قراءة تحليلية في منشور بنك السودان المركزي رقم (2026/16)
عمر سيد احمد | باحث في الاقتصاد السياسي السوداني وخبير مصرفي ومالي مستقل
أصدر بنك السودان المركزي في 24 أغسطس 2026 منشور السياسات رقم (2026/16)، الذي ألغى ثلاثة تعاميم سابقة متضاربة، وكرّس استمرار سياسة تحرير سعر الصرف بمنح المصارف صلاحية تعديل أسعارها خلال اليوم وربط شراء حصائل الصادر بالعرض والطلب. السؤال المركزي: هل هذا تصحيح ضروري لتشوّه سعري تراكم عبر سنوات، أم أنه — في اقتصاد حرب تسيطر عليه قوى مسلحة وشبكات موازية — يفتح قناة إضافية لإعادة إنتاج اقتصاد الحرب؟ الإجابة تمييز بين تشخيص المنشور للخلل السعري وبين مخاطر بيئة تطبيقه، لا تناقض بين احتمالين.
أولاً: ماذا يغيّر المنشور، وأين حدوده؟
ألغى المنشور تعميم 14 يناير 2026 وتعميمي 11 و12 أغسطس اللذين أحدثا تخبطاً تنظيمياً بتمييزهما بين حصائل ممولة من البنوك وأخرى ممولة من المصدّرين مباشرة — وهو تمييز ألغاه المنشور الجديد. سمح المنشور للمصارف بتعديل أسعارها في أي وقت خلال اليوم (بعد إعلانها في لوحة الأسعار)، وبشراء حصائل الصادر وفق أسعارها المعلنة وقوى العرض والطلب، مع إلزام المصرف الرافض للشراء بالرجوع إلى الإدارة العامة للأسواق المالية للتنسيق.
هذا انتقال من التسعير الإداري إلى تسعير أكثر مرونة، لا تعويم حر كامل؛ فالبنك المركزي يحتفظ بدوره عبر التنسيق الإلزامي عند الرفض، وعبر أدوات السيولة والاحتياطيات وتنظيم التحويلات.
وتجدر هنا التفرقة بين مفهومين قد يُخلط بينهما: «تحرير سعر الصرف» يعني السماح بتحديد السعر وفق قوى العرض والطلب، وهو ما يحققه هذا المنشور. أما «تحرير سوق النقد الأجنبي» فمفهوم أوسع يستلزم قيام سوق فعّالة بسيولة كافية ومنافسة حقيقية وآليات تسوية سليمة ورقابة متكاملة، وهو ما لا يزال دون الاكتمال.
المنشور يحقق تقدماً في الجانب الأول، لكنه لا يكفي وحده لإكمال الثاني؛ ففي اقتصاد الحرب قد يكشف تحرير السعر الاختلالات القائمة بدلاً من معالجتها تلقائياً، وتقليص الفجوة المستدام يتطلب زيادة فعلية في عرض النقد الأجنبي لا مجرد تعديل السعر المعلن.
ثانياً: حصائل الصادر — تصحيح الحافز وحدوده
يعالج السماح للمصارف بشراء حصائل الصادر وفق أسعارها المعلنة تشوّهاً حقيقياً: إلزام المصدّر ببيع حصيلته بسعر أقل من قيمتها الفعلية، ما كان يدفعه للاحتفاظ بها خارج الجهاز المصرفي ويوسّع الفجوة بين السوقين ويُضعف قدرة الدولة على تتبع التدفقات. لكن تصحيح السعر وحده لا يضمن عودة الحصائل؛ فالمصدّر يحتاج أيضاً إلى ثقة في استخدام أرصدته، وسرعة تسوية، واستقرار قواعد، ووضوح التزامات ضريبية وجمركية.
أما آلية الرجوع إلى البنك المركزي عند رفض الشراء، فتمنع تعطيل المصدّرين، لكن نجاحها مرهون بسرعة الاستجابة ووضوح المعايير. والأهم أنها يجب أن تميّز بوضوح بين حالتين مختلفتين جوهرياً: رفض تجاري أو سيولي يُعالَج بالتنسيق بين المصارف أو مع المركزي، ورفض رقابي أو قانوني متعلق بمصدر الأموال أو العقوبات أو المستندات لا يجوز تجاوزه بالتنسيق الإداري بحال.
فـ«ضمان انسياب شراء الحصائل» يجب ألا يتقدّم على متطلبات مكافحة غسل الأموال والتحقق من مصدر الموارد.
ثالثاً: الأثر الاقتصادي — المصارف، التضخم، الذهب، الاحتياطيات
- المصارف: يمنحها المنشور دوراً أكبر في صناعة السوق، يستلزم تطوير قدراتها في إدارة مخاطر الصرف والسيولة والتسوية ومكافحة غسل الأموال؛ وحرية التسعير خلال اليوم قد ترفع المنافسة لكنها قد تخلق تقلبات ونزاعات تسعير وفرص مراجحة إن لم تُضبط بقواعد داخلية واضحة.
- التضخم: إذا خفض السعر المصرفي قيمة الجنيه ترتفع تكلفة الواردات والغذاء والدواء والوقود؛ لكن إذا جذب السعر الواقعي الحصائل والتحويلات إلى المصارف فقد تنخفض علاوة السوق الموازي تدريجياً. الأثر الصافي غير تلقائي ويتوقف على ضبط السيولة المحلية وتمويل العجز والمعروض السلعي. والأثر لن يكون متساوياً بين المواطنين: حائزو الدولار والذهب يحمون ثرواتهم، بينما يتحمل أصحاب الأجور والمعاشات بالجنيه الخسارة كاملة — أي احتمال لإعادة توزيع الثروة.
- الذهب والصادرات: قد يرفع المنشور جاذبية التصدير الرسمي، لكن عودة الحصائل تتطلب أيضاً توحيد الإجراءات وتقليص الرسوم وأمن مناطق الإنتاج وخدمات مصرفية للمعدّنين. والذهب تحديداً مرتفع القيمة سهل النقل يصعب تتبعه بعد صهره؛ فتحرير شرائه دون نظام تتبع صارم للمصدر والمستفيد الحقيقي قد يزيد قدرة شبكات الحرب على تحويله لنقد أجنبي — والخطر ليس في الشراء الرسمي بحد ذاته، بل في أن يصبح المصرف آخر حلقة شرعية في سلسلة بدأت بالنهب أو التهريب.
- الاحتياطيات والمالية العامة: زيادة مشتريات المصارف من الحصائل لا تعني بالضرورة زيادة صافي احتياطيات المركزي، إذ قد تُستخدم لتمويل واردات أو تسوية التزامات خارجية. وإن دخلت العائدات حسابات خاصة دون آلية لتحويل جزء منها للخزانة، فقد يوسّع التحرير عجز الموازنة وحاجتها للإصدار النقدي — أي يتحرر سعر الصرف بينما تظل المالية العامة تعمل بمنطق تمويل الحرب.
رابعاً: لماذا يمثل خطراً خاصاً في اقتصاد الحرب السوداني؟
المنشور يفترض سوقاً تنتج سعراً تنافسياً عبر العرض والطلب، لكن في السودان لا يعمل العرض والطلب في فراغ؛ فجزء كبير من الموارد يمر عبر شبكات غير رسمية. لذلك قد لا يكون السعر الناتج سعر سوق تنافسية، بل سعراً تهيمن عليه القوة العسكرية وشبكات التهريب والشركات المرتبطة بأطراف الحرب. - تعويم تحت سيطرة الحرب: قد يوزَّع النقد الأجنبي وفق القدرة على السيطرة والإكراه لا الكفاءة الاقتصادية، فيمنح التحرير الاقتصاد الموازي اعترافاً غير مباشر بدل إزالته.
- شرعنة عائدات قد تكون غير مشروعة: شراء الحصيلة بسعر السوق لا يثبت أن مصدرها مشروع؛ فسؤال «ما سعر الحصيلة؟» يختلف عن سؤال «من أين جاءت ومن يملكها؟» — والمنشور يجيب عن الأول لا الثاني، ما قد يحوّل المصارف إلى قناة لتبييض العائدات ولاحقاً لتمويل الوقود والإمداد العسكري وأجور المقاتلين.
- تعزيز الاقتصاد الموازي بدل تفكيكه: إن بقي عرض النقد الأجنبي الرسمي محدوداً، فقد يتخذ السوق الموازي أشكالاً أكثر تنظيماً (حسابات خارجية، تسوية بالذهب، منصات رقمية) بدل أن يختفي.
- تسعير احتكاري وفجوة جغرافية: قد تخلق حرية التسعير فروقاً كبيرة بين المصارف والمناطق (كما ظهر فعلاً بين 6,200 جنيه في الخرطوم و4,600 في نيالا)، وتركّزاً للسوق في يد القادرين على الوصول للنقد الأجنبي — بما يمنح المؤسسات العسكرية الموازية قدرة أكبر على تمويل نفسها خارج الموازنة العامة.
خامساً: شروط جعل التحرير إصلاحاً لا قناة لاقتصاد الحرب
حتى يكون المنشور جزءاً من إصلاح حقيقي، ينبغي أن يقترن بأربعة مسارات متزامنة: تحرير السعر مع مراقبة فروق الشراء والبيع ونشر مؤشرات السوق؛ تحرير الموارد من الاحتكار عبر إخضاع الشركات المرتبطة بالمؤسسات العسكرية للرقابة وتوحيد قنوات تصدير الذهب؛ حماية النظام المصرفي عبر فحص المستفيد الحقيقي وتتبع مصدر الذهب ومنع شراء حصائل مجهولة المصدر؛ وحماية المجتمع والمالية العامة عبر ضبط التمويل التضخمي للعجز وتوجيه جزء من الحصائل للاحتياطيات ونشر حسابات دورية عن استخدام النقد الأجنبي.
الموقف الختامي
تحرير سعر الصرف مطلوب كهدف ومبدأ، لكن تطبيقه الآن بصورته المطلقة وغير المشروطة — في ظل الحرب وهيمنة الاقتصاد العسكري الموازي — غير مؤيَّد. الموقف الأدق: مع تحرير منضبط ومؤجَّل الاكتمال الكامل، وضد التعويم الفوري المفتوح الذي يحرّر السعر ولا يحرّر الموارد من قبضة الحرب. فالإبقاء على السعر الإداري المنفصل عن الواقع ليس بديلاً؛ لكن البديل ليس القفز إلى تعويم كامل، بل تحرير مشروط يجمع بين مرونة السعر والسيطرة على الموارد.
وبإيجاز، نؤيد كمبدأ مرونة سعر الصرف، لكننا لا نؤيد التعويم الفوري الكامل. نؤيد تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، ونؤيد شراء حصائل الصادر بسعر أقرب إلى سعر السوق شريطة التحقق من مصدرها. في المقابل، نرفض شراء الذهب والسلع مجهولة المصدر، كما نرفض إلزام المصارف بالشراء دون فحص قانوني مسبق. ونعتبر تحرير السعر قبل ضبط أسواق السلع الأساسية خطوة عالية الخطورة، بينما نؤيد تحرير السعر متى جاء ضمن برنامج متكامل للرقابة والإنتاج والحماية الاجتماعية.
الحكم النهائي: منشور (2026/16) ليس إصلاحاً خاطئاً في جوهره؛ فهو يعالج خللاً حقيقياً سببه التسعير الإداري وفجوة السعر. لكن الخطر أن يُطبَّق باعتباره سياسة نقدية منفصلة عن واقع الحرب. فالترتيب السليم أن يتزامن تحرير الصرف مع تفكيك اقتصاد الحرب، وإخضاع الشركات العسكرية للرقابة، وتتبع الذهب، وضمان دخول الحصائل إلى موازنة الدولة والاحتياطيات لا إلى شبكات تمويل الصراع. النتيجة النهائية: تحرير مشروط يخدم الدولة والإنتاج، لا تعويم مطلق يخدم الاقتصاد العسكري الموازي.
