تداعيات الحرب وتحديات التمكين
النيل الأبيض تستشرف آفاق التنمية في اليوم العالمي للحد من الفقر
بقلم – صديق السيد البشير
siddigelbashir3@gmail.com
واقع أليم تحت هجير الحرب
تحت هجير حربٍ مشتعلةٍ في السودان منذ نحو أربع سنواتٍ عجاف، أفرزت الأزمة الملايين من النازحين واللاجئين والمتشردين، فضلاً عن تفاقم البطالة والفقر المدقع؛ فتراجع الغني إلى دائر الفقر، وازداد الفقير فقراً، ناهيك عن معانات المرضى والجرحى وفقدان الأرواح. هذا الواقع المأساوي يتطلب تحركاتٍ عاجلة لمداواة الندوب التي أثقلت كاهل أغلب السودانيين، ولا سيما الفئات الأكثر هشاشة من الفقراء والمساكين والأيتام والأرامل والعجزة.
مؤشرات قاسية وأرقام صادمة
تشير الحقائق والأرقام المبذولة على المنصات الرقمية إلى وصول نسبة الفقر في السودان إلى 73% (لتشمل المواطنين داخل البلاد وخارجها)، وذلك نتيجة التداعيات الكارثية للحرب المستمرة وتدمير البنى الاقتصادية وسبل العيش. وتتوافق هذه المؤشرات مع تقارير المؤسسات الدولية_مثل البنك الدولي ومنظمات الأمم المتحدة الإنسانية_التي أكدت انزلاق ملايين السودانيين تحت خط الفقر المدقع، وتجاوز أعداد المتأثرين نسباً حرجة للغاية مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.
ضغط النزوح وتفاقم الحرمان
بحسب مسح الفقر متعدد الأبعاد الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء، أظهرت المسوح الوطنية الشاملة أن ولاية النيل الأبيض (إلى جانب ولايات مثل نهر النيل، الجزيرة، سنار، والبحر الأحمر) تسجل عادة مستويات تُصنف ضمن المتوسطة إلى المرتفعة نسبياً مقارنة بالولايات الأكثر حرماناً في أطراف البلاد، إلا أنها تأثرت بشكل بالغ ومباشر بالتبعات الاقتصادية للحرب.
الضغط السكاني وتأثير النزوح
استقبلت ولاية النيل الأبيض عبر مدنها الرئيسية (كوستي، ربك، الدويم، والجبلين) أعداداً هائلة من النازحين منذ أبريل 2023م، مما فرض ضغطاً غير مسبوق على البنى التحتية، فرص العمل، والخدمات الأساسية (كالصحة والتعليم ومياه الشرب). وأدى ذلك إلى قفز معدلات الفقر الفعلي والحرمان المعيشي بين السكان المحليين والنازحين على حد سواء، لتتجاوز التقديرات السابقة بكثير وتتماشى مع التصريحات القومية التي تشير إلى وصول معدلات الفقر العامة في البلاد إلى مستويات حرجة تتراوح بين 73% و83% بحسب المعايير المستخدمة.
تخطيط استراتيجي وإحداث أثر
يأتي الاحتفال باليوم العالمي للحد من الفقر بهدف إعادة قراءة المؤشرات فاحصاً في ظل ارتفاع نسب الفقر يوماً بعد يوم. وفي هذا السياق، يجتهد قطاع التنمية الاجتماعية بوزارة الصحة والتنمية الاجتماعية بولاية النيل الأبيض في حشد الطاقات الخلاقة وإحداث إختراقات عملية من خلال إجراء بحوث ودراسات بناءة تكشف المشكلات وتبرز التوصيات لتكون قاعدة بيانات تمهد لوضع استراتيجيات استشرافية تُمكّن صانعي القرار من إحداث التغيير المنشود.
باحة التنمية الاجتماعية .. الفن والتكافل في حزمة واحدة
في صباح السبت (الأخضر)، السابع عشر من أكتوبر 2026م، تزينت باحة قطاع التنمية الاجتماعية بالولاية بالأعلام والمختصين في الشؤون الاجتماعية والمهتمين بقضايا الفقر إحياءً لهذه المناسبة. وشملت الفعاليات كلمات رسمية وتكريماً لنماذج من المساهمين في حقل الرعاية الاجتماعية، إلى جانب تقديم دعم نقدي وعيني لأسر الشهداء والشرائح الضعيفة.
كما تخللت اليوم فقرات غنائية بصوت الفنانة إيمان توفيق، تنوعت بين الأغنيات الوطنية والتراث السوداني الأصيل، وقدمت مجموعة “الهزيم” للفنون الأدائية عملاً مسرحياً ناقش القضايا الاجتماعية وآثار الفقر وسبل الحد منه عبر المشروعات التنموية. وشهد الاحتفال مشاركة مميزة للأديب محمد عثمان الحلاج (من ولاية شمال كردفان)، حيث قدم جرعات معرفية شملت حكايات من التراث الشعبي وملامح مضيئة من المجتمع السوداني تروّج لقيم المحبة والتسامح والتكافل.
تحول استراتيجي من الإغاثة إلى الإنتاج
أكد مدير إدارة خفض الفقر بقطاع التنمية الاجتماعية بالولاية، الأستاذ صديق الأمين، في كلمته أن “قضية الفقر تأتي في مقدمة أولويات حكومة ولاية النيل الأبيض”. وأوضح أن الولاية تمضي نحو الانتقال من مرحلة الاستجابة للاحتياجات الأساسية إلى مرحلة الاعتماد على تنويع مصادر الدخل عبر مشروعات في القطاعين الزراعي والصناعي بالتنسيق مع الجهات ذات الصلة.
وأضاف أن الرعاية الاجتماعية تبذل جهوداً مقدرة في حماية الفئات الأكثر هشاشة وتعزيز قدراتهم، إلى جانب التمكين الاقتصادي للمرأة عبر دعم مشروعات المرأة المنتجة، مشيراً إلى تقديم دعم لأكثر من 9 آلاف أسرة خلال العام 2024م، مع السعي لزيادة هذا العدد في الفترة القادمة.
ديوان الزكاة .. حزمة مشروعات بـ 15 مليون جنيه
من جانبه، أعلن الأمين العام لديوان الزكاة بولاية النيل الأبيض، الدكتور محمد يعقوب الغزالي، عن تقديم الديوان دعماً بقيمة 15 مليون جنيه لصالح نحو 15 ألف أسرة عبر حزمة من المشروعات الإنتاجية، مؤكداً استمرار الديوان في دعم برامج الحد من الفقر بالتنسيق مع كل الجهات ذات الصلة بالولاية.
إعلاء قيمة الوقف والتكافل
في كلمته خلال المناسبة، دعا مدير قطاع التنمية الاجتماعية بوزارة الصحة والتنمية الاجتماعية بالولاية، الدكتور محمد بابكر بردسول، إلى إعلاء قيم التكافل والتراحم وتفعيل “سنة الوقف” لدورها المباشر في دعم برامج ومشاريع خفض الفقر. واستعاد بردسول صفحات مضيئة من سجل التكافل وفعل الخير الذي سطره أبناء مدينة كوستي ومدن الولاية المختلفة بوهب أموالهم وممتلكاتهم لصالح الفقراء والمحتاجين في مجالات الصحة والتعليم.
آليات مشتركة وحماية اجتماعية مستدامة
تحت شعار العام: “معاً من أجل تعزيز الحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي المستدام”(1)، أكد وزير الصحة والتنمية الاجتماعية والممثل لوالي الولاية، الدكتور الزين سعد آدم، أن المناسبة ليست مجرد احتفال عابر، بل هي وقفة للبحث عن آليات عملية للحد من الفقر عبر تنسيق الجهود بين مختلف المؤسسات مثل ديوان الزكاة، ومصرف الإدخار والتنمية الاجتماعية، ومنظمات المجتمع المدني. ودعا الوزير إلى التركيز على تمليك المشروعات الإنتاجية وتدريب المستفيدين على إدارتها لضمان استدامتها.
إبداع المرأة المنتجة .. تجارب تصنع الأمل
خصص قطاع التنمية الاجتماعية مساحة مميزة في المعرض المصاحب للمرأة المنتجة لعرض منتجات غذائية ومستهلكات وعطور ومشغولات يدوية عُرضت بأسلوب جاذب لفت انتباه الحاضرين.
وأوضحت ممثلة سيدات الأعمال بالمعرض، الأستاذة منى عثمان، في تصريح خاص أن المعرض يضم نخبة من النساء اللاتي بدأن بمشروعات صغيرة ثم عملن على تطوير مهاراتهن حتى أصبحن رائدات أعمال بارزات بالولاية، مستفيدات من الحرف البسيطة للخروج من دائرة الحاجة إلى آفاق الإنتاج والاعتماد على الذات.
وأشارت منى عثمان إلى التحديات التي تواجههن، وأبرزها تذبذب الأسعار وعدم استقرار السوق، مؤكدة حاجتهن للتدريب المتخصص وتوفير منافذ بيع وأسواق دائمة. وعن أبرز المنتجات المعروضة، أوضحت أنها تشمل: الحقائب والإكسسوارات اليدوية، والعطور السودانية الأصيلة والبخور والمخمريات، إلى جانب مستحضرات التجميل والصابون بمختلف أنواعه، إضافة للمنتجات التراثية والمخبوزات المحلية، فضلا عن أعمال الكروشيه الفنية الممزوجة بلمسات حديثة تعكس الهوية والتراث السوداني بأسلوب عصري.
نحو اقتلاع الفقر من جذوره
إن إحياء اليوم العالمي للحد من الفقر يبعث بسبيل تذكير دائم بأن الحلول المستدامة تكمن في تمكين المجتمعات عبر التعليم النوعي، وتوفير فرص العمل العادلة، ودعم المشروعات الناشئة، وتطوير شبكات الحماية الاجتماعية. وحين تتضافر جهود الأفراد والمؤسسات والحكومات لسد فجوات اللامساواة، ننتقل من مرحلة تخفيف ألم الفقر إلى اقتلاعه من جذوره، لتصبح العدالة الاجتماعية واقعاً معيشاً للجميع.
