بقلم: السر جميل
ننهك أرواحنا في زحام المساعي، ونطوي النهار تلو النهار في ركض لا يهدأ، نستبق الرزق، ونطارد الأحلام، ونغالب لغوا من العيش يأخذ من أعمارنا جذوة الفتوة ويترك في وجوهنا تجاعيد السهر. في غمرة هذا الشقاء اليومي، يخطر للقلب المكلوم سؤال يقطر شجنا لماذا نحن شقيانون وجارون في هذه الحياة؟ أهي كبد كتب علينا أن نمضي فيه طائعين أم أن في عمق التعب سرا ينتظر أن نفهمه؟
الحقيقة التي تبكي العين وتبهج الروح في آن واحد، هي أن الحياة لم تخلق لتكون المنتهى، بل المعبر، وأن الشقاء ليس عقوبة قدرية، بل هو شعور يعرض للإنسان حين يضل عن أوهاد السكينة وينسى المرافئ التي جعلها الله جنة معجولة لمن أراد النجاة. إننا نركض كي لا نسقط، ونشقى لنستعذب الراحة، لكن المأساة تبدأ حين يصبح الركض هو الغاية، وتغيب البوصلة العلية عن أعيننا.
غير أن أملا يبزغ من قلب الكمد كالفجر، أملا يحمله الدليل المعصوم في كتاب الله، ليخبرنا أن للشقاء أبوابا تغلق، وللسعادة مفاتيح تفتح، إذا ما علمنا أين نضع أقدامنا وسط هذا الضجيج.
أول تلك المرافئ وأعظمها جوارا، هو قلب الأم، ذاك النبع الذي لا يجف. لا يجتمع الشقاء مع حنو الوالدة والوقوف بباب رضاها، وكيف يشقى من كان في دعواتها حرز مكين؟ يتجلى هذا المعنى الملكوتي في أبهى صوره في سورة مريم، حين قال عيسى عليه السلام في المهد معلنا منهج حياته: “وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا”. إن البر براءة من الشقاء، وحين تبر أمك، فإنك تزرع تحت أقدامها نسيما يبل غليل التعب الكائن في يومك.
ثم يأتي المفزع الثاني في ظلمات كبدنا أن نرفع أيدينا للسماء. الإلحاح في الدعاء، والتبتل بين يدي المولى نفي صريح للخيبة والرجاء الخائب. لقد صاغها نبي الله زكريا عليه السلام بيقين يملؤه الشجن الصادق حين قال: “ولم أكن بدعائك رب شقيا”. باب الله هو الباب الوحيد الذي إذا وقفت أمامه كسيرا، خرجت منه مجبورا، فلا يشقى عبد يحسن الظن بربه ويلح في طلبه.
ومن أراد النور الجلي الذي يصدع ظلام هذه الحياة ومقاشقها، فليعد إلى القرآن الكريم. إنه ليس كتاب كمد أو أعباء، بل هو سكينة الأرواح الشاردة، ورسالة الأمان الأبدية. قال تعالى لنبيه الكريم: “ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى”. تلاوة هذا الكتاب والتدبر في آياته والمشي بهداه هي التي تنتزع الحزن من جذوره، وتسكب الطمأنينة في قلب العبد المكروب، ليعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه.
ويكتمل العقد حين يدرك السالك أن الحياة مسار وطريق يحتاج له خريطة عبور. هنا يأتي الوعد الإلهي الذي يحمل بشرى الأمان: “فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى”. إن الطاعة ليست قيودا تكبل الحرية، بل هي المقود الذي يحمي السفينة من صخر الأمواج. إن السير على المنهج الإلهي هو الصيانة الحقيقية للنفس من غواية الطريق وجحيم المتاهات.
وأخيرا، تبقى عمارة القلب بالخشية والتقوى هي السياج الأخير. خاشع القلب الذي يتذكر غمض المصير لا يهوي في درك الهوان؛ “سيذكر من يخشى * ويتجنبها الأشقى”. والتقوى في جوهرها هي خوف حنون يقود إلى زاد يقي صاحبه حر الدنيا والآخرة، كما وعد المولى جل وعلا: “وسيجنبها الأتقى”.
إننا جارون في هذه الحياة، نعم، وهذه طبيعة الدار. لكن الفرق بين من يشقى مغموما ولابدا في ألمه، وبين من يركض وملؤه الأمل والسكينة، هو هنا هل نركض وفي قلوبنا طهارة البر، ونداء الدعاء، ونور القرآن، ومشعل الهدى، وخشية المولى؟
إن الكفاح حينئذ يتحول من شقاء مضن إلى عبادة جميلة، وبكاؤنا من تعب اليوم يصبح دموع فرح ينتظر اللقاء. لسنا الشقيين إذا كان الله وجهتنا، بل نحن السائرون في رحلة العبور نحو الباب الذي لا يغلق، ونحو الراحة التي لا يعقبها صخب.
من سلسلة مقالات للأسرة …
