تلفزيون السودان وعودة الروح .. بقلم: عبدالله مكاوي
المشاهد لتلفزيون السودان في الفترة الاخيرة، اول ما يلحظه هو التحول الحقيقي للتعبير عن شعارات الثورة، لدرجة تشعر وانت امام الشاشة وكأنك عدت بعد غربة طويلة الي حضن الوطن، او استرديت الوطن المختطف عنوة واقتدار. ورغم جهلي بالجانب الفني من اضاءة وديكور واخراج وغيره، إلا ان الوجوه المستضافة والمضيفة وطبيعة الحوارات ودسامة المحتوي ترد الروح. وهذا غير الفواصل الموسيقية والصور المعبرة والشعارات المصاحبة، فكلها تنعش الوجدان وتسترجع اجواء الثورة وبما فيها الحزن النبيل المرتبط بشهداء الثورة والجرحي والمغيبين. والمحصلة، تجدك فاغرا فاهك امام الشاشة وانت غير مصدق، ان هكذا برامج ومشاهد يمكن ان تخرج من جوف تلفزيون كان اشبه بالبركة الآسنة، او وكر لمخابرات النظام، تنسج فيه مؤامراتها وتبث فيه سمومها وتزييفها المفضوح للحقائق. اي ما كان يسمي بالتلفزيون الرسمي او الرسالي او (القناة الطاهرة؟!)، هو بالضبط ما يشعرك بتحول هكذا جهاز من الحس الاعلامي الفني الابداعي الي الوجهة المصطنعة او النسخة الطاردة من الاعلام! والذي يصيبك بالغثيات والاحتقار من شدة تيبسه وخواءه والطريقة الآلية في تقديم برامجه وبرمجة مذيعيه وكانهم ربوتات او كائنات فضائية بعيدة عن الواقع والواقعية. خاصة وهي تؤدي ادوار مدفوعة الاجر من دون اي اضافة او مجرد حضور، وعندما يضاف الي ذلك مادة معدة مسبقا، ولا تعبر إلا عن كذب صراح، يستفز المشاهد اكثر من قدرته الساذجة علي محاولة اقناعه. فعندها لا محالة ستجدنا امام مهزلة حامضة وهدر للموارد وضياع للزمن، او كما سبق امام قناة طاردة ليس لها الا ان تطاردها سخرية ولعنات المشاهدين، وهذا بالطبع اذا صادف حظهم العاثر التعرض لها. وهذا ما يدفع للقول ان جهاز التلفزيون (الرسالي/الطاهر، حسب طريقتهم المخادعة في وصف الامور او تعاطيهم المستهتر مع الشعارات)، ما هو إلا نموذج لنوعية الاعلام المبتذل والاعلاميين المنحطين، وهو ما يتوافق بالطبع مع وهمية مشروعهم الحضاري/الرسالي. والحال كذلك، المشاريع الوهمية ليس امامها سوي انتاج وتسويق الاوهام، وهذا ليس للآخرين المستهدفين فقط، ولكن المفارقة ارتداد الاوهام لتجعلهم انفسهم تحت سيطرتها، او ضحية لسحرها وقدرتها الاسطورية لتبرير كل ما لا يمكن تبريره، وتاليا اطمئنانهم علي احتكار الامتيازات من غير وجه حق، او موت الضمير بشكل مريح. وهو ما يؤكد المرة تلو الاخري ان المشاريع المزيفة شبيهة بالرمال المتحركة، والتي بعد ابتلاع الدولة والمجتمعات، تذهب مباشرة لابتلاع صناعها ومؤيديها، وهنا قد ينطبق عليها تعبير هيجل الشهير عن مكر التاريخ.
لا توجد تعليقات
