تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردنّا على نقده لفكر محمود محمد طه في كتابه: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة
(الحلقة “4 أ- 4” وتتبعها الحلقة “4 ب- 4” ثم الحلقة الخاتمة)
بقلم الدكتور عبد الله الفكي البشير
“وأما الدكتور مصطفي محمود فقد جاء ببضاعة مزجاة، فجازت على مستهلكين لا يحسنون التمييز.. هذا سبب.. والسبب الثاني هو: (عقدة الأجانب).. فإننا نحن السودانيين، لطول ما رزئنا به من الإذلال، فقدنا الثقة في أنفسنا، وظننا أن الخير لا يأتي من عند أنفسنا، ولا من مواطنينا، وإنما هو الخير يجيء دائماً من وراء حدود بلادنا.. هذا هو السبب الآخر”.
محمود محمد طه، 4 أبريل 1970
الدكتور أمين: التعالي المعرفي ومعانقة الصدى
“التواضع هو أصل الخلق الرصين الذي يسوق إليه العلم الصحيح”
محمود محمد طه، 11 أبريل 1972
“أصبحنا محتاجين إلى منهاج يروض العقول على التواضع، وعلى المحايدة، وعلى البراءة من الغرض”.
محمود محمد طه، مايو 1972
تكشف هذه الحلقة، وهي الرابعة من تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين، وتليها الحلقة الخاتمة، عن جانب آخر من إشكالات التعقيب، يتمثل في العلاقة بين الموقف النقدي والاستعداد لمراجعة الذات، وبين الثقة بالمعرفة والانغلاق داخل التصورات السابقة. ومن هنا يبرز سؤال التعالي المعرفي، وما إذا كان النقد يفتح أبواب الحوار أم يفضي إلى الدوران في دائرة المواقف ذاتها. وفي هذا السياق، يأتي عنوان “الدكتور أمين: التعالي المعرفي ومعانقة الصدى” مدخلاً لفحص هذه الإشكالية في ضوء ما تكشف عنه النصوص والحجج. فقد وجّهنا إلى الدكتور أمين نقداً امتد إلى (57,558) كلمة، لكنه لم يجد فيه، بحسب ما كشف عنه تعقيبه، ما يتفق معه، أو ما يصحح له شيئاً، أو يضيف إلى معرفته جديداً؛ ولم يُبدِ، ولو من باب التواضع المعرفي، أن ثمة ما لم يقف عليه من قبل. وقد سبق أن أشرنا إلى تراجعه حتى عن اعترافه في ندوة ملتقى الفكر العربي للفكر والحوار، التي نُظّمت في 14 يوليو 2026 لتدشين كتابه، حين علّق على مداخلتنا قائلاً: “قدم الدكتور عبد الله مداخلة كانت جيدة وطرح آراء جديدة عن محمود محمد طه”. وحتى هذا الاعتراف لم يصمد أمام موقفه اللاحق الموشح بالتعالي المعرفي والمعانق لصدى لصوته.
إننا إزاء مظهر لافت من مظاهر التعالي المعرفي؛ إذ ظل الدكتور أمين يتحاور مع أفكاره ومواقفه السابقة، ويعيد إنتاجها، بدلاً من الانفتاح على النقد الذي وُجّه إليه، والإصغاء إلى حججه، ومراجعة مواقفه في ضوء ما يقدمه من أدلة ومعارف. وهكذا بدا وكأنه يعانق صدى صوته، فلا يسمع في الحوار إلا ما يعيد إليه صوته نفسه، ولا يتيح للأصوات الأخرى فرصة إغناء معرفته أو مراجعة استنتاجاته. وقد سبق أن أشرتُ في مقالاتي السابقة إلى أصوات باحثين درسوا فكر محمود محمد طه، ونشروا عنه كتباً وأوراقاً علمية، غير أن الدكتور أمين لم يشر إلى أيٍّ مما أوردناه، ولم يناقش ما تمثله هذه الأصوات من قراءات وخبرات بحثية متعددة. وقد بدا ذلك امتداداً لنهج يقوم على الصمت والتجاوز والتغافل والتعالي المعرفي، بما يثير التساؤل عن أسباب إغفال ما قد يضيف جديداً إلى النقاش أو يستدعي مراجعة بعض المواقف.
ولذلك، سنستدعي (18) صوتاً في هذه الحلقة لباحثين درسوا فكر محمود محمد طه ونشروا عنه كتباً وأوراقاً علمية، ومن بينهم باحثون أشرفوا على أطروحات دكتوراه ورسائل ماجستير تناولت فكر محمود محمد طه، وهم ينتمون إلى ثلاث عشرة دولة حول العالم، كما سنبيّن تفصيلاً. ولا نستدعي هذه الأصوات لنستبدل رأياً برأي، ولا لنجعل تعدد الأصوات بديلاً عن الاحتكام إلى الحجة، وإنما لنوسّع أفق الحوار، ونتيح لأنفسنا وللدكتور أمين فرصة الإصغاء إلى أصوات أخرى وقراءات مختلفة، لعلّ في بعضها ما يستحق النظر والمراجعة، وما يساعدنا جميعاً على تجاوز معانقة الصدى إلى رحابة المعرفة. كما نرجو أن يكون في هذا المسعى ما يساعدنا على تجسيد التواضع المعرفي، الذي وصفه محمود محمد طه بأنه “أصل الخلق القويم الذي يسوق إليه العلم الصحيح”. وفي هذا أيضاً إسهام في تحرير فكر محمود محمد طه من أوجه الضعف في الكتابات السودانية عنه، ودرء المخاطر التي تهدد أمن المعرفة وأمن الفكر، حمايةً لحق أجيال المستقبل في معرفة رصينة تقوم على الدقة والتوثيق والنقد المسؤول.
الحاجة إلى تحرير فكر محمود محمد طه من ضعف الكتابات السودانية
درء المخاطر على أمن المعرفة وأمن الفكر وحماية أجيال المستقبل: كتابات الدكتور أمين نموذجاً
“الفكرة الإسلامية التي يرجى لها البعث، فكرة جديدة كل الجدة بعيدة كل البعد، عما يلوكه هؤلاء العلماء ويعيشون عليه ويظنونه إسلاماً”.
محمود محمد طه، مارس 1958
سبق أن خصصنا محوراً في الحلقة السابقة بعنوان: “الدكتور أمين ومطاردة الأشباح الفكرية ـ هوس الدكتور أمين بردّ فكر طه إلى الآخرين: حين يتحول التشابه اللفظي إلى بديل عن النقد الفكري”. وأوضحنا فيه أن مراجعة ما أورده الدكتور أمين في نقده لفكر محمود محمد طه، سواء في كتابه الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة، أو في حديثه خلال ندوة تدشين الكتاب التي نظمها الملتقى العربي للفكر والحوار في 14 يوليو 2026، أو في تعقيبه على نقدنا له، تكشف عن نزوع متكرر إلى ردّ المفاهيم والأفكار الواردة في طرح طه إلى مفكرين وفلاسفة ومذاهب سابقة، اعتماداً على أوجه التشابه في المصطلحات والألفاظ. ومن هذا التشابه اللفظي والمصطلحي، من دون الوفاء باستحقاقات النقد العلمي المتمثلة في دراسة المحتوى، وفحص الأفكار والحجج، وتمحيص أوجه الاتفاق والاختلاف، خلص الدكتور أمين إلى أن فكر محمود محمد طه طغت عليه “النزعة التوفيقية والتلفيقية” (ص 189). وقد رصدنا، في المحور المشار إليه، عدداً من أوجه التشابه التي استند إليها الدكتور أمين، والمفكرين والفلاسفة والمذاهب التي ردّ إليها أفكار طه.
وللتأكيد على حاجتنا إلى تحرير فكر محمود محمد طه من ضعف الكتابات السودانية، التي ظل الاستثناء الجيد بينها قليلاً جداً، بل نادراً، أود أن أوضح أن هذا الحكم ليس انطباعاً عابراً، ولا نتيجة لخلاف مع كاتب بعينه، وإنما هو خلاصة مشروع بحثي مفتوح ومستمر، ظللت أعمل عليه نحو ثلاثين عاماً، وكرّست له جانباً أساسياً من جهدي الفكري والعلمي. وقد نشرت في سبيله تسعة كتب، ولديّ ستة كتب أخرى يجري العمل على نشرها، وقدمت (142) محاضرة عامة في الجامعات والمنابر العامة في مختلف أنحاء العالم، و (38) ورقة علمية في مؤتمرات إقليمية ودولية، فضلاً عن نشر أكثر من ثلاثمائة مقال صحفي، وإجراء نحو (25) حواراً إعلامياً، تلفزيونياً وإذاعياً وصحفياً. وقد تناولت مواقف المثقفين في بعض كتبي، منها: صاحب الفهم الجديد للإسلام محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ، 2013، وجاء في (1278 صفحة)؛ وكتاب الذكرى الخمسون للحكم بردة محمود محمد طه: الوقائع والمؤامرات والمواقف، 2020، وجاء في (706 صفحة)؛ وكتاب المؤسسات الدينية: تغذية التكفير والهوس الديني، 2022، وجاء في (268 صفحة). وإلى جانب ذلك، أواصل رصد ما كُتب عن فكر محمود محمد طه في السودان والعالم، وما أُنجز بشأنه من دراسات جامعية، شملت أطروحات الدكتوراه ورسائل الماجستير وبحوث التخرج. ولا يزال هذا الرصد مستمراً، بما يتيح لي متابعة الإنتاج البحثي المتعلق بفكر طه، ومقارنة الكتابات السودانية بما أُنجز عنه في البيئات الأكاديمية والفكرية المختلفة.
وكان آخر كتاب صدر لي في هذا المجال كتاب محمود محمد طه: من أجل فهم جديد للإسلام، الصادر عام 2024 عن دار محمد علي للنشر بصفاقس، تونس، ومؤسسة الانتشار العربي للنشر ببيروت، لبنان. وقد خصصت جزءاً من هذا الكتاب لرصد التفاعل العالمي مع فكر محمود محمد طه، من خلال تتبّع ما صدر عنه من كتب وأوراق علمية وكتب جماعية، وما عُقد بشأنه من مؤتمرات ومحاضرات ولقاءات إعلامية، وما أُنجز من ترجمات ودراسات أكاديمية، شملت رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه، فضلاً عن الأفلام الوثائقية التي تناولت فكره وسيرته. ويأتي هذا العمل ضمن مشروع رصد وتوثيق مستمر، أتابع من خلاله ما يُنشر ويُنجز عن فكر طه في السودان ومختلف أنحاء العالم.
ومن واقع هذه الخبرة البحثية المتراكمة، أرى أن ضعف جلّ الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه يمثل مشكلة معرفية تستحق التوقف عندها، لا سيما حين يتعلق الأمر بقراءات لا تستوفي متطلبات البحث العلمي في الرجوع إلى المصادر الأصلية، ودقة نقل النصوص، وفحص الأفكار في سياقاتها، والتمييز بين التشابه في الألفاظ والتشابه في المضامين والمناهج. ومن هنا تأتي دعوتنا إلى تحرير فكر طه من أوجه القصور التي شابت جانباً من الكتابات السودانية عنه، وإلى درء ما قد ينشأ عنها من مخاطر على أمن المعرفة وأمن الفكر ووعي أجيال المستقبل. وفي هذا السياق، نقدم مقارنة، بإيجاز شديد جداً، بين ما خلص إليه الدكتور أمين حامد زين العابدين وما انتهى إليه (18) من المفكرين والمفكرات والباحثين والباحثات الذين درسوا فكر محمود محمد طه، كما ورد آنفاً. وتمثل هذه المجموعة عينة اخترناها من حصيلة أوسع من الدراسات والأعمال التي رصدناها، آثرنا عرضها هنا على سبيل الإيجاز، على أن نتوسع في توثيقها ومناقشتها في كتابنا القادم. ولا نستهدف بهذه المقارنة الاحتكام إلى كثرة الباحثين، أو اتخاذ جنسياتهم ومواقعهم الأكاديمية دليلاً بديلاً عن الحجة العلمية؛ وإنما نريد إطلاع القارئ على تعدد المقاربات والنتائج، وتمكينه من المقارنة بين ما انتهى إليه هؤلاء الباحثون وما خلص إليه الدكتور أمين، في ضوء النصوص والأدلة والمناهج التي استندت إليها دراساتهم.
الحاجة إلى تحرير فكر محمود محمد طه من ضعف الكتابات السودانية
من انجياب ليل الجهل إلى إشراق نور الفكر: رهان المعرفة والتحرر
“إن حرصي على تكريم الفكر إنما يستمد أسبابه من اقتناع تام، بأن ليل الجهل قد أخذ ينجاب، وأن نور الفكر قد أخذ ينشر أجنحته المشرقة على هذه الأرض الحزينة، ومن ورائها، على هذا الكوكب الحائر”.
محمود محمد طه، 1970
ويأتي هذا المحور كذلك استجابةً لما ختم به الدكتور أمين الحلقة الثانية من تعقيبه، إذ كتب:
“نلتقي في الحلقة 3 مقتطف من كتابي الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة للجزء الخاص بنقد المشروع الفكري الديني لمحمود محمد طه ليحكم القارئ بنفسه ان كانت الكتابات السودانية عن آراء محمود طه تتسم بالضعف والركاكة والسذاجة كما ادعي د. عبد الله الفكي البشير”.
وفي تقديري، فإن النماذج النقدية التي نستعرضها أدناه، من خلال مقارنتها بما قدّمه الدكتور أمين، وبما انتهت إليه دراسات أخرى تناولت فكر طه، تؤكد ضرورة إعادة النظر في مستوى جلّ الكتابات السودانية التي تصدّت لنقد هذا الفكر، وهي الكتابات التي رصدناها ودرسناها، كما سبقت الإشارة آنفاً. كما تجدد هذه النماذج التحذير من أن النقد الذي لا يستوفي شروط البحث العلمي، ولا يقوم على الفحص الدقيق للنصوص الأصلية، وتحليل مضامينها، وإقامة الدليل على استنتاجاته، والاكتفاء بمعانقة الصدى، كما هو شأن جلّ الدراسات السودانية التي تناولت فكر طه بالنقد، وآخرها كتابات الدكتور أمين، لا يقتصر أثره على تضليل القراء والقارئات وأضعاف معرفتهم بفكر محمود محمد طه، بل يتجاوز ذلك إلى تهديد أمن المعرفة وأمن الفكر، والإسهام في تلويث الفضاء الفكري السوداني والإسلامي، وتغييب الأجيال القادمة عن معرفة علمية رصينة بهذا الفكر، بما يترتب على ذلك من إعاقة الوعي والنهوض، وتأخير استكمال استقلال السودان، وتعطيل إمكانات التجديد والانطلاق نحو المستقبل.
والآن، نجدد تأكيدنا للحكم الذي اعترض عليه الدكتور أمين، ونقدّم مزيداً من البراهين والأدلة لمناقشته، من خلال مقارنة خلاصاته النقدية بنتائج دراسات أنجزها باحثون من أنحاء مختلفة من العالم، وتناولوا فكر طه بالدراسة والتحليل. ففي الوقت الذي ينصرف فيه جانب من نقد الدكتور أمين إلى رصد أوجه التشابه في الألفاظ والمصطلحات، وإرجاع مفاهيم في فكر طه إلى مفكرين وفلاسفة غربيين، نجد أن عدداً من الباحثين، من الغرب والشرق، قد تناولوا هذه المفاهيم بالدراسة والتحليل، وانتهوا إلى نتائج تختلف عن خلاصاته، وتثير أسئلة جدية حول مدى سلامة استنتاجاته وكفاية الأدلة التي يستند إليها.
إن المقارنة بين هذه الدراسات وما خلص إليه الدكتور أمين، كما سنبيّن من خلال نماذج موثقة، لا تستهدف المفاضلة بين الباحثين على أساس أسمائهم أو انتماءاتهم، وإنما اختبار مناهجهم في قراءة فكر محمود محمد طه، ومدى استناد أحكامهم إلى دراسة النصوص الأصلية، وفهم سياقاتها، وتحليل مضامينها، والتمييز بين التشابه اللفظي والتأثر الفكري، وإقامة الدليل على النتائج. ومن خلال هذا الاختبار، نضع أمام القراء والقارئات مادة بحثية تتيح لهم تقييم هذه الأحكام بأنفسهم، والحكم على مدى صمودها أمام الفحص العلمي، بدلاً من التسليم بالتعميمات أو الاكتفاء بالتشابه في المصطلحات.
من هوس التشابه اللفظي إلى ضعف الاستنتاج النقدي: خلاصات الدكتور أمين في ميزان الدراسات العالمية لفكر محمود محمد طه
“إن المثقف عبر عملية المعارضة والروح النقدية يمكن أن يزيل النفاق ويكشف الزيف ويهيئ الأرض للتغيير”.
شيلي واليا، جامعة البنجاب، باكستان
يذهب الدكتور أمين إلى أن فكر محمود محمد طه، لاستناده إلى سلطة النص والتصوف وتقديم النقل ويقينيات لاهوتية حول الكون والطبيعة، ينتمي إلى منظومة معرفية تعوق النهضة وتُسهم في استدامة التأخر الحضاري للمجتمعات العربية الإسلامية، ومن بينها السودان. ويعبّر عن ذلك بقوله: “اعتقادنا بأن استناد فكره على المنظومة المعرفية التي تعتمد على سلطة النص والتصوف ومنح الأولوية للنقل ويقينياته اللاهوتية حول الكون والطبيعة، التي مجالها الاخلاق الكلية الثابتة وليس عالم الظاهر المتغير والنسبي، يؤدي الي تعويق عملية النهضة واستدامة التأخر الحضاري للمجتمعات العربية الاسلامية ومن ضمنها السودان”.
إن هذا الاستنتاج، بما يتضمنه من حكم واسع على البنية المعرفية لفكر طه وأثرها في النهضة، يقتضي من صاحبه أن يبيّن كيف توصّل إليه، وأن يفحص المفاهيم التي يقوم عليها هذا الفكر، وطبيعة العلاقة التي يقيمها بين الدين والعقل والعلم والتغيير الاجتماعي. فليس كافياً تصنيف فكر ما ضمن منظومة معرفية بعينها، ثم استنتاج أثره التاريخي والحضاري من هذا التصنيف؛ إذ ينبغي تحليل مضمون تلك المنظومة، وفحص ما تنطوي عليه من إمكانات للتغيير أو من عوائق محتملة أمامه، قبل إصدار حكم بهذه السعة.
ولنختبر هذا الاستنتاج في ضوء بعض الدراسات التي تناولت فكر محمود محمد طه، ووقف أصحابها عند أبعاد تتصل مباشرة بالتحرر والحداثة والديمقراطية والاشتراكية والعدالة والمساواة. ولا نقصد بذلك أن اختلاف هؤلاء الباحثين مع الدكتور أمين يحسم المسألة لمصلحتهم، أو أن المكانة الأكاديمية لأي منهم تغني عن فحص حجته؛ وإنما نريد أن نضع خلاصته في مواجهة قراءات بحثية تناولت موضوعها، وأن نسأل: هل استوعب استنتاجه هذه الأبعاد؟ وهل ناقش ما تطرحه من أسئلة؟ وما مدى كفاية الأسس التي بنى عليها حكمه؟
أولاً: سمير أمين والمحاولة الوحيدة لقراءة الإسلام في اتجاه التحرر
“إننا بالتجربة الطويلة في ممارسة حمل الدعوة، لم نجد خصومنا في الرأي يعارضون محتوى ما نقول.. على النقيض من ذلك هم يعارضون آراءً توهموا أننا قد قلناها، ولو أنهم قد إستأنوا قليلاً لكان لهم موقف آخر، فإن علم الله واسع، وإن كلماته لا تنفد”.
محمود محمد طه، 1976
في الوقت الذي يرى فيه الدكتور أمين أن المنظومة المعرفية التي يستند إليها فكر محمود محمد طه تعوق النهضة، نجد أن المفكر الاقتصادي المصري الدكتور سمير أمين (1931–2018)، الذي اهتم بفكر طه وأسهم في نقل كتابه الرسالة الثانية من الإسلام إلى اللغة الفرنسية، وكتب تقديماً للترجمة الصادرة عام 2002، قدّم تقييماً مختلفاً تماماً لموقع هذا الفكر في مشروع التحرر. ففي كتابه ما بعد الرأسمالية المتهالكة (2003)، كتب سمير أمين: “إن المحاولة الوحيدة لقراءة الإسلام في اتجاه التحرر كانت تلك الخاصة بالمفكر الإسلامي السوداني محمود طه”.
وفي تقديمه للترجمة الفرنسية لكتاب الرسالة الثانية من الإسلام، كتب سمير أمين:
“هل تعلن أعمال محمود محمد طه عن مولد لاهوت تحرير إسلامي؟ […] إن قناعته العميقة كمسلمٍ، ومعرفته المتبحرة بالدين، وقوة حجته في سبيل تفسيرٍ جذريٍ جديدٍ للإسلام، يؤسس لقطيعة تامة مع تيار التعصب الديني المحافظ الرسمي المسيطر، لهي شاهدٌ على أهمية مساهمته في تجديد إسلامي يذكِّرنا، في كثيرٍ من أوجهه، بالتجديد الذي جاء به لاهوت التحرير المسيحي”.
ولا تكمن أهمية هذه الشهادة في اختلافها مع تقييم الدكتور أمين فحسب، وإنما في أنها تطرح سؤالاً معرفياً يستحق الإجابة: كيف قرأ سمير أمين في طرح طه محاولةً للتحرر، بينما رأى فيه الدكتور أمين ما يعوق النهضة واستدامة التأخر الحضاري؟ إن اختلاف التقييمين يستدعي فحص مدى اختلاف الباحثين في فهم المفاهيم ذاتها، وفي تحديد العلاقة بين المرجعية الدينية والتحرر، وفي المعايير التي اعتمداها لتقييم أثر الفكر في التغيير الاجتماعي. كما يطرح سؤالاً عن مدى كفاية الأدلة التي استند إليها الدكتور أمين للانتقال من توصيف مرجعية طه الفكرية إلى الحكم بأنها تعوق النهضة.
إن استدعاء سمير أمين هنا ليس للاحتجاج بمكانته في الفكر الاقتصادي، وإنما لإبراز أن العلاقة بين الإسلام والتحرر في طرح طه قابلة لقراءة تحليلية مغايرة لخلاصات الدكتور أمين. وهذا يؤكد أن الحكم على أثر المرجعية الفكرية في النهضة يقتضي تحليل مضمونها ومناقشة حججها، لا الاكتفاء بتشابه الألفاظ أو تصنيفها ضمن منظومة معرفية يُفترض سلفاً أنها تجاوزتها الحداثة.
ثانياً: قراءة محمود محمد طه في ضوء التجديد الديني وتطوير الشريعة
بين الحكم على الرؤية اللاهوتية وقراءة مضمونها: شهادة مصرية ودراسة عراقية في مواجهة خلاصات الدكتور أمين
“إن الاسلامَ فكرٌ متطورٌ، ولا يجمد على صورة واحدة، لا في التشريع، ولا في الأخلاق؛ إلا حين تعجز العقول عن الانطلاق معه”.
محمود محمد طه، يناير 1968
في مقابل خلاصات الدكتور أمين بشأن الطرح الفكري لمحمود محمد طه، تبرز شهادة المفكر المصري حسين أحمد أمين (1932- 2014)، الذي رأى في كتاب الرسالة الثانية من الإسلام محاولة استثنائية لتطوير التشريع الإسلامي والتوفيق بين التعاليم الإسلامية ومقتضيات العصر. ففي تقديمه لترجمته كتاب عبد الله أحمد النعيم نحو تطوير التشريع الإسلامي: الحريات المدنية وحقوق الإنسان والقانون الدول، دار سيناء للنشر، القاهرة، 1994، كتب الدكتور حسين أحمد أمين، قائلاً:
“وها قد مضى أكثر من ربع قرن على ظهور كتاب في السودان، هو كتاب: الرسالة الثانية من الإسلام للشهيد محمود محمد طه، الذي أعدّه أهم محاولة ينهض بها مسلم معاصر لتطوير التشريع الإسلامي، والتوفيق بين التعاليم الإسلامية ومقتضيات المعاصرة، دون أن يحظى في مصر (أو في بلد إسلامي خارج السودان على حد علمي) بالاهتمام الذي هو أهل له، ودون أن نلمس له تأثيراً في اتجاهات مفكرينا ومثقفينا وجمهور شعبنا، رغم احتوائه على فكرة أساسية ثورية لا شك عندي في قدرتها متى ما صادفت القبول لدى الرأي العام الإسلامي، على أن توفر الحلول لمعظم المشكلات التي تكتنف موضوع تطبيق الشريعة، في إطار إسلامي”.
وتنبع أهمية هذه الشهادة من أن حسين أحمد أمين لا يكتفي بالإشارة إلى جدة كتاب الرسالة الثانية من الإسلام، بل يضعه في مرتبة متقدمة بين محاولات التجديد التشريعي الإسلامي المعاصرة، ويرى أن فكرته الأساسية بشأن تطوير الشريعة الإسلامية تتيح إمكانات واسعة لمعالجة المشكلات المرتبطة بتطبيق الشريعة، من داخل إطار إسلامي. كما يلفت إلى محدودية تلقي هذا المشروع في مصر، وفي بلدان إسلامية أخرى خارج السودان، بحسب تقديره آنذاك. وبذلك تجمع شهادته بين تقييم فكري لمضمون الطرح، والتنبيه إلى الفجوة بين ما يراه صاحبه من أهمية ذلك الطرح وبين مستوى الاهتمام الذي حظي به.
وفي السياق نفسه، قدّم البروفيسور جعفر نجم نصر، أستاذ أنثروبولوجيا الدين وعلم اجتماع الدين بالجامعة المستنصرية في العراق، إسهاماً بحثياً كبيراً في دراسة فكر محمود محمد طه، من خلال كتابه الإسلام الكوني والإسلام العربي: محمود محمد طه والحل الصوفي للشريعة الإسلامية (2019)، فضلاً عن مقالاته وأوراقه العلمية ومشاركاته في مؤتمرات تناولت فكر طه. وقد خلص البروفيسور جعفر، في كتابه، إلى القول: “إن الأستاذ طه وبحسب أطروحاته تلك قدم السقف أو الحد الأعلى من التجديد الذي لا يمكن لأحد أن يقدم أعلى منه بحسب اعتقادي”.
وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من صدورها عن باحث تناول طرح طه بالدراسة والتحليل، ومن طبيعة الحكم الذي يقدمه على مدى التجديد الذي ينطوي عليه ذلك المشروع. فعبارة “لسقف أو الحد الأعلى من التجديد” تعبّر عن تقدير الباحث لمدى جذرية الطرح واتساعه، وفق قراءته لأطروحات طه، ولا تقتصر على الإقرار بوجود أفكار جديدة أو مصطلحات مغايرة. ومع ذلك، فإن القيمة العلمية لهذا الحكم تتضح على نحو أكمل عند ربطه بتحليل الباحث لمضمون تلك الأطروحات، وبيان أوجه التجديد التي استند إليها في الوصول إلى هذه النتيجة. وتضعنا الشهادتان أمام اختلاف يستحق الفحص بين هذه التقييمات وبين خلاصات الدكتور أمين. فبينما رأى حسين أحمد أمين في طرح طه أهم محاولة معاصرة لتطوير التشريع الإسلامي، واعتبر جعفر نجم نصر أن أطروحاته بلغت حداً أعلى من التجديد، انتهى الدكتور أمين إلى خلاصات مغايرة في نقده للطرح الفكري لطه، حيث يرى أن “واحتفظ محمود طه بأهم عناصر الرؤية اللاهوتية للعالم، التي تجاوزتها المنظومة المعرفية الحديثة”. ولا يكفي هذا الاختلاف، في حد ذاته، للحكم بصحة قراءة دون أخرى؛ لكنه يفرض سؤالاً منهجياً مشروعاً: ما الأسس التي انطلقت منها هذه القراءات؟ وكيف حلّل كل باحث مضمون طرح طه، وحدّد طبيعة التجديد الذي يقترحه، وأقام الدليل على تقييمه؟ إن أهمية هذه الأسئلة في سياق نقدنا لا تنحصر في تعدد الآراء بشأن محمود محمد طه، بل تمتد إلى ضرورة التمييز بين الحكم على المقدمات اللاهوتية التي ينطلق منها المفكر، وبين تحليل مضمون طرحه ونتائجه في تطوير التشريع وإعادة النظر في العلاقة بين النص القرآني ومقتضيات العصر. فالنقد العلمي لا يستوفي شروطه بمجرد تحديد أوجه التشابه بين المفاهيم أو ردّها إلى مصادر محتملة، وإنما يتطلب فحص بنية الفكرة، وتفسير سياقها، وتحديد ما تضيفه إلى موضوعها، ثم تسويغ الحكم عليها بالحجة والدليل.
ومن هنا، فإن وضع هذه الشهادات في مواجهة خلاصات الدكتور أمين لا يُراد به الاحتجاج بمكانة أصحابها وحدها، وإنما فتح المجال لمقارنة علمية بين القراءات، واختبار مدى استنادها إلى تحليل مضمون طرح طه. وهذا هو المعيار الذي ينبغي أن يُحتكم إليه في تقويم أي قراءة نقدية: لا مكانة صاحبها وحدها، ولا حدة أحكامه، ولا مجرد التشابه اللفظي الذي يرصد، وإنما قوة تحليله، ودقة أدلته، وقدرته على تفسير الأفكار التي يتناولها.
ثالثاً: قراءة محمود محمد طه في ضوء التجديد الديني
بين الحكم على الرؤية اللاهوتية وقراءة مضمونها: قراءات تونسية تناقض خلاصات الدكتور أمين
يقول الدكتور أمين، في موضع آخر، إن محمود محمد طه “احتفظ بأهم عناصر الرؤية اللاهوتية للعالم، التي تجاوزتها المنظومة المعرفية الحديثة”. وهذا القول لا يقتصر على وصف المرجعية الدينية لطه، بل يحمّل هذا الوصف حكماً تاريخياً ومعرفياً مؤداه أن تلك الرؤية قد تجاوزها الفكر الحديث، وأن احتفاظ طه بها يكشف عن قصور في مشروعه. لكن هذا الاستنتاج يثير سؤالاً سابقاً على الحكم: ما المقصود تحديداً بالرؤية اللاهوتية التي يتحدث عنها الدكتور أمين؟ وما العناصر التي يرى أن طه احتفظ بها؟ وبأي معيار يقرر أن هذه العناصر قد تجاوزتها المنظومة المعرفية الحديثة؟ ثم كيف يثبت أن وجودها في فكر طه يؤدي بالضرورة إلى تعطيل النهضة، بدلاً من أن يفحص الكيفية التي أعاد بها طه تفسير الدين وعلاقته بالعقل والحرية والتغيير؟
إن وصف مرجعية فكرية بأنها لاهوتية لا يحسم، في ذاته، طبيعة النتائج التي تترتب عليها. فالحكم على طرح فكري لا يستقيم بمجرد تحديد مرجعيته، وإنما يتطلب تحليل كيفية اشتغال تلك المرجعية في بناء المفاهيم والمواقف والاستنتاجات. ومن هنا، فإن الانتقال من وصف فكر طه بأنه يحتفظ بعناصر لاهوتية إلى القول بأن هذه العناصر تجاوزتها المعرفة الحديثة، ثم اتخاذ ذلك أساساً للحكم على أثره في النهضة، يحتاج إلى حلقات استدلالية ينبغي إظهارها ومناقشتها. وهنا، وفي خلاصات مختلفة تماما مع الدكتور أمين، يجيء تناول البروفيسور بيَّه سلطاني، أستاذة أصول الدين بجامعة الزيتونة في تونس، موضوع “سؤال التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر: مقاربة محمود محمد طه نموذجاً”، في محاضرة قدمتها في فضاء جامعة الزيتونة بتاريخ 7 يونيو 2024. وقد تحدثت قائلة: “فقد أمكن للمفكر محمود طه أن يحيي كذات معنوية مؤثرة. ظهر ذلك في مستويات عدة: إبطال حكم الإعدام، والتحول عن سردية التبديع والتكفير لدى الأفراد والمؤسسات الدينية التي تورطت في قرار الإعدام. وتنامي الاهتمام الفكري والتأليف العلمي حول الرؤية تأصيلاً لها وشرحاً وبياناً لجدواها في حل أزمة الجمود الفكري”.
وتأكيداً للاختلاف مع خلاصات الدكتور أمين، يبرز المفكر التونسي يوسف الصديق، الأستاذ بجامعة السوربون والجامعات التونسية، والذي درس فكر محمود محمد طه وتحدث عنه في ندوات، بوصفه نموذجاً لقراءة تقديرية مختلفة؛ يقول الدكتور يوسف: “محمود محمد طه هو المنقذ”. (للمزيد أنظر: عبد الله الفكي البشير، محمود محمد طه: من أجل فهم جديد للإسلام، دار محمد على للنشر، صفاقس/ مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2024). ولا نتعامل مع هذه العبارة بوصفها برهاناً علمياً قائماً بذاته، فهي حكم تقديري يحتاج هو الآخر إلى وضعه في سياقه وفحص أسسه. غير أن ورود مثل هذا التقييم المختلف يذكّرنا بأن مكانة طه الفكرية، وعلاقته بالتراث والحداثة، لا يمكن حسمها بإطلاق حكم عام، كما فعل الدكتور أمين، وإنما تتطلب تحديد عناصر طرح طه، وقراءة حججه، وتحليل ما يقدمه من إجابات عن أسئلة الإنسان والمجتمع والتغيير والثابت والمتغير.
رابعاً: قراءة طه في ضوء التجديد الديني وتقسيم الخطاب القرآني
بين الحكم على الرؤية اللاهوتية وقراءة مضمونها: دراسة عن الخطاب القرآني عند طه تناقض خلاصات الدكتور أمين
في مقابل خلاصات الدكتور أمين بشأن فكر محمود محمد طه، خلص البروفيسور بهاء الدين محمد زيد والدكتور حمدي الشريف، جامعة سوهاج، مصر، في دراستهما المعنونة “الخطاب القرآني في ضوء المنهج التاريخي: محمود طه، القرآن من الخطاب المدني إلى الخطاب المكي”، إلى تقديم قراءة مختلفة لطبيعة الطرح الفكري لطه ومكانته في التجديد الديني. فقد استهلا دراستهما بوصفه بأنه:
“يُعَدُّ المُفكّر السوداني محمود محمد (طه) (1985- 1909) أحد أبرز رواد التجديد الديني في الإسلام، وهو صاحب رؤية شاملة ومبتكرة حول قضايا الدين والسياسة والاجتماع”.
وتناولت الدراسة مفهوم طه لمجيء القرآن مقسّماً بين الإيمان والإسلام، في ضوء تقسيمه إلى مكي ومدني، فبحثت خصائص القرآن المكي بوصفه مرحلة الإسلام، والقرآن المدني بوصفه مرحلة الإيمان، وفق التصور الذي عرضته الدراسة. كما تناولت رؤيته لاشتمال الإسلام على رسالتين: رسالة أولى قامت على فروع القرآن، وأمتها المؤمنون، ورسالة ثانية قامت على أصول القرآن، وأمتها المسلمون. وفي هذا السياق، وصفت الدراسة الأمة الثانية بأنها “لم تأت بعد”، وأشارت إلى أن موضوعها هو نبوة النبي أحمد، وأن النبي قد طبّقها وحده في خاصة نفسه.
وتكتسب هذه الدراسة أهميتها في سياق نقد خلاصات الدكتور أمين من زاويتين أساسيتين: أولاهما أنها تتناول مفاهيم مركزية في مشروع محمود محمد طه، وتعرض الأسس التي تنتظم وفقها رؤيته للقرآن والرسالتين؛ وثانيتهما أنها تصدر عن باحثين أكاديميين قدّما طه بوصفه أحد أبرز رواد التجديد الديني، وصاحب رؤية شاملة ومبتكرة في قضايا الدين والسياسة والاجتماع. وهذا التوصيف يختلف عن الخلاصات التي انتهى إليها الدكتور أمين، ويستدعي المقارنة بين المنطلقات التحليلية التي اعتمدها كلٌّ من الطرفين، وبين الأدلة التي استند إليها في تقويم مشروع طه. ولا تكمن أهمية هذه المقارنة في مجرد إثبات اختلاف التقييمات، وإنما في طرح سؤال منهجي: كيف أمكن لدراسة تتناول مفاهيم طه القرآنية وتحلل تصوره للتجديد الديني أن تنتهي إلى هذا التوصيف، بينما انتهى الدكتور أمين إلى خلاصات مغايرة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي فحص النصوص الأصلية، ومقارنة طرائق تحليلها، والنظر في مدى قدرة كل قراءة على تفسير بنية المشروع الفكري لطه، بدلاً من الاكتفاء بتعداد أوجه التشابه في المصطلحات أو ردّ المفاهيم إلى مصادر مفترضة.
وقد نُشرت الدراسة في مجلة قرآنيات، العدد الثاني، صيف 2024، ص 63–85، الصادرة عن مركز تجديد للفكر والثقافة، والمنشورة عن دار تجديد للطباعة والنشر، البصرة، العراق.
خامساً: محمود محمد طه في الدراسات الأفريقية: سؤال الأصالة وموقعه في الفكر الحديث
في مقابل حكم الدكتور أمين على الرؤية اللاهوتية عند طه، نجد تقييماً مختلفاً ورد في دراسة “الاتجاهات في الفلسفة والعلم في أفريقيا”، التي كتبها علي مزروعي (1933–2014) وج. ف. أد أجاوي (Jacob Festus Ade Ajayi، 1929–2014)، ونُشرت ضمن المجلد الثامن من التاريخ العام لأفريقيا، الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عام 1993، بعنوان أفريقيا منذ عام 1935. وقد وصف الباحثان محمود محمد طه بأنه “أكثر المفكرين الإسلاميين أصالة في أفريقيا في النصف الثاني من القرن العشرين”.
تكتسب هذه الإشارة أهميتها من ورودها في سياق دراسة تتناول اتجاهات الفلسفة والعلم في أفريقيا، ومن اتصالها بتقييم موقع طه في تاريخ الفكر الأفريقي الحديث. واتفق مع الباحثين في مسألة أصالة طه الباحث النمساوي توماس شميدينغر Thomas Schmidinger، أستاذ العلوم السياسية والأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، والمهتم بالإسلام السياسي والسودان والشرق الأوسط، حيث وصف طه، قائلاً: “بلا شك واحد من أكثر المفكرين أصالة الذين أنجبهم السودان في القرن العشرين”، وسيرد التفصيل عن دراسات شميدينغر عن فكر طه. غير أن القيمة العلمية لهذه الشهادات لا تتمثل في أن وصف طه بالأصالة ينقض، وحده، قول الدكتور أمين بشأن الرؤية اللاهوتية؛ فالأصالة لا تعني بالضرورة تجاوز كل الموروث، كما أن الاستناد إلى مرجعية دينية لا ينفي، في ذاته، إمكان إنتاج أفكار جديدة. وهنا عدة أسئلة تدفع بنفسها، وهي الأسئلة الأهم: ما الذي جعل هؤلاء الأساتذة يصفون طه بهذه الأصالة؟ وما السمات الفكرية التي استندوا إليها في تقدير موقعه؟ وهل يمكن مناقشة هذه السمات، ثم مقارنتها بالعناصر التي اتخذها الدكتور أمين أساساً للحكم على فكره؟
هنا تحديداً تظهر ضرورة الانتقال من الأحكام العامة إلى التحليل التفصيلي. فإذا كان الدكتور أمين يرى أن احتفاظ طه بعناصر من الرؤية اللاهوتية يكشف عن قصور معرفي، فإن عليه أن يبيّن كيف يتعامل هذا الحكم مع جوانب الأصالة التي رصدها باحثون آخرون، وأن يوضح لماذا لا تغيّر تلك الجوانب من استنتاجه، أو كيف يفسرها ضمن قراءته. أما إغفال هذه الأسئلة، فيترك القارئ أمام أحكام متباينة من دون مناقشة كافية للأسس التي أنتجتها، ومن ثم نكون أمام خدمة ركيكة في سبيل تنمية الوعي وخدمة التنوير.
سادساً: الديمقراطية عند محمود محمد طه: هل يكفي افتراض الأخذ من الحداثة؟
يرى الدكتور أمين أن طه أخذ مفهوم الديمقراطية من الفهم الحداثي العلماني الذي ظهر بعد عصر التنوير الأوروبي والثورة الفرنسية. لكن نسبة مفهوم فكري إلى مصدر خارجي لا تُنجز، في ذاتها، مهمة النقد؛ إذ ينبغي التمييز بين التشابه في المصطلحات، والتأثر التاريخي المثبت، والتبني الفكري، وإعادة بناء المفهوم ضمن منظومة مختلفة. فإذا كان الدكتور أمين يرى أن طه أخذ الديمقراطية من الحداثة العلمانية، فإن المطلوب أن يبيّن مواضع هذا الأخذ، وطبيعته وحدوده، وكيفية انتقال المفهوم إلى فكر طه، وما إذا كان قد تبناه كما هو أم أعاد تأسيسه وربطه بمفاهيم أخرى. كما يتعين عليه أن يعرض مفهوم طه نفسه للديمقراطية، وأن يحلله قبل الحكم على مصدره أو قيمته. غير أنه بين أيدينا مدخلاً آخر للموضوع، تقدمه لنا الدراسة التي خصصها المفكر والفيلسوف الأمريكي كورنيل وست (Cornel West) للديمقراطية في كتابه Democracy Matters: Winning the Fight Against Imperialism (2004). ففي دراسته “Forging New Jewish and Islamic Democratic Identities” “بلورة هويات ديمقراطية يهودية وإسلامية جديدة”، تناول وست مجموعة من المفكرين الذين سعوا إلى مساءلة التقاليد الدينية والحداثة الغربية معاً، بغية بلورة تصورات ديمقراطية جديدة. وذكر في هذا السياق فاطمة المرنيسي (المغرب)، ومحمد عابد الجابري (المغرب)، وعبد الكريم سروش (إبران)، ومحمد أركون (الجزائر)، ونوال السعداوي (مصر)، وأنور مجيد (المغرب)، وطارق رمضان (مصر)، وخالد أبو الفضل (الكويت)، إلى جانب محمود محمد طه، الذي خصّه بمكانة بارزة في عرضه.
وفي سياق حديثه عن الجهود الإسلامية الرامية إلى دمقرطة العالم الإسلامي، كتب وست أن من بين هذه الجهود ما تجسّد في “كتابات محمود محمد طه الثرية والثورية”، وأردف في تعداد المفكرين الذين تناولهم وأسهوا في دراساتهم عن الديمقراطية، بقوله:
“وفوقهم جميعاً محمود محمد طه” “…and, above all, Mahmoud Mohamed Taha”.
لا نورد هذه الشهادة لإثبات أن الديمقراطية عند طه لم تتأثر بأي مصدر حديث، فهذا استنتاج لا ينهض به الاقتباس وحده. وإنما نوردها لأنها تفتح سؤالاً لم يُحسم بمجرد نسبة المفهوم إلى الحداثة: ما الذي وجده وست في كتابات طه حتى وضعها في سياق الجهود الرامية إلى بلورة هويات ديمقراطية جديدة، وربطها بمساءلة التقاليد الإسلامية والحداثة الغربية معاً؟ إن الإجابة تقتضي الرجوع إلى تحليل وست نفسه، وإلى نصوص طه التي يناقشها. كما تقتضي فحص مفهوم الديمقراطية عند طه في علاقته بمفهوم الحرية وبنيته الدينية والأخلاقية، بدلاً من الاكتفاء بإثبات وجود مفهوم مشابه في الفكر الحديث ثم اتخاذ التشابه دليلاً كافياً على الأخذ، كما فعل الدكتور أمين. وهنا يتضح موضع القصور الذي ينبغي أن يتجه إليه النقد، حال نقد الدكتور أمين: ليس في مجرد القول إن مفكراً تأثر بفكر آخر، وإنما في إطلاق حكم بالتأثر من دون تقديم الأدلة التي تبيّن طبيعته وحدوده، أو فحص ما طرأ على المفهوم من تطوير وإعادة تأسيس. فالتأثر الفكري احتمال مشروع للبحث، لكنه ليس استنتاجاً مكتملاً ما لم يُدعَم بالتوثيق وفهم المحتوى والتحليل والمقارنة، وهو ما يفتقر إليه نقد الدكتور أمين.
نلتقي مع الحلقة (4 ب- 4) وتتبعها الحلقة الخاتمة.
