باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 18 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
عبدالله الفكي البشير عرض كل المقالات

تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين

اخر تحديث: 17 أكتوبر, 2026 10:28 مساءً
شارك

تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردّنا على نقده لفكر محمود محمد طه في كتابه: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (1-4)

بقلم الدكتور عبد الله الفكي البشير

“وأما الدكتور مصطفى محمود فقد جاء ببضاعة مزجاة، فجازت على مستهلكين لا يحسنون التمييز.. هذا سبب.. والسبب الثاني هو: (عقدة الأجانب).. فإننا، نحن السودانيين، لطول ما رزئنا به من الإذلال، فقدنا الثقة في أنفسنا، وظننا أن الخير لا يأتي من عند أنفسنا، ولا من مواطنينا، وإنما هو الخير يجيء دائما من وراء حدود بلادنا.. هذا هو السبب الآخر”.
محمود محمد طه، 4 أبريل 1970

عقّب الدكتور أمين حامد زين العابدين، في مقال نُشر على ثلاث حلقات، على ردّنا على نقده لفكر محمود محمد طه في كتابه الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (2025). وكان ردّنا، الموسوم “ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه: كتاب الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (2025) لأمين حامد زين العابدين نموذجًا”، قد نُشر في تسع حلقات، توزّعت كلٌّ منها على ثلاثة إلى خمسة أجزاء، وبلغ عدد أجزاء بعضها ثمانية ومجموع كلماتها (57,558 كلمة). ونُشرت هذه الحلقات خلال الفترة من 7 أغسطس إلى 1 سبتمبر 2026، عبر مواقع “سودانايل” و “الراكوبة” و”الحوار المتمدن”، وغيرها. وأعمل حالياً على جمع هذه الحلقات ونشرها في كتاب يحمل العنوان نفسه، مع توسيع نطاق المشروع ليشمل تناول كتابات أخرى عن فكر محمود محمد طه. وكنت قد أوضحت في الحلقة الختامية أن مشروع “ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه” لا ينتهي بانتهاء حلقات نقد كتاب الدكتور أمين، وإنما يبدأ منها طور آخر من الرصد والتمحيص والتوثيق والتدقيق والدراسة؛ دراسة لا تستهدف الأشخاص، وإنما تتناول الظاهرة، ولا تنطلق من الرغبة في الانتصار، وإنما من ضرورة استعادة شروط الحوار الفكري والعلمي المسؤول.
أما تعقيب الدكتور أمين، فقد جاء في ثلاث حلقات تحت عنوان “تعقيب على مقالات د. عبد الله البشير حول نقد فكر محمود محمد طه في كتابي الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة”، (6782 كلمة)، ونُشرت خلال النصف الأول من أكتوبر 2026. وقد اطّلعت على هذه الحلقات عبر موقعي “سودانايل” و”الحوار المتمدن”. ومن هنا يأتي تعقيبنا على تعقيبه، استكمالاً للحوار النقدي حول ما أورده الدكتور أمين في كتابه من نقد لفكر محمود محمد طه، وما أثاره ردّنا عليه من نقاش، وما طرحه تعقيبه من قضايا تستحق الفحص والتمحيص والتبيين. ويأتي هذا التعقيب أيضاً في سياق المشروع الأوسع لرصد الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه ودراستها، بما يقتضيه ذلك من توثيق دقيق، وقراءة نقدية للنصوص، ومساءلة للمناهج والحجج، بعيداً عن الشخصنة، وبما يتيح للقارئ تكوين موقفه على أساس من المعرفة والفحص العلمي.
وسينصبّ هذا التعقيب على مناقشة القضايا الأساسية التي تناولها الدكتور أمين في تعقيبه، بالعودة إلى مواضع الاختلاف في قراءة فكر محمود محمد طه وتأويله، وفحص الحجج التي استند إليها في رده على مقالاتنا، ومدى اتساقها مع النصوص الأصلية والشواهد التي عرضناها. كما سنتناول ما أغفله الدكتور أمين من قضايا نقدية أثَرناها في ردّنا، ولم يتوقف عندها في تعقيبه، فأهملها وكأنها لم تكن، ولا سيما ما يتصل بطريقة تعامله مع نصوص محمود محمد طه، من حيث إقحام مفردة في النصوص أو اقتطاع النصوص من سياقاتها، بما قد يفضي إلى تحميلها دلالات لا تنسجم مع سياقاتها الأصلية، أو توظيفها في الاستدلال على دعاوى لا تنهض تلك النصوص، في سياقها الكامل، بإثباتها. وسنفرد اهتماماً خاصاً لمسألة التصوف، من حيث موقعه في فكر محمود محمد طه، وطبيعة موقفه منه، وكيفية تناول الدكتور أمين لهذه المسألة، ومدى دقة قراءته للنصوص ذات الصلة. كذلك سنناقش ما يستدعي التوضيح أو التصحيح في عرض الدكتور أمين لمواقفنا وحججنا، مع التمييز بين الاختلاف المشروع في وجهات النظر والتباين في فهم النصوص وتأويلها، وبين المسائل التي يمكن التحقق منها بالرجوع إلى المصادر والشواهد الأصلية ومقارنتها في سياقاتها.
وليس المقصود من هذا التعقيب إطالة السجال لذاته، أو الاكتفاء بمقابلة الأحكام بأحكام مضادة، وإنما الإسهام في نقاش فكري يتوخّى الدقة والإنصاف، ويجعل النصوص والحجج والأدلة أساساً للحوار. فقراءة فكر محمود محمد طه تقتضي التعامل مع نصوصه في سياقاتها، والتمييز بين ما تقوله صراحةً وما قد يُستنتج منها، وإخضاع التأويلات المختلفة للفحص والمناقشة. ومن شأن هذا المنهج أن يعين على فهم أعمق لذلك الفكر، وأن يتيح للقارئ تكوين موقفه على أساس من المعرفة والتوثيق والفحص النقدي.

في سياق النقد وثقافة الحوار في الفضاء السوداني

“إن للعلم سطوة تسوق إلى الاستعلاء والتكبر، والتواضع هو أصل الخلق الرصين الذي يسوق إليه العلم الصحيح”
محمود محمد طه، 11 أبريل 1972

كنت قد نشرت سلسلة مقالات بعنوان “النخبة السودانية: المزاج الصفوي والصراع العقيم”، في تسع حلقات، خلال الفترة من 20 مايو إلى 19 أغسطس 2010. وتناولت فيها، مع الالتزام بالمنهج التوثيقي، تكوين المثقفين السودانيين وطبيعة أدائهم، والأدوات التي يوظفونها، ومناخ الحوار الذي يتحركون فيه، إلى جانب قضايا أخرى، من بينها المزاج الصفوي، وتجليات التعالي المعرفي، وضعف الملكات النقدية في الفضاء السوداني. واستدعيت في تلك السلسلة آراء عدد من الباحثين والمفكرين الذين تناولوا هذه القضايا من زوايا مختلفة. فقد أشار الدكتور محمد سعيد القدال (1935–2008) إلى المزاج الصفوي لدى المثقفين وطابع عملهم الفوقي، وتناول أثر ذلك في نشأة الحركة الوطنية السودانية في بواكير القرن العشرين، وفي علاقة المثقفين بالجماهير وحركة المجتمع. وتناول البروفيسور محمد إبراهيم أبو سليم (1927–2004)، في إحدى دراساته، تعالي المتعلمين وترفعهم وضعف تأثيرهم في المجتمع، مستشهداً بمحمد أحمد المحجوب (1908–1976) نموذجاً. كما ناقش البروفيسور محمد عمر بشير (1926–1993)، في كتابه: تاريخ الحركة الوطنية في السودان 1900م–1969م، ضعف الملكات النقدية بوصفه أحد الآثار التي خلّفها التعليم الذي تلقاه المتعلمون؛ إذ رأى أن ذلك التعليم لم ينجح في تطوير قدراتهم النقدية. وصوّر الشاعر محمد المهدي المجذوب (1918-1982)، في مقدمة ديوانه الشرافة والهجرة، ط2، 1982، علاقة الأفندي بالناس والمجتمع من خلال حديثه عن نفسه بعد أن تخرج في كلية غردون، فكتب، قائلاً: “وتخرج من كلية غردون التذكارية، وصار أفندياً ولبس القبعة، واستهواه عيش الفرنجة، وأسقط الحواجز وتخطى فإذا قطع شوطاً وقف يتأمل، ثم يبدأ شوطاً آخر من جديد، وكان لقب الأفندي شيئاً عظيماً، يمر صاحب اللقب فيقف له الناس ويتصايحون: فلان أفندي! مرحبْ.. حبَابَك.. اتْفَضّل، ولا يتفضل الأفندي، فهو ذاهب إلى نادي الموظفين يتذوق مثله العليا.. الطمع الثقافي.. الترقية والكيد وخدمة الطائفة والأنس بالحاكم، وثبت لي أن الفتى المهاجر لم يكن ذا ولاء لزيه الأفرنجي، وعرفتُ في وقت مبكر أنه كان يتنكر ويمر بجواز غير دقيق التزييف. وأرجع الأستاذ محمد أبو القاسم حاج حمد (1942- 2004)، سطحية معالجة القضايا السودانية، والضعف في الكشف الحقيقي عن أبعادها، إلى هامشية علاقة المثقفين بالواقع. فالتعالي المعرفي وضعف الملكات النقدية يجسد الانبتات عن الواقع، ومن ثم ركاكة التشخيص للقضايا والتضليل للأجيال. أما الدكتور منصور خالد (1931- 2020)، فقد تناول في كتاباته جوانب متعددة من إشكاليات النخبة السودانية وعلاقتها بالمجتمع والسياسة. ولم تقتصر الإشارة إلى هذه القضايا على هؤلاء، بل تناولها آخرون من مواقع وتجارب فكرية مختلفة.
الشاهد الذي أردت إبرازه من خلال تلك السلسلة هو أن ضعف الملكات النقدية، والتعالي المعرفي والمزاج الصفوي، والتفكير والعمل الفوقي، ليست مجرد ظواهر عابرة في تاريخ المثقفين السودانيين، بل هي ظواهر ذات جذور تاريخية، وقد توارثتها الأجيال، ولا تزال آثارها حاضرة في الساحة السودانية. وفي تقديري أننا في السودان لم نتربى على النقد، ولا نعرف ممارسته، ويكشف تعاطينا مع فكر محمود محمد طه، كحال دراسة الدكتور أمين حامد زين العابدين، كما سيأتي التبيين، عن نقص معرفتنا بمناهج النقد ومدارسه وممارسته وكيفية التفاعل معه، وسُبل التعاطي مع مخرجاته.

إرث المعرفة الاستعمارية وثقافة النقد والحوار في السودان

“نحن حتى الآن مستقلون سياسياً، مستعمرون فكرياً.. فكرك، وفكري، ما عندو غير الثقافة الغربية.. الثقافة المستعمرانا، وقد أخرجنا مستعمرينا من أرضنا، وهي لا تزال تستعمر عقولنا”.
محمود محمد طه، 1974

في تقديري، لا يمكن فصل ضعف الملكات النقدية في السودان، الذي توارثته الأجيال وتكشف عنه أعمالها النقدية حتى يوم الناس هذا، عن طبيعة المنظومة التعليمية التي نشأت مع التعليم الحديث في السودان، كما أشرت آنفًا، وتشكلت في ظلها النخبة السودانية. كما لا يمكن فصله عن المناهج والتقاليد المعرفية والثقافية التي أسهمت في تشكيل أدواتها في التفكير والتحليل والحوار، فضلاً عن إرث المعرفة الاستعمارية وما خلّفه من آثار في طرائق إنتاج المعرفة وتلقيها وتقويمها. وفي هذا الإطار، تبرز المقارنة بين أثر المدرسة الإنجليزية في السودان وأثر المدرسة الفرنسية في بلدان شمال أفريقيا، مثل الجزائر وتونس والمغرب، بوصفها مدخلاً بحثياً جديراً بالاهتمام؛ لا باعتبارها تفسيراً حاسماً للفروق في الأداء النقدي، وإنما بوصفها فرضية تستحق الفحص والمقارنة، للكشف عن أثر اختلاف التقاليد التعليمية والفكرية في تكوين الملكات النقدية، وتشكيل علاقة المثقف بالمعرفة والمجتمع، ومدى قدرتها على مساءلة المعرفة الاستعمارية نفسها ونقد أسسها وافتراضاتها. وتتضح أهمية هذه المقارنة حين ننظر في الدراسات التي تناولت فكر محمود محمد طه في الجزائر وتونس والمغرب، مثلاً، ونقارنها بالدراسات السودانية التي تناولت الفكر نفسه، من حيث مناهج القراءة، وأدوات التحليل، ومدى الالتزام بالنصوص الأصلية وسياقاتها، وطبيعة الاستنتاجات التي انتهت إليها. وفي هذا الإطار، تكتسب دراسة الدكتور أمين حامد زين العابدين أهمية خاصة بوصفها نموذجاً يمكن إخضاعه للفحص النقدي في ضوء هذه المعايير، لا بقصد إصدار حكم مسبق عليها، وإنما لاختبار ما إذا كانت المقارنة تكشف عن اختلافات في الممارسة النقدية وأدواتها، وعن العوامل المعرفية والمنهجية التي قد تفسرها.
إن قضايا ضعف الملكات النقدية، والتعالي المعرفي، وفوقية الأداء، تستحق منا إعادة الفحص في ضوء الممارسة الفكرية والثقافية الراهنة، وما تكشف عنه من أنماط في إدارة الاختلاف وممارسة النقد والحوار. وفي هذا الإطار، أجدني معنياً بطرح أسئلة نقدية بشأن ما قدّمه الدكتور أمين في كتابه: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة، وما أورده في تعقيبه على ردّنا. فما جاء في الكتاب عن فكر محمود محمد طه، وما تضمنه التعقيب على نقدنا له، يثير تساؤلات بشأن كيفية تعامل الدكتور أمين مع النقد، ومدى استعداده لمناقشة الحجج التي يقدمها الطرف الآخر، والتفاعل مع ما قد ينطوي عليه الحوار من إضافات أو تصحيحات تستحق النظر. وهذه مسائل لا ينبغي أن تُحسم بالأحكام العامة، أو أن تُدار بالتعالي أو التغافل، وإنما ينبغي أن تُفحص من خلال النصوص، ومقارنة المواقف المعلنة بما ورد في الكتابات المنشورة.
فالناقد الذي لا يرى في النصوص التي يناقشها إلا ما يؤيد حججه ومواقفه المسبقة، ويتغاضى عما قد يناقضها أو يستدعي مراجعتها، يعرّض ممارسته النقدية لسؤال جوهري يتعلق بمدى انفتاحها على المراجعة والتصحيح. وينطبق هذا السؤال كذلك على من يتلقى نقداً موسعاً، ثم لا يتناول ما يثيره من قضايا جوهرية، أو لا يبيّن موقفه مما يُطرح عليه من إضافات واعتراضات تستحق المناقشة. وفي حالتنا هذه، قدّمنا نقداً بلغ (57,558) كلمة. وليس حجم هذا النقد، في حد ذاته، دليلاً على صحة ما ورد فيه، كما أن عدم الاتفاق مع نتائجه لا يُعدّ دليلاً على رفض النقد أو التعالي عليه. وإنما تكمن المسألة في مدى مناقشة الحجج والشواهد التي يتضمنها، وفي بيان ما يُقبل منها وما يُرفض، وما يستدعي الرد أو التصحيح أو المراجعة. فإذا لم يجد الناقد في هذا النقد ما يستحق التصحيح أو المناقشة، أو الاستدراك أو رأى أن حججه لا تستدعي أي تعديل في موقفه السابق، فإن مقتضى الأمانة العلمية أن يوضح ذلك بالحجة والبرهان. أما تجاوز الاعتراضات الجوهرية وإغفالها من دون مناقشتها، إن ثبت ذلك، فيستدعي مساءلة منهجه النقدي ومدى التزامه بمعايير التوازن والموضوعية.
ومن بين الشواهد التي تستحق الوقوف عندها ما جرى في الندوة التي نظمها الملتقى العربي للفكر والحوار في برلين، عبر تطبيق “زووم”، في 14 يوليو 2026، وكانت مخصصة لمناقشة كتاب الدكتور أمين. فقد أثرتُ في مداخلتي بعض الملاحظات النقدية على الكتاب، وطرحتُ جانباً يسيراً من القضايا التي توسعنا في تناولها لاحقاً في ردّنا المنشور. وجاء رد الدكتور أمين آنذاك متضمناً الشكر والتقدير لما طرحته، وقال: “بعض ما أورده الأخ عبد الله جديد عليَّ”. وتنبع أهمية هذه العبارة من دلالتها المباشرة على أن بعض الملاحظات التي طُرحت في الحوار كانت جديدة على الدكتور أمين. غير أن الإقرار بجِدّة بعض الملاحظات لا يعني، في حد ذاته، قبولها أو التسليم بصحتها؛ وإنما يفتح الباب أمام سؤال مشروع عن كيفية التعامل معها لاحقاً، وما إذا كانت قد حظيت في التعقيب المنشور بالمناقشة التي تستحقها. ومن هنا، تبرز مجموعة من الأسئلة: كيف يمكن قراءة استجابة الدكتور أمين في الندوة على ضوء تعقيبه اللاحق على مقالاتنا؟ وهل تناول في تعقيبه تلك الإضافات، وناقشها بالحجج والشواهد، أم تجاوزها من دون بيان موقفه منها؟ وما الذي تكشف عنه المقارنة بين الموقفين بشأن طبيعة تعامله مع النقد الموجّه إلى كتابه؟ والسؤال الأهم: هل يتعامل الناقد مع النقد الموجّه إليه بوصفه فرصة لفحص أفكاره ومراجعتها، أم ينحصر في الدفاع عن موقفه السابق؟
لا أطرح هذه الأسئلة لمجرد تسجيل اختلاف بين موقفين، ولا لأجعل من الإقرار بالجديد معياراً وحيداً للحكم على قيمة التعقيب، وإنما لأن الحوار النقدي يقتضي فحص الأفكار المطروحة، وبيان ما يُقبل منها وما يُرفض، وتسويغ ذلك بالحجة، مع التحلي بالتواضع المعرفي والاستعداد للمراجعة. فليس مطلوباً من أي باحث أن يوافق على جميع ما يقدمه ناقدوه، لكن من مقتضيات الممارسة العلمية أن يناقش الاعتراضات الجوهرية، وأن يوضح مواضع الخطأ فيها، أو يقرّ بما يستحق المراجعة والتصحيح. وعلى هذا الأساس، فإن ما يعنيني في هذا التعقيب ليس إصدار حكم على الدكتور أمين، وإنما فحص استجابته النقدية في ضوء ما طرحناه من حجج وشواهد، ومقارنة ما قاله في الندوة بما كتبه لاحقاً، والوقوف على القضايا التي تحتاج إلى توضيح أو تصحيح أو مناقشة، فضلاً عن المسائل الجوهرية التي أغفلها في تعقيبه. فمن خلال هذا الفحص يمكن تقدير مدى اتساق موقفه النقدي، ومدى استجابته لمقتضيات الحوار العلمي الذي يجعل من النصوص والحجج، لا من مكانة أصحابها أو مواقفهم المسبقة، أساسًا للمناقشة.
وخلاصة الأمر، أن الناقد الذي لا يرى في النصوص التي يناقشها إلا ما يؤيد حججه ومواقفه المسبقة، ويتغاضى عما قد يناقضها أو يستدعي مراجعتها، ثم لا يجد في نقد موسع قُدّم إليه، بلغ (57,558) كلمة، ما يستحق الاستدراك أو التصحيح أو إعادة النظر، أو يتجاوز ما طُرح عليه من أفكار جديدة دون مناقشتها، يضع منهجه النقدي ومدى التزامه بالمعايير العلمية موضع مساءلة. وهذا ما يستدعي منه التواضع أمام الحق، والاستعداد لمراجعة موقفه، والتحقق من مدى اتساق ممارسته النقدية مع مقتضيات التوازن والموضوعية.
ما أغفله الدكتور أمين في تعقيبه من نقدٍ مستحقّ

لا يقتصر هذا التعقيب على مناقشة ما أورده الدكتور أمين من آراء واستنتاجات في قراءته لفكر محمود محمد طه، وإنما يمتد إلى مساءلة جوانب أغفلها تعقيبه، وكان تناولها مما يقتضيه المنهج العلمي وأمانة التعامل مع النصوص. ومن أبرز هذه الجوانب ما يتصل بطريقة نقله لنصوص محمود محمد طه، ومدى التزامه بسياقاتها الأصلية، فضلًا عن موقف طه من التصوف، الذي سنعود إلى تناوله لاحقًا. كما نتوقف عند ما يترتب على إغفال هذه المسائل من آثار في بناء الاستنتاجات وتوجيه دلالات النصوص. وسنورد، في هذا السياق، شواهد نصية محددة تتيح للقارئ الوقوف على مواضع الخلل ومناقشتها، لا لمجرد تسجيل الملاحظات، وإنما لإقامة النقد على الدليل، وإبراز ما يستحق المراجعة في قراءة الدكتور أمين.

أولاً: إقحام الدكتور أمين مفردة “للأبد” في فكرة طه بلا حقٍّ ولا سندٍ نصيّ: ألا يستحق ذلك اعتذاراً؟

سبق أن أشرنا إلى أن الدكتور أمين فارق الصواب وخالف مصادر الفهم الجديد للإسلام حين كتب في كتابه، قائلاً: “ونلاحظ أن فكرة محمود طه بأن آيات الإسماح المكية قد حان أوان تفعيلها في عصرنا لتصبح الرسالة الأصل والثانية للإسلام للأبد، …” (ص 188). وموضع الاعتراض هنا هو مفردة “للأبد”، التي أدرجها الدكتور أمين في عبارته ونسب، من خلالها، إلى طه معنى لم يثبت أنه عبّر عنه بهذه الصيغة. ولم يكتب طه ولم يقل إن الرسالة الثانية من الإسلام ستصبح الرسالة الأصل “للأبد”. ذلك لأن القول بـ “للأبد” يتناقض مع الفكرة المركزية للرسالة الثانية من الإسلام، لأنها، كما يرى طه، لا تطبق إلى الأبد، وقد فصلت ذلك في مقالاتي آنفة الذكر. وهنا يتجلى الخطر على أمن المعرفة وأمن الفكر. إن المسألة في واقع الأمر ليست خلافاً لفظياً عابراً؛ فإضافة مفردة واحدة إلى نص فكري قد تُحمّله دلالة لم يقصدها صاحبه، وتُفضي إلى بناء استنتاجات على صياغة لا تسندها نصوصه. ومن ثم، فإن الأمانة العلمية تقتضي التمييز بين ما قاله المفكر فعلاً وما يستنتجه الباحث من قوله، وألّا يُدرج الاستنتاج في صيغة توهم القارئ أنه جزء من التصور الأصلي لصاحب الفكر. وهذا خطر كبير على أمن المعرفة وأمن الفكر.
ومن هذا المنطلق، يحق لنا أن نتساءل: ما مصدر إضافة مفردة “للأبد” إلى هذا التصور؟ وعلى أي نص من كتابات طه أو أحاديثه استند الدكتور أمين في إيرادها؟ وإذا كانت المفردة من صياغته هو، لا من نصوص طه، أفلم يكن مقتضى الأمانة العلمية أن يوضح ذلك، أو أن يصوغ العبارة بما يميّز استنتاجه الشخصي من قول صاحب الفكر؟ إن توضيح هذه المسألة، أو تصحيح النسبة إذا لم يكن لها سند نصي، هو ما يقتضيه النقد العلمي، وقد يستدعي الأمر اعتذاراً عن نسبة ما لم يقله المفكر إليه، بحسب ما تكشف عنه مراجعة المصادر. غير أن الدكتور أمين، بدلاً من الاعتراف بالخطأ وتصحيح النسبة، آثر اللجوء إلى المغالطة، متجاوزاً بذلك جوهر المسألة المطروحة، وهي المطالبة بسند نصي يثبت أن مفردة “للأبد” تعبّر عن قول طه، لا عن صياغة أضافها هو إلى فكرته. وهكذا انتقل النقاش من مقتضى التحقق من صحة النسبة إلى مسار آخر لا يجيب عن السؤال الأصلي ولا يرفع مسؤولية إثباتها. وفي مثل هذه المسائل، لا يجدي التعالي على النقد، وهو ما اختاره الدكتور أمين، ولا يُغني الإصرار على الموقف عن الاحتكام إلى الدليل؛ فالمعيار هو الحق، والرجوع إليه فضيلة، وتصحيح الخطأ حين يتبيّن ليس انتقاصاً من صاحبه، بل هو من مقتضيات الأمانة العلمية وشجاعة المراجعة. بل إن تنبيه الكاتب إلى خطأ ارتكبه، وإقامة الدليل على ذلك، يضعانه أمام مسؤولية علمية وأخلاقية تقتضي منه الاعتراف بالخطأ، والاعتذار عنه عند الاقتضاء، وتصحيح ما أورده بما يرفع الالتباس ويعيد الأمور إلى نصابها. فليس من الأمانة العلمية أن يُصرّ الكاتب على موقفه بعد أن يُقدَّم إليه الدليل الذي يستوجب مراجعته، أو أن يتغافل عن حجة سبق أن عُرضت عليه في نقدٍ سابق، أو أن يتجاوز ما وُجّه إليه من نقد دون أن يجيب عن جوهره. فالدليل الذي سبق عرضه لا يفقد حجيته لمجرد عدم الرد عليه، ولا يُعفي تجاهله صاحبه من مسؤولية مراجعة موقفه في ضوئه.

ثانياً: لم يكتفِ الدكتور أمين بإضافة مفردة “للأبد” من عنده، بل وظّفها في بناء مقارنة مضلِّلة

سبق أن كتبنا في نقدنا للدكتور أمين أن إقحامه مفردة “للأبد” لم يكن مجرد إضافة لفظية عابرة، وإنما قام بتوظيفها في إجراء مقارنة بين المفكر محمود محمد طه والإمام بدر الدين الزركشي (1344–1392م) بشأن النسخ، مستنداً إلى كتاب الزركشي البرهان في علوم القرآن، الجزء الثاني. وقد أوردنا حينها أن هذه المفردة أدّت دوراً أساسياً في بناء المقارنة وتوجيه نتيجتها، إذ جعلت تصور طه يبدو وكأنه يقرر أن آيات الإسماح المكية ستصبح الرسالة الأصل والثانية من الإسلام “للأبد”، في مقابل ما عرضه الدكتور أمين من رأي الزركشي بشأن التأجيل لحين الوقت، كتب الدكتور أمين: “ونلاحظ أن فكرة محمود طه بأن آيات الإسماح المكية قد حان أوان تفعيلها في عصرنا لتصبح الرسالة الأصل والثانية للإسلام للأبد، تختلف عن رأي الزركشي الذي أعتقد أن آيات الإكراه والقتال المدنية هي الأصل وتظل سارية المفعول ما دامت المجتمعات الإسلامية في وضع أقوى، كما يمكن تأجيلها في حالة الضعف وتفعيل آيات التسامح إلى أن تتم استعادة القوة حين يسمح الوقت بعودة أحكام الجهاد والقتال مرة أخرى” (ص 189).
وتكشف هذه المقارنة عن إشكال منهجي يتجاوز مجرد إضافة مفردة إلى نص أو فكرة؛ إذ أصبحت مفردة “للأبد” عنصراً مؤثراً في بناء المقارنة وتوجيه نتيجتها. فقد وضع الدكتور أمين تصور طه في مقابل ما نسبه إلى الزركشي من ربط تفعيل بعض الأحكام بحال القوة والضعف، مستنداً في عرضه إلى عبارتي “كما يمكن تأجيلها” و”حين يسمح الوقت”. وبذلك جعل المقارنة تبدو وكأنها مفاضلة بين تصور يثبت آيات الإسماح المكية إلى الأبد، وتصور آخر يعتمد التأجيل والإرجاء لحين مجيء الوقت. غير أن هذا البناء يثير سؤالاً جوهرياً: هل تستند نسبة هذا التحديد الزمني المطلق إلى طه إلى نص صريح من كتاباته أو أحاديثه، أم أنها إضافة من الدكتور أمين أدخلها في صياغة الفكرة، ثم وظّفها في المقارنة؟ إن إدراج مفردة “للأبد” على هذا النحو ليس أمراً محايداً؛ لأنه يحمّل الفكرة دلالة محددة، ثم يجعل هذه الدلالة أساساً للحكم على اختلافها عن تصور الزركشي. وإذا لم يكن لهذه المفردة سند نصي، فإن المقارنة تكون قد بُنيت، في أحد عناصرها الأساسية، على نسبة تحتاج إلى إثبات.
نلتقي في الحلقة الثانية (2- 4).

الدكتور عبد الله الفكي البشير
abdallaelbashir@gmail.com

Author

عبدالله الفكي البشير

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
وداعًا أمير البورتريه وسلطان الواقعيّة
منى عبد الفتاح
أزمة النساء :ولو جِيء بشعراء الجاهلية … بقلم: منى عبد الفتاح
مسارب الخروج من المحنة
منبر الرأي
مبارك أردول يرد على ضياء الدين بلال
منبر الرأي
الذهب والدم السوداني: قراءة في جرائم قصف الطيران المصري لمناجم العقيدات السودانية وتواطؤ سلطة الأمر الواقع

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

الخصومة في مهدية السودان، وصيّة أبي سليم الأخيرة

الرشيد خليفة
منبر الرأي

تحالف قوي الجبهة الوطنية المتحدة للتغيير (تقاوم): بيان ترحيب بإنضمام حركة القيادات التاريخية لتحالف ( تقاوم)

طارق الجزولي
منبر الرأي

الطائفية أفيون بعض الأنظمة .. بقلم: عمر العمر

عمر العمر
منبر الرأي

مازالت شعارات وأهداف ثورة ديسمبر حية

تاج السر عثمان بابو
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss