها .. بقلم: نورالدين مدني

نور الدين مدني
منبر الرأي

نداء القلم: جميلٌ في جلال وجليلٌ في جمال .. بقلم: مـحمد أحمد الجاك

طارق الجزولي
منبر الرأي

ردا على الطيب مصطفى واعادة خطاب يونس محمود المعادي لدول الخليج .. بقلم: د. أمل الكردفاني

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss