الجريدة هذا الصباح..
إذا أغلقت حكومة بورتسودان الباب أمام التعاون، فهذا يمنح حكومة “تأسيس” بطاقة قبول لدى الدول الأوروبية التي ربما تتعامل معها “حكومة أمر واقع”، مما يفتح الباب أمامها لتسويق نفسها دولياً كـ”شريك إنساني”.
أطياف
صباح محمد الحسن
تعنّت إضافي!!
طيف أول:
أحلام العزلة التي ظلّت شاخصة،
أصبحت تتثاءب، أرهقها المكوث مطوّلاً، تلاحق الظل قبل بدئه،
وتسامر التيه في كل ذاكرة عابرة!!
وستظل الحكومة السودانية الفاقدة للشرعية تدفع عنها آثار العزلة الدولية، التي تصطدم بجدارها كل مرة. ففي كل محفل دولي تجد نفسها مضطرة لخوض معركة على الشرعية والتمثيل في الساحة الدولية، وتحاول البحث عن مقعد لها في المكان الخطأ، فلا يمكن أن تكون حكومة بورتسودان شريكاً دولياً في ساحة التقاء دولي لا تقر ولا تعترف بوجودها.
وبالأمس سلّمت سفيرة السودان في برلين، إلهام إبراهيم، مذكرة رسمية إلى وزارة الخارجية الألمانية، نقلت خلالها موقف حكومة السودان الرافض لعقد مؤتمر برلين حول السودان دون مشاركة الحكومة وموافقتها والتشاور معها في كافة الترتيبات. وقالت الخارجية في تعميم صحافي إن السفيرة أكدت التزام السودان بالحل السلمي العادل والمستدام وفق خارطة الطريق التي قدّمها رئيس مجلس السيادة الانتقالي في مارس 2025، وما تلاها من مبادرة السلام التي طرحها رئيس الوزراء أمام مجلس الأمن.
ولا أدري لماذا تفترض الحكومة أنها الطرف الأساسي الذي يجب أن يُعترف به في أي عملية سياسية، وتعتقد أن تجاوزها يضعف فرص نجاح أي مبادرة دولية، مما يدفعها إلى كتابة هذه المذكرات الرافضة أو المعترضة على قيام هذه المؤتمرات.
ولكن، طالما أن المانحين والدول الغربية، خاصة ألمانيا والاتحاد الأوروبي، ينظرون إلى الحكومة السودانية الحالية باعتبارها طرفاً في النزاع لا وسيطاً محايداً، فقد قرروا إقصاءها من مؤتمرات السلام بحجة أنها مسؤولة عن استمرار الحرب والانتهاكات، وأن إشراكها قد يعرقل أي مسار تفاوضي أو إنساني. واعتبار الحكومة “جزءاً من ميدان الحرب” يعني أن المانحين يحمّلونها مسؤولية مباشرة عن الكارثة الإنسانية، وبالتالي لا يرونها مؤهلة لتكون شريكاً في صياغة الحل. ومشاركتها قد تُفسَّر كإقرار بدورها في استمرار النزاع سواء عبر العمليات العسكرية أو عرقلة وصول المساعدات.
بهذا تكون مشكلة الحكومة لا تحتاج إلى مذكرات رفض للمؤتمر؛ فالذي يرفض هو من تُقدَّم له الدعوة، ولكن لا قيمة لرفض جهة لم تُدرج أصلاً في قائمة الحسابات.
والمعلومات الواردة تشير إلى أن الحكومة السودانية دفعت بطلب لدول عربية كي تتوسط لها لدى الدول الأوروبية للسماح لوزير الخارجية بالمشاركة، لكن ألمانيا رفضت هذه الوساطة. لذلك خرج الوزير يتساءل: (هي ألمانيا علاقتها بالسودان شنو؟).
ولكن، هل عدم قبول حكومة بورتسودان لدى الأوروبيين يمنح حكومة “تأسيس” بطاقة قبول عند هذه الدول التي ستتعامل معها كحكومة أمر واقع؟ هذا الاتجاه هو ما يقلق حكومة بورتسودان،
لذلك قالت السفيرة:
(إن استبعاد حكومة السودان، المسنودة بالغالبية العظمى من الشعب السوداني) “عليك النبي”!!
اسبعادها تحت دعاوى المساواة بين الدولة الوطنية ومؤسساتها الشرعية ومليشيا إرهابية، يسهم في تقويض الدولة الوطنية وتشجيع قيام كيانات موازية، ويفرغ مداولات المؤتمر من أي قيمة عملية، ولن يقود إلى تحقيق السلام أو الاستقرار.
فهذا التباهي بالأغلبية والشعبية والخوف من “كيانات موازية” يكشف جلياً أن حكومة “تأسيس” منحت الضوء الأخضر للمرور على الطريق الدولي. فهناك حاجة ملحّة لإيصال المساعدات إلى ملايين المدنيين داخل السودان، فإذا أغلقت حكومة بورتسودان الباب أمام التعاون، سيبحث الاتحاد الأوروبي عن البديل. لذلك ستحظى حكومة “تأسيس” بالقبول كخيار مطروح، لأنها تسيطر على مناطق واسعة وقد تعرض نفسها كقناة لتسهيل وصول الإغاثة.
والتعامل مع “تأسيس” قد يكون بشكل تقني أو عبر وسطاء الأمم المتحدة، رالمنظمات الإنسانية لضمان وصول الإغاثة، دون أن يمنحها اعترافاً سياسياً كاملاً. لكن هذا بلا شك يفتح الباب أمامها لتسويق نفسها دولياً كـ”شريك إنساني”، وهو ما قد يضعف موقف حكومة بورتسودان أكثر، وهذا هو السبب الذي يجعلها قلقة ومتوترة.
فبهذا الرفض، الذي يُفسَّر تعنّتاً إضافياً، تعزز الحكومة صورتها كطرف معرقل للسلام، مما يضعف فرص قبولها سياسياً.
وبالنسبة لهم، المؤتمر صُمم لتجاوز الحكومة لأنها تُعتبر جزءاً من الأزمة، وبالتالي رفضها يُثبت صحة هذا التصور.
وليس لرفض الحكومة السودانية قيمة؛ فمؤتمر برلين مؤتمر إنساني يخص الشعب السوداني، ويمكن أن يُقام حتى ولو لم تكن هناك حكومة في بورتسودان.
طيف أخير:
لا_للحرب
قالت المصادر إن المجموعة التي تم حشدها للتظاهر ضد مؤتمر برلين دفعت لهم حكومة بورتسودان التكاليف المالية عبر وسيط دبلوماسي، وأن حصة الفرد 300 يورو بالإضافة إلى 150 يورو ثمن تذكرة القطار.
هذا وما ورد ذكره يؤكد أن الحكومة ترهق نفسها مالياً ودبلوماسياً وإعلامياً لهزيمة المؤتمر في ساحة مشهد خسرت فيه كل شيء!!
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم