فجأة، وبدون مقدمات، أو سابق إنذار، ظهرت كمحللة سياسية مستنيرة، تربعّت على السوشل ميديا، جلست بت جالس على قلوب الناس التي تبحث عن الكلام “المقّعد”، والطرح الرزين، والنقاش الهادئ، غير مبالية بسفاسف الأمور، وغير مغالية في تناولها، وليست آبهة بالذين يتعمدون استفزازها، حيّرت جميع دهاقنة العنصرية، واعادت الاعتبار للذين يعانون من عقدة الدونية، وأدهشت الوسط السياسي والإجتماعي، ببرود أعصابها، ونضوج عقلها رغم نضارة شبابها، وثقتها الصلبة بنفسها، وكأنها أخت المسيح تلكم الناس “في المهد وكهلا” ذلك أنها ظهرت من اللامكان، وتخرجت في اللامدرسة وبلا انتماء لحركة فكرية معروفة أو تنظيم ثوري تفرخ الكوادر على مهل!
القليلون الذين يدركون، من هي، ومن تكون، ومن تمثل، ومن ورائها، على المستوى الأسري، والتنظيمي، لغز فكري، ودهشة أنثوية، حلّت على الساحة، في توقيت مفصلي، وتوهطت المشهد، وتبدو أنها باقية دون سبق إنذار وترصد، ترتب أشيائها علناً على أستديوهات السوشيال ميديا، ترتيب من حضرت لتبقى، وكأنها ست البيت، أو صاحبة الدار، شيدت قصرها الفكري الباذج، بسرية مدهشة، وأثثتها بذوق رفيع، وزخرفتها بلوحات حوارية فارهة.
تدرك ماذا تقول، ولمن تقول، ومتى تقول، أجندتها مرصودة، وأولوياتها مرتبة،
ميريم، من عمق الجبال، أعادت للأذهان عناد البطلة رابحة الكنانية، وجسارة الأميرة مندي بت السلطان عجبنا تستحق أن يعزف لها “مارشال مندي” ليس من آلات جيش البازنقر الغاشم، وأنما من نقارة الجبال، على إيقاع الكرنق ورقصة ثوار التحرير الأشاوس، وبكافة الإيقاعات، المردوم، والكدنداية، والفرنقبية والدليب والوازاغ والتُم تُم والجراري. لم لا؟ وهي قومية المزاج، عسلية العينين، سودانوية الهوى، حادة البصر، وعميقة البصيرة.
جلست الكنداكة بت جالس على استديوهات السوشل ميديا، لتعيد هندسة الوعي بحقيقة الشخصية السودانية كما هي، وكما ينبغي، بعيداً عن التشويش الممنهج لأكثر من قرن، وتعبث بمعايير الجمال المظهري والفكري، وتفرز الخلط المدروس لمعاني الأصالة، ومقاييس الإعتبار للأنثى، تربك ما كان يعبر مسلماً به، من تفوق طبقي متوهم، وسمو إجتماعي مزيف. برهنت في وقت وجيز، أن الجميع أبناء تسعة، وليس هنالك سوداني، أمه غزال، وليس بمقدور أحد أن يحتكر الفهم، أو أن يسطر على المزاج الجمالي العام، أو أن يكيف معايير الأنوثة، أو أن يضع لها أسقف فكرية أو وظيفية.
عسكت الميريم الشابة بت جالس، بكل هدوء ما معنى أن نتواضع، وما مردود أن نتسامى فوق جراحات الماضي، وبرهنت ضرورة أن “يبرد” العتاة ويستسلم الطغاة، لقدرية التحول السياسي، والتصحيح الإجتماعي، وحتمية زوال عهد الإستعلاء الإجتماعي والتميز الجهوي، وهضم حقوق الآخرين بالباطل، وهي تتحسر على الأرواح التي تزهق “سمبلا”، والدم السوداني المراق بغباء، من طرفي الحرب، وتتأسف على أخوتها الذين يعينون الجلاد الغاشم في التنكيل بأهلهم في بلاهة مزرية، وبلادة تثير الشقفة.
لا نظن بمقدور أحد أن يقفز فوق كارزمة بت جالس ووعيها الموسوعي بحال العباد، ومطلوبات البلاد، وبلا شك لن يفكر أحد في تخطيها فكرياً، ولن يجرب كان من كان الهظار معها بعنصرية سمجة، وبكل تأكيد لن يتناطح معها أشطر أو أشتر سياسي حول وجهة البلاد المستقبلية.
التحية “للجبال” الشوامخ، أن أهدت الأمة السودانية، المريم تسنيم بت جالس، والفيلسوف المتمكن أبكر آدم إسماعيل.
//إبراهيم سليمان//
أقلام متحّدة
ebraheemsu@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم