كيف استطاع دونالد ترامب أن يفوز بولاية رئاسية ثانية، وأن يقنع ملايين الأمريكيين بالتصويت له رغم قوة المؤسسات الديمقراطية وحرية الصحافة ووفرة وسائل التحقق من المعلومات؟ وكيف استطاعت الأكاذيب أن تنتشر في مجتمع يفترض أن المجال العام فيه قائم على حرية الرأي والعقل النقدي؟
من منظور العقلانية التواصلية عند يورغن هابرماس، لا تكمن المشكلة ببساطة في أن الناس صدقوا أكاذيب ترامب، بل في أن شروط التواصل العقلاني نفسها أصبحت أكثر ضعفًا داخل المجال العام الأمريكي.
فالناخب لا يتخذ موقفه السياسي على أساس المعلومات وحدها. هناك خبرات حقيقية من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة والهجرة والشعور بتراجع المكانة الاجتماعية. وقد نجح ترامب في تحويل هذه المشكلات المعقدة إلى رواية بسيطة: هناك نخبة سرقت منكم أمريكا، وأنا وحدي قادر على استعادتها.
وهنا انتقل الخطاب السياسي من الحجة إلى الهوية. لم يعد السؤال: هل ما يقوله ترامب صحيح؟ بل أصبح: هل ترامب «واحد منا» أم يمثل «النخبة» التي لا نثق بها؟ وعندما تصبح الهوية معيارًا للحقيقة، فإن تصحيح المعلومة لا يكون كافيًا، لأن رفضها يصبح جزءًا من الدفاع عن الجماعة التي ينتمي إليها الفرد.
وهذه الآلية ليست قاصرة على المجتمع الأمريكي. ففي مجتمع مثل السودان، حيث لعب الدين تاريخيًا دورًا مهمًا في تشكيل الوعي العام، يمكن أن تتحول الهوية الدينية إلى أساس للفرز السياسي: نحن المسلمون في مواجهة هم، أي القوى السياسية التي يجري تصويرها باعتبارها غير مسلمة أو معادية للدين. وقد عبّر حسين خوجلي في وقت سابق عن هذا التصور حين تحدث عن «نحن» باعتبارها تمثل أكثر من تسعين بالمائة من المجتمع. وهنا تتحول الأغلبية الدينية إلى هوية سياسية، ويصبح الاختلاف السياسي وكأنه اختلاف في العقيدة والانتماء.
وفي الحالتين، لا تعود الحجة هي التي تحدد موقف الفرد، وإنما الانتماء الذي يحدد ما يقبله بوصفه حقيقة.
ولعل تجربة الديمقراطية الثالثة في السودان تقدم مثالًا آخر على هذه الظاهرة. فقد استطاعت صحيفتا الجبهة الإسلامية، «الراية» و«ألوان»، أن تكونا من أكثر الصحف انتشارًا، رغم ما اتسم به خطابهما من كذب وبذاءة وعنف لفظي، وهي خصائص لم تكن تميزهما بالقدر نفسه عن بقية الصحف. وهذا يكشف أن انتشار الخطاب لا يتوقف بالضرورة على قيمته المعرفية أو عقلانيته، وإنما قد يرتبط بقدرته على مخاطبة الهوية والانفعال وتحديد «نحن» و«هم».
وتزداد المشكلة مع وسائل التواصل الاجتماعي، التي لا تكافئ بالضرورة أكثر الحجج عقلانية، وإنما ما يثير الانتباه والغضب والخوف. وهكذا تتكون مجالات عامة متوازية، يعيش كل منها داخل مصادره الإعلامية وتفسيراته الخاصة للواقع.
لذلك لا ينبغي تفسير نجاح ترامب بأن ملايين الأمريكيين أغبياء أو أنهم صدقوا كل أكاذيبه. كثيرون صوتوا له احتجاجًا على أوضاع حقيقية أو رفضًا للنخب والمؤسسات التقليدية. لقد استطاع أن يحول الاستياء الواقعي إلى سردية سياسية وهوية جماعية.
ومن منظور هابرماس، تكمن الأزمة الأعمق في أن الديمقراطية لا تحتاج فقط إلى حرية التعبير، بل تحتاج أيضًا إلى مجال عام يستطيع فيه المواطنون أن يلتقوا بوصفهم متساوين، وأن يتفقوا على وقائع مشتركة، وأن يقبلوا بإمكانية تغيير مواقفهم بالحجة.
وهذا الشرط أصبح أكثر ضعفًا في عصر الاستقطاب السياسي والخوارزميات ووسائل التواصل الاجتماعي. لذلك فإن مواجهة الشعبوية لا تكون بمجرد كشف الأكاذيب، وإنما بإعادة بناء الثقة والمجال العام، وإعادة الاعتبار للحوار والحجة والحقائق المشتركة.
فأزمة الديمقراطية المعاصرة ليست أن الناس فقدوا حقهم في الكلام، وإنما أنهم بدأوا يفقدون القدرة على التواصل مع بعضهم باعتبارهم مواطنين متساوين. وهذه، من منظور العقلانية التواصلية، هي البيئة التي تجعل خطاب ترامب ممكنًا وقادرًا على الانتشار.
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
