أتابع منذ فترة ما يكتبه د. صديق الزيلعي حول رؤيته الإصلاحية لتجديد الحزب الشيوعي، وهي رؤية لا أختلف معها في مجملها. كما أن اهتمامي بهذا الموضوع يأتي في إطار اهتمام أوسع بقضية الإصلاح الديمقراطي للأحزاب الوطنية، وهي ضرورة أصبحت أكثر إلحاحًا بعد أن أشعل نظام الإنقاذ حربًا لا تُبقي ولا تذر، وكشفت حجم الأزمة التي تعانيها النخب والتنظيمات السياسية.
عرفت الزيلعي منذ أن كنا طلابًا بالجامعة، ثم توثقت المعرفة بعد عمله أستاذًا بالمدرسة الصناعية بعطبرة. وقد دعاني للمساهمة في كتابه “هل يمكن تجديد الحزب الشيوعي؟”، لكنني اعتذرت عن المشاركة، لاعتقادي أن إصلاح الحزب الشيوعي أصبح أقرب إلى “النفخ في قربة مقدودة”، إذا جاز لي استعارة التعبير الذي استخدمه صديق نفسه في أحد مقالاته الأخيرة. واكتفيت آنذاك بتزويده ببعض وثائق للدكتور محمد محمود.
وجاء جانب من هذه القناعة من معايشتي لتجربة الراحل الخاتم عدلان، الذي وُجهت إليه اتهامات بالكذب والاختلاس قبل إعلانه الاستقالة من الحزب. وقد حرص الخاتم على نشر جانب من مراسلاته مع سكرتارية اللجنة المركزية (سلم) لتوضيح حقيقة تلك الاتهامات، لأنه أدرك أن مصداقيته الشخصية أصبحت على المحك، وأن الدفاع عن نفسه واجب لا بد منه في مواجهة حملة استهدفت سمعته. ولا أنسى قوله لي، في مكالمة هاتفية من لندن، وبصوت يملؤه الأسى، عند قراره الاستقالة: “لا يوجد داخل الحزب إلمام مناسب بالماركسية التي تُقيَّم على أساسها المناقشة العامة.”
وكما اضطر الخاتم إلى نشر بعض الوثائق الحزبية لإثبات أن خروجه من السودان كان قرارًا اتخذته سكرتارية اللجنة المركزية وليس قرارًا شخصيًا، ولتصحيح ما أثير حول الأموال التي اتُّهم باختلاسها، أجد اليوم أن د. صديق الزيلعي يخوض مخاطرة مشابهة عندما يجهر بآرائه خارج الأطر التنظيمية التي تحددها لائحة الحزب، والتي تقضي بأن يكون الحوار داخل مؤسسات الحزب لا في المجال العام، وتجعل مخالفة ذلك سببًا قد يؤدي إلى الفصل.
غير أن الزيلعي، الذي أفنى جزءًا كبيرًا من حياته في خدمة وطنه من خلال عضويته في الحزب الشيوعي، وفي وقت يحترق فيه السودان، لم يرَ أن الصمت خيارًا ممكنًا. فقد ظل مناضلًا عنيدًا يحظى باحترام كثيرين، سواء اتفقوا معه أم اختلفوا.
وفي مقاله الأخير، تحدث د. الزيلعي عن طبيعة ما يتعرض له من هجوم من بعض اعضاء الحزب، ويبدو أن الرجل يواجه قدرًا ما من التجريح والاغتيال المعنوي. وأرى أن جانبًا من هذا السلوك يعكس عقلية جماعية تُغلِّب الانتماء التنظيمي على الحوار النقدي، فلا تنشغل بمناقشة الحجج التي يطرحها بشأن تجربة الحزب، أو مواقفه من التحالفات بعد ثورة ديسمبر، أو دعوته للإصلاح الديمقراطي، أو نقده للمركزية الديمقراطية التي يرى أنها تمنح القيادة سلطة واسعة على حساب حرية العضوية والمشاركة في صنع القرار.
إن المشكلة، في تقديري، ليست في صحة أو خطأ كل ما يقوله الزيلعي، وإنما في رفض مجرد حقه في طرح هذه الأسئلة علنًا. فكيف يجرؤ على ذلك ؟
وهذه ظاهرة عرفها التاريخ مرارًا؛ فالسلطات الفكرية والتنظيمية كثيرًا ما انشغلت بمعاقبة من يطرح السؤال أكثر من انشغالها بالإجابة عنه. ويكفي أن نستحضر تجربة جاليليو، الذي وجّه منظاره إلى السماء باحثًا عن الحقيقة، بدلًا من الاكتفاء بما استقر في النصوص الموروثة.
إن التنظيم الذي يقدّم الطاعة على النقد، والانضباط على حرية التفكير، معرض لأن يتحول إلى بيئة تُهمَّش فيها مسؤولية الضمير الفردي لصالح يقين جماعي قد يكون خاطئًا. فالضمير لا يمكن تفويضه للجماعة، ولا يُعفى الفرد من مسؤوليته الأخلاقية لمجرد أنه كان جزءًا من الأغلبية أو ملتزمًا بقرار التنظيم.
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
