بقلم: مرتضى القسم عوض الكريم
أعظم التحديات التي يواجهها المجتمع السوداني اليوم ليست اقتصادية ولا سياسية فحسب، بل تكمن في ثقافة العمل والوعي الجمعي. ومن أخطر تلك التحديات قضية “تضخم الذات”.
ويتضاعف الخطر ويستفحل حين تصيب هذه الظاهرة من هم في مواقع المسؤولية وصناعة القرار. فباعتبار أن النخبة هي جزء من عقل الأمة وضميرها ومهندس نهضتها، فإن غياب ثقافة العمل الجماعي وتقديم “الأنا” على “الوطن” يؤدي إلى تعطيل المبادرات وتهميش الجهود القائمة.
وهل يوجد أثر سالب؟ نعم. إنه تعطيل وتهميش كل عمل قائم، ووأد أي مشروع نهضوي في مهده. وسببه المباشر هو تضخم “الأنا” حتى تصبح صنماً يُقدم على المصلحة العامة.
فبعض من تقلدوا مناصب سابقة قد يجدون صعوبة في العمل ضمن فريق إلا في موقع القيادة. ولا يقبلون بأدوار مساندة في مشروع بناء. بل يلتحقون بالركب بشروط وتعقيدات، كأنهم يمنون على الوطن بخدمتهم.
وكذلك قد تظهر ممارسات فردية في بعض الأجهزة النظامية – إلا من رحم الله – تتسم بالفوقية وعدم احترام المواطن، مما يضعف الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع.
أما في الواجهات الخدمية كالشرطة والمحليات فتتجلى المشكلة بوضوح. فالسلطة الجزئية الممنوحة لموظف بلا رقابة صارمة ولا محاسبة قد تصنع سلوكاً متسلطاً.
نجد في بعض مكاتب المحليات تعقيداً للإجراءات وابتزازاً للمواطن البسيط تحت مسمى “الرسوم”.
ونجد في بعض نقاط المرور ممارسات فردية من صراخ وتعامل فظ وتجاوزات لا تمثل المؤسسة.
حين يتحول الموظف إلى سلطة مطلقة في موقعه الصغير، يشعر المواطن أنه متسول لا صاحب حق.
وتضخم الذات هنا ليس ناتج علم ولا إنجاز، بل ناتج زي رسمي وكرسي وختم.
هؤلاء هم الواجهة اليومية للدولة، فإذا فسدت المعاملة انهارت هيبة الدولة.
لذلك إصلاح هذه الواجهات هو جزء أصيل من إصلاح الدولة.
وفي الوسط الطبي تتجلى المأساة بصورة مؤلمة. فالطبيب الذي يفترض أن يكون ملاك رحمة، قد يتحول عند البعض إلى تاجر أزمات.
نجد من يتعامل مع المريض كرقم في كشف، لا كإنسان يتألم. كلمة طيبة مفقودة، وابتسامة مواساة غائبة، والمعاملة فظة كأن المريض يتسول العلاج.
الأخطر أن تتحول العيادة إلى سوق، والمستشفى إلى “دكان” خاص، فيُحول المريض بين 3 مراكز أشعة و2 معمل تخصه هو، دون مراعاة لفقره.
هنا لم يعد الأمر نقص خبرة، بل تضخم “أنا” مغلف بلباس المهنة.
العلم الذي كان من المفترض أن يكون رسالة إنسانية، صار شهادة استعلاء.
يصرخ المريض فلا مجيب، ويستغيث فلا رحمة، لأن “الأنا” المتضخمة لا ترى إلا نفسها.
أي مجتمع هذا الذي ينهار فيه ميزان الرحمة على باب المستشفى؟
إن مهنة الطب هي امتحان للإنسانية قبل أن تكون امتحاناً للعلم. فإذا سقط البعض في امتحان الرحمة، سقطت معه هيبة المهنة.
وينطبق الأمر على أساتذة الجامعات وبعض النخب. نجد من نعترف له بالعلم والتحصيل، لكنه يصاب بالعجب فيرى في علمه مبرراً للاستعلاء على الطالب، ويحول القاعة إلى مملكة خاصة. وكأن الشهادة صارت شهادة ألوهية لا أداة خدمة.
هنا يصرخ السؤال: ما مصادر تضخم الذات في النفس؟ وكيف نعالج هذه الظاهرة؟
لا شك أن الحديث ذو شجون، ولكن لا مفر من التشريح، فنحن بحاجة ماسة لاستئصال هذه الظاهرة التي تقف حائلاً أمام نهضتنا.
مصادر تضخم الذات
ثقافة التطبيل والمدح المفرط
من قبل المطبلين وماسحي الجوخ، وهذا يجعل الشخص يصدق أنه كامل. وقد أصاب مالك بن نبي كبد الحقيقة حين قال: “إن الاستعمار لم يغزنا عسكرياً فقط، بل غزانا فكرياً فصنع لنا نخبة معزولة عن شعبها، مهمتها التصفيق لا البناء”. فالتطبيل هو مخدر يعزل النخبة عن واقعها.
السلطة والمال والمنصب
المنصب تكليف قبل أن يكون تشريفاً. ولكن حين يُفهم على أنه امتياز شخصي، فإنه يغذي الإحساس بالتميز والتعالي.
الجهل المركب
قليل العلم يظن أنه وصل النهاية. وهنا يلتقي كلام علي شريعتي: “إن أخطر أنواع الجهل هو جهل المتعلم، لأنه يلبس جهله لباس العلم”.
علاج هذه الظاهرة
تفعيل معايير المحاسبة والشفافية
لا علاج دون رادع. لابد من وضع معايير صارمة لمحاسبة المقصرين، ووجود قضاء مستقل وأخلاق عامة تحكم العمل العام.
ترسيخ ثقافة النقد البناء
نحتاج إلى مجتمع يقول الحق. فـ “المؤمن مرآة أخيه”.
العودة إلى ثقافة الخدمة
التواضع العملي يكسر الكبر. “سيد القوم خادمهم”. فالعمل وسط الناس ينزل “الأنا” من برجها العاجي.
محاسبة النفس وتذكر الأصل
راجع نفسك يومياً. اسأل: ماذا قدمت؟ ولمن كان الفضل؟ من عرف أصله المتواضع، عرف قدره الحقي.
يقول مالك بن نبي: “لا نهضة لأمة ما لم تنهض بأفكارها أولاً”. وتضخم الذات هو مظهر من مظاهر “القابلية للاستعمار” و “العجز الحضاري”، لأنه يحول الإنسان من منتج للأفكار إلى مستهلك للتصفيق.
ويقول علي شريعتي: “العودة إلى الذات لا تعني عبادة الذات”.
وإذا أردنا دولة بحق، فلا بد أن نبدأ أولاً بتهذيب “الأنا” التي بداخلنا. فقبل أن نبني الوطن، لنهدم في أنفسنا ثقافة الاستعلاء.
murtadaasgad@gmail.com
