جمال محمد ابراهيم
(1)
الحرب الدائرة أمام أنظار المجتمع الدولي ، هي حربٌ بين دولتين كبيرتين هما الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية في إيران، تعود أسبابها التاريخية لاختلاف في التوجُّهات السياسية بين الإثنين، ثم تصاعد الخلاف إلى صراع عسكري مدمِّر. الأخطر في هذا الصراع ، أن آثاره تعدَّت حال الدولتين ، وطالت أحوال العالم بأثره، مساسـاً ، ليس في السياسة وحدها، بل في السّلم والأمن الدوليين ، وفي الاقتصاد والاجتماع والثقافة والصحة والبيئة، وسواها مما يمسَّ الإنسان والحياة عموما.
فيما يتصاعد الصراع بين الدولتين، فإنَّ العالم يضطرب حولهما ، فتسارع أطرافُ بمساع لاحتـواء حالة حربٍ قد تفضي بالعالم إلى حربٍ عالمية ثالثة، لا يعرف أحد كيف ستكون نهايتها. المشهد الآن يتلخّص في غموض مطبق حول من يقود تلك الحرب ، التي تركت العالم واقفا على أخمص قدميه، أهُم مستشارو المرشد الأعلى الحاضرون، وهو غائب في إيران، أم الرئيس الأمريكي ومستشاروه غائبـون، وهو حاضر في البيت الأبيض ؟
(2)
إنّ لهيكل الرئاسة في طهران تركيبة معـقّـدة، بسبب تداخل الصلاحيات السيادية والتنفيذية والتشريعية والعسكرية، إذ للولي الفقيه صلاحيات الاشراف على الدولة ، ويشمل ذلك جميع السلطات ، ولكن هنالك مجلس للخبراء وله صلاحيات استشارية، لها رأي في اختيار “الولي الفقيه” وهو “المرشد الأعلى للثورة الإيرانية”. مثلما لها برلمان فاعل ، لها أيضاً جهازها القضائي المستقل. اما الجانب العسكري، فهو أكثر تعقيدا . “الباسـدران” هو الحرس الثوري بتشعّباته واختصاصاته وفيالـقه، هو المعني بحماية الثورة والدولة ، وله علاقاته وامتداداته الخارجيـة. أما “الباسـيج” فهي القوة الداخلية الضاربة، التي تحفظ الأمن والنظام في الداخل.
أما في جانب الولايات المتحدة ، فهنالك رئيس منتخب ولفترة رئاسية قابلة للتجديد مرة واحدة ، ويتولى مسئولية إدارة الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن برقابة برلمانية. غير أن الرئيس ترامب قد اختار ان ينفرد بالقرارات الرئيسية ، ولا يكاد يتابع الإعلاميون إلا شخص الرئيس ، وهو من يدير دفّـة الحكم، كما هو من يعلن القرارات السياسية والعسكرية والاقتصادية ، عبر تصريحات يطلقها بلسـانه.
لعل أوضح ما يلاحظه الإعلاميون ، أنهم يعوّلون على تصريحات الرئيس ، دون أدنى اهتمام بغيره من المسئولين ، بل وحتى مستشاريه وممثليه الذين اختارهم لمساعدته. هو “المايسترو” قائد الفرقـة و”الكومبارس” لا يظهر لهم دور.
لا يبدو في مشهد القيادة الأمريكية، إلا رئيس حاضر ينفرد بالقرارات ، دون مساعديه وممثليه ومستشاريه ، فيما مشهد القيادة الإيرانية في المقابل ، يتكون من مساعدين ومستشارين ، مدنيين وعسكريين ومرشد أعلى غائب.
إن هذين المشهدين المتناقضين، قد يفسرا ذلك الاستعصاء الذي يكتنف محاولات الوسطاء- دون جدوى- في تيسير إدارة جولات تفاوض ، تتعثَّر بين الفينة والأخرى..
(3)
فيما تابع المراقبون كيف استعان الرئيس ترامب في الشهور الأولى من ولايته، بمستشارين ساعدوه في معالجة الترهل الذي أزعجه في إدارات الأجهزة الأمريكية، ورأى ضرورة التخلص من ألاف الموظفين في وزارة الخارجية والأجهزة الأمنية والعديد من الوزارات الهامة، فإنَّ كلَّ ذلك بدا تمهيداً لازماً لتولي الرئيس الأمريكي منفرداً بإعلان القرارات الهامّـة بنفســه ، وليسَ عبر الوزراء المعينين لإدارة دواوين الحكومة.
ذلك مسلك من ساكن “البيت الأبيض”، لم يكن مرضياً لخصومه داخل البرلمان بغرفتيه . من حسن حظ الرئيس الجمهوري الحالي، أنَّ الأغلبية التي يتمتع بها الجمهوريون، قد ساعدته في مواجهاته مع معارضيه من الحزب الديمقراطي في غرفتي البرلمان. غير انَّ الانتخابات النصفية التي ستقلق منامه، هي الان على بعد أشهر قليلة ، وتلك انتخابات لـها ما بعـدها .
إن انفراد الرئيس الأمريكي باتخاذ أخطر القرارات ، خاصّة مغامراته الخارجية، مثل غزوه لفينزويلا واحتجاز رئيسها الشرعي حبيساً في الولايات المتحدة، ولا أحد يسمع شيئا عن مصيره منذ اقتياده من غرفة نومه، أو في تهديداته وتحرشه بدول قريبة وبعيدة، تعكس جميعها انقطاعاً مسلكياً لاقتاً ، عن التقاليد الرئاسية الأمريكية منـذ تأسيسها .
ثم ها نحن نتابع مسلسل تورّطه الماثل، وبتحريضٍ إسرائيلي ، في حرب ضد إيران، تركتْ الشرق الأوسط ودوله على سطح صفيحٍ ساخن، كما لن تترك الرئيس الأمريكي ينام هـانئـاً في “بيـتـه الأبيض” .
(4)
ها هو العالم يتابع مجريات تفاوضٍ كسيح بين مساعدين ومستشارين في طهران قائدهم الأعلى غائب، ورئيس أمريكي حاضر، لا يعرف أحد إنْ كان يستمع لتقارير لمستشاريه ومساعديه الغائبين. يطلق الرئيس الأمريكي تصريحاته في الفضائيات ، ويتلقاها المسئولين الإيرانيين ويردون عليها . لكأنَّ ما يدور هو نوع من التفاوض الإسفيري غير المباشر، حتى نائبه “فانس” والذي رعى التفاوض ذات مرحلة ، قد أقلقه إبداء أطراف إسرائيلية انتقادات لقبول الرئيس الأمريكي بمذكرة التفاهم مع إيران ، حول ما إذا كان ذلك التوافق قد يفضي إلى تحولٍ محتملٍ يهدد تماسك التحالف الإسرائيلي الأمريكي.
وفي حقيقة الأمر، أنَّ الإدارة الأمريكية تحت ترامب الان ، واقعة بين عدة نيران صديقة وغير صديقة . ليسَ أشــدّها تداعياتٌ اقتصادية حول مضيق “هرمز” فحسب، بل هنالك خشــية من الانتخابات النصفية القادمة ، إلى جانب ردود أفعالٍ من أطراف خارجية ، مثل الصين والهند والاتحاد الأوروبي، حول مواصلة حربٍ، تبعاتها كارثية على مستويات سياسية واقتصادية عـدة..
(5)
يقف المجتمع الدولي على أطراف أصابعه، فيما الأمم المتحدة – وهي في عجز ظاهر – يحسب أمينها العام الحالي أيامه تنقضي فيها، من قبل أن تنهار، ليسَ صلاحياتها وحدها ، بل وكالاتها وهياكلها وجـدوى وجودها من أسـاســه.
ويبقى سؤال الجغرافيا ماثلاً، حول مصائر الشرق الأوسط: أيّ خرائط سيعاد رسمها ، أيّ أحلافٍ ستزول، وأي أخرى ستبرز إثر الحروب والاضطرابات الدائرة في أنحاء العالم…؟
هل سيبقى الرجل الذي حسب نفسه أقوى أقوياء زمانه ، متماسكاً أم ان اختبار الانتخابات النصفية القادمة قد تبدل أحواله، وتلجـم رغباته الجامحة الأجهزة التشريعية في الدولة التي يدّعي أن شعبها انتخبه لكي يستعيد عزّتها ومجدها..؟
- أغسطس 2026
jamalim@yahoo.com
