ستؤدي الجريمة التي اقترفها تحت عدسة الكمرات السوداني هادي العديد (او العضيد؟) لردة فعل متوقعة من قبل اليمين المعادي للهجرة في اوروبا وامريكا. وللنزعات المعادية للهجرة اسباب مفهومة – في ظل عالم تعولمت فيه الهجرة بصورة متسارعة في ظل ازمات متلاحقة وحروب طويلة في بلدان عدة من سوريا الى الكونغو- واخرى متعلقة برفض خاص للهجرة من العالم الثالث وافريقيا لاسباب ثقافية واثنية.
في المقابل تسببت الحرب في السودان، ومن قبلها الازمات السياسية والاقتصادية المتطاولة، في جعل الهجرة ضرورة مرة فرضت على ملايين السودانيين. انتهى الحال بكثير منهم في امريكا واوروبا حيث الازمة ضد المهاجرين على اشدها.
مثل هذا الحال الصعب يحتاج لترتيب جماعي ودبارة تتجاوز مجرد التشبث Survival لتحقيق اختراق في السردية المفروضة ككل.
على سبيل المثال هنا في امريكا حيث اعيش واراقب عدد من الجاليات، يمكن القول ان الكثير من الفعل الايجابي قد تحقق بحكم تجذر ثقافة الصلة الاجتماعية عند السودانيين، الامر الذي تحول لتكون تلقائي ل”جاليات” في كل مدينة امريكية كبرت او صغرت. لكن يلاحظ كذلك توقف هذا التنظيم عند عتبة الصلة الاجتماعية الاولية: دار ولقاءات دورية غالبا ترفيهية. وتلك بالطبع حاجة انسانية اصيلة ومحترمة، بل وجميلة.
لكن اذا نظرنا لردة الفعل في الشارع في بلفاست اليوم، وتركيز الادارة الامريكية على السودانيين في كل قوائم المنع خلال العشر اعوام الماضية (هذا بخلاف وضع بلدنا الام وعجزنا كجالية على تحقيق اي اختراق حقيقي في علاقة الغرب بالسودان، فيما عدى العمل الانساني)، فاننا يمكن ان نلاحظ ان مجرد اللقاء الاجتماعي للترفيه لم يعد كافيا لحماية اوضاعنا ماديا و ثقافيا في المهجر. ولزم توسيع العمل الاجتماعي والتنظيم في اتجاهين:
١. تجويد التنظيم كمجتمع مدني امريكي سوداني. بمؤسسات لها افرع متعلقة بالدعم القانوني، اللوبي، والخطاب العام Public Relations. بحيث تتمكن شبكة المهاجرين السودانيين الامريكيين من حماية مصالحها بصورة منهجية وتحسين صورتها عبر نشر المعلومة الصحيحة عن اصلنا بدل ان نكون ممكن يَتحدث باسمنا الاجنبي صليحا كان ام عدوا.
٢. السعي للمساهمة بصورة فعالة في المجتمات التي نجد انفسنا فيها بصورة ايجابية. على سبيل المثال تنظيم ايام شهرية لاطعام الفقراء او ايام اجتماعية مفتوحة للتعريف بثقافتنا واطعمتنا الخ للامريكيين ممن لا يعرفون عن السودان غير الاسم. تقوم المؤسسات غير الربحية في امريكا بدون ثنائي، خذ على سبيل المثال المستشفيات الانجيلية او اليهودية، هي اولا علامة على حسن ظليل في قلب الثقافة المعطاءة لاجل الرب وعبره، وثانيا هي رسالة للمجتمع العام عن رغبة هذه الثقافة في الوجود الايجابي داخله. ليس من المضر جر العمل الخيري السوداني خطوة خطوة للوصول لمستشفى صوفي او اسلامي سوداني يعبر عن هكذا نزعة داخل مجموعة مهاجرة لم تات لتأخذ فقط. و التركيز على خطوة وبخطوة بلا مبالغات.
وجب التذكير كذلك ان تحسين التنظيم لن يكون بغرض الدفاع عن النفس فقط بل وكذلك سيكون له مترتبات ايجابية على حياة السودانيين اليومية: على سبيل المثال اذا اخذنا وضع بعض الجاليات الافضل تنظيما مثل المسلمين الاسيويين في تكساس، او الارمن في كاليفورنيا، او اليهود الامريكيين عموما، فسنجد ان تحسين التنظيم لم ينعكس ايجابا على نظرة المجتمع الامريكي لهم كجزء من النسيج لا ضيفا عليه فقط، بل وكذلك انعكس – في شكل مدارس دينية و اثنية او مجمعات ثقافية ومراكز اكاديمية الخ- الى منفعة حقيقية للفرد واسرته. نحتاج لمدارس سودانية ومجمعات دينية متصوفة ان لم نقل مساجد، وغيرها من مؤسسات الحياة العامة لنحافظ ليس فقط على الجزء الامريكي من الهجرة، بل والسوداني كذلك. (والسوداني هذه ليست قيمة سرمدية تبقى بغض النظر، بل هبة وبذرة اصل تحتاج في الهجرة لعمل مضاعف لتبقى وتتأقلب بدل ان تتندثر).
هنالك خياران امام السوداني في القرن الحادي والعشرين، وفي كل مكان: اما التفرج على واحدة من اكثر مآشي الانسانية توحشا، وفعل هادي في بلقاست سطر واحد فيها، واما الاقبال على الحياة بصورة افضل، واكثر منهجية وحداثة، من التنكب الذي اوصلنا لهذه المرحلة.
محمود المعتصم
mahmoud.elmutasim@gmail.com
