تَخرِيمَات وتَبرِيمَات حول العَوَالِيق والعُوقَات والرَّبَّاطَة

بسم الله الرحمن الرحيم و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد.

العَوَالِيق و العُوقَات و الرَّبَّاطَة من لسان أهل السودان ، و هي صفة الجمع للمفردات: العُولَاق و العُوقَة و الرَّبَّاط على التوالي ، و ما دفع صاحبنا إلى التَّبرِيم و التَّخرِيم في معاني هذه المفردات هو التمثيل الزآئد/الطاغي لهذه الجماعات و سيطرتها/هيمنتها على الساحات: السياسية و العسكرية و الأمنية و الإقتصادية و التعليمية و الطبية و الإعلامية و الغنآئية و الإجتماعية ، و إنتشارها و تفشيها بصورة خآصة و وبآئيه وسط جماعات: الفواقد التربوية و السواقط الحزبية و المجتمعية و الديناصورات الإعلامية…
و العولاق تعني الشخص التافه الذي يفتقر إلى التهذيب و المظهر الحسن ، و العُوقَةُ تعني الشخص الفاشل عديم الفآئدة ، أما الرَّبَّاط فهو المجرم قاطع الطريق الذي يُرَوِّعُ الناسَ ، و ينهبهم و يسلبهم أشيآءهم…
و الشخص العولاق يفتقر دوماً/كثيراً إلى النظام و التنسيق في الملبس و السلوك ، مما يجعل مظهره مَبَهدَلاً و مُبَشتَناً ، و نتيجة لذلك و السلوك الغريب المصاحب فإن العولاق يُعَدُّ في زمرة الأشخاص التافهين ، و ضمن قوآئم الشخصيات النكرة التي لا قيمة مجتمعية لها ، و الشاهد هو أن العواليق لا يحظون بالإحترام ، و لا يُعتَدُ بهم و بأرآءهم ، و هم مدعاة/عرضة للسخرية و الإستهزآء…
و العُوقَةُ ، بضم العين ، في قاموس الشعوب السودانية يعني الشخص الذي قعدت به ملكاته الذهنية/العقلية عن بقية أقرانه و جمهور الناس ، و قَصُرَت/عَجِزَت عن التعامل السوي مع متطلبات الحياة بالصورة المطلوبة/المعقولة ، و نتيجة لذلك فإن العوقة أشترٌ في حديثه و أرعنٌ في تصرفاته ، أما المعاجم الأعرابية فقد عَرَّفَت العَوقَة ، بفتح العين ، على أنه الشخص الذي لا خير فيه ، و الذي يعوق الناس عن الخير ، و الشخص الجبان ، و كذلك الأمرُ الشاغلُ ، و جذر الإسم عُوقة هو عَاقَ ، و من تصريفاته أعاقَ و عَوَّقَ يعوِّقُ تعويقاً ، فهو مُعوِّقٌ ، و المفعولُ به مُعوَّقٌ ، و يقالُ عَوَّقَ فلانٌ فلانَ عن عمله ، أي شغله عنه ، و عَاقَ فلانٌ فلانَ عن الشيء أي منعه و صرفه عن القيام به ، و عوآئقُ الدهرِ هي شواغلُه و أحداثُه…
و الرَّبَّاط في قواميس و أدبيات أغلب المجتمعات/الشعوب هو الشقي المجرم قاطع الطريق الذي ينتهج العنف كوسيلة/كأداة لقطع الطريق و إدخال الرعب في قلوب المارة ، و من ثم نهبهم و سلبهم أموالهم و ممتلكاتهم ، و رَبَّاط على وزن فَعَّال و هي صفة المبالغة ، و كذلك الحال مع الرَّبَّاط الذي يبالغ في ترويع الناس و أذاهم ، و لكن عموماً فإن الفعل ربَطَ يعني شد الأشيآء إلى بعضها البعض كما الحال مع: الوثاق و الأحزمة و الحقآئب و الأماكن و الأفكار و الأحداث و القلوب ، و الربط في هذه الأحوال يفيد الإحكام و الوصل و التوحيد و الشدة و التقوية و الإلتزام و المواظبة و الصبر ، و من معاني الربط الأخرى: عمل السحر الضار و المنع/الإمتناع و التأخير ، و لكن ما يعنينا من الربط في هذا المقال هو معاني الربط الغير إيجابية مثل المنع و التأخير و كمون الشخص و إختفآءه في مكان لا يُفطَنُ له و إدخال الرعب في قلوب الآخرين و إلحاق الضرر بهم مما يتسق و يتفق مع أفعال الرَّبَّاطَة الأشقيآء اللصوص قاطعي الطريق الذين يلجأون إلى المفاجأة و إستخدام العنف المفرط كأدوات و وسآئل لإثارة الرعب و الخوف بين جماعات المسافرين و المارة عابري الطرق ، مما يسهل عليهم عمليات السلب و النهب…
و يشتمل الإسمين عُولَاق و عُوقَة على أحرف: العين و الواو و اللام و الألف و القاف التي تشكل قوام المفردات: العُقُوق و العُقُقُ ، و العقوق مشتقة من العق الذي يعني القطع و الشق ، و العقوقُ نقيضٌ للوصل و الوُحدَة ، و العُقُقُ هم قاطعوا الأرحام ، و ما يذكر العقوق و العقق إلا و يقفز إلى الذهن عقوق الوالدين ، الذي يعني قطع الصلة بهما و عدم الإحسان إليهما و عدم إحترامهما و الإسآءة إليهما و إيذآءهما و لعنهما و سبهما ، و الإبن العاق لا يحظى بالقبول و الإحترام المجتمعي و ملعون دينياً ، فعقوق الوالدين من كبآئر الذنوب و أقبحها…
و الملاحظ أن نشاطات العَوَالِيق و العُوقَات و الرَّبَّاطَة و أثرها/آثارها على الأفراد و المجتمعات تشتمل على الكثير من التعريفات و الصفات الغير إيجابية التي جآء ذكرها في الفقرات السابقة ، و قد دلت التجارب و المعايشة أن ما يخرج و ينتج عن العُولَاق و العُوقَة غالباً ما يكون مؤذي و فاسد و عديم الجدوى ، و لا خير فيه ، و لا قيمة له ، و مدعاة للتعجب و الإندهاش و الإستغراب و الإستنكار و السخرية و الإستهزآء ، نسبةً لمخالفته طبيعة الأشيآء ، و لمفارقته المألوف و المعقول ، و نتيجة لهذه المخرجات السالبة و التوقعات الغير مطمئنة لنشاطات و سلوكيات العُولَاق و العُوقَة فهنالك ميل إلى و إجماع على عدم الوثوق في أو الركون إلى أو الإعتداد بالمقدرات الذهنية للعولاق و العوقة ، و قد جرت العادة على تقييمهم و تصنيفهم ضمن قآئمة جماعات: التافهين و الحمقى و المتخلفين عقلياً و المعاقين ذهنياً ، أما الرَّبَّاط فإن طبيعة نشاطاته الفاسدة ، المؤذية و المضرة تجعله/تضعه بجدارة في دآئرة الأشقيآء و المجرمين أعدآء السلم و المجتمع…
و قديماً ، في عالم ما قبل عصر الصوابية السياسية أو بُولِيتِكَال كُورِكتنِس إِرَا Political Correctness era ، كانت الناس تسمي الأشيآء بمسمياتها الحقيقية ، فالعولاق تافه ، و العوقة متخلف ذهنياً ، و الرباط شقي و مجرم ، كما يقال للأعور أعور ، و لكن مع تغير الأحوال و تطور المجتمعات أصبح من اللباقة و التصرف المتمدن تجنب إستخدام عبارات جارحة و غير لآئقة مثل: متخلف عقلياً أو معاق ذهنياً أو مجرم و غير صالح مجتمعياً ، بحسبان أنها تعابير غيرَ مقبولةٍ أخلاقياً ، و أنها تأريخ غير مشرف تحاول المجتمعات الإنسانية ، جاهدة و بكل الطرق ، تجاوزه و نسيانه و التنصل منه…
و قد إتجهت/لجأت الكثير من المجتمعات المتمدنة إلى تحريم و تجريم إستخدام عبارات: متخلف عقلياً و معاق ذهنياً و مجرم و غير صالح مجتمعياً ، بحسبان أنها معيبة تقلل من شأن أصحاب الإحتياجات الخآصة و المجرمين الذين هم ضحايا الظروف و المجتمع ، و تنحو إلى تهميشهم و إحتقار إنسانيتهم ، و ما يترتب على ذلك من: الإستهزآء و السخرية و الإسآءة و التنمر و إشانة/تشويه/تلطيخ السمعة و غيرها من المعاملات و التفاعلات الغير إيجابية ، كما أنها تدعو إلى تكريس التفرقة و التمييز السلبي ضدهم بسبب الظروف و الإحتياجات الخآصة ، مما يقود إلى المعاملة الغير متساوية/متكافئة و تفويت الفرص…
و هكذا فقد أصبح من اللباقة أن يقال للأعور أن إحدى عينيه غير سليمة!!! ، و أن يوصف الشخص ”المعاق“ على أنه صاحب إحتياجات خآصة ، أو من الأفضل و الأصوب إطلاق صفة صاحب إحتياجات إضافية عوضاً عن إحتياجات خآصة كما نصح بذلك المختصون/المتخصصون ، و كما أوصى بذلك الباحثون الذين أوجدوا المبررات و المسوغات لسلوك الرَّبَاطِين بحيث أصبحوا في خانة ضحايا المجتمع و التربية/التنشئة الغير سليمة و الظروف الإستثنآئية التي دفعتهم إلى دنيا الأشقيآء و المجرمين…
و هكذا ، و مع تطور المجتمعات الإنسانية و تمدنها و إحترامها و تبنيها لمباديء حقوق الإنسان و تضمينها كأساسيات في: مواثيقها و دساتيرها و قوانينها ، بالإضافة إلى تفعليها في جميع مناحي الحياة ، أصبح من غير المقبول و اللآئق التفرقة و التمييز ضد جماعات العواليق و العوقات و الرباطة في العمل السياسي و الإعلامي و الخدمة المدنية و العسكرية و الأمنية و النشاطات الإجتماعية و الفنية أو السخرية منهم أو تسفيه أرآءهم ، و نتيجة لذلك سقطت الكثير من التصنيفات و الممارسات و العقوبات ”اللاإنسانية“ الموجهة نحوهم ، و أصبح لهذه الجماعات حقوق و منظمات تدافع عنهم و تتولى شؤونهم ، كما سعت الدول و المجتمعات إلى معرفة الأسباب و الدوافع التي أدت إلى تصنيفهم ضمن الفئات المنبوذة و المحتقرة إجتماعياً ، كما اجتهدت في تدريبهم و إعادة تأهيلهم حتى يعودوا/يصبحوا أفراداً مفيدين و مساهمين في نهضة مجتمعاتهم ، و نتيجة لذلك تقلد بعض/كثير من العواليق و العوقات و الرباطة المناصب السيادية و التنفيذية و الإعلامية و الوظآئف العامة ، و نتيجة للتعاطف المجتمعي و سياسات التميز الإيجابي فقد أصبحت/أضحت/أمست/غدت جماعات العواليق و العوقات و الرباطة أوفر حظوظاً و أعظم نفوذاً بحسبان أنهم من ضحايا المجتمع و الظروف و أصحاب إحتياجات إضافية…
و الحمدلله رب العالمين و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد.

فيصل بسمة

fbasama@gmail.com

عن فيصل بسمة

شاهد أيضاً

مقدمة وواقع ونتآئج وأسئلة تبحث عن إجابات

فيصل بسمةfbasama@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد. …