تَرهيْبُ باريس والعِـلّةُ الخافـية .. بقلم: جمَال مُحمّد إبراهيْم


أقرب إلى القلب:
Jamalim1@hotmail.com

(1)

      إن الهجمات الدامية على مواقع في العاصمة الفرنسية ، وبكل المقاييس،تعتبر  طعنة قاسية طالت الضمير الإنساني  وقد تصيبه في مقتل ، كما قد تضع جماع القيم الإنسانية في اختبار حقيقي .  يجب أن لا يغيب عن الملاحظة  طبيعة تلك المواقع التي استهدفها الإرهابيون في “جمعة” الثالث عشر من نوفمبر 2015. صالة موسيقى “باتا كلان” كانت هدفا لهجوم أسفر عن مقتل 89 من الحضور في حفل فرقة “نسور  معدن الموت” ، وهذا هو إسم الفرقة الأمريكية التي كانت تلعب على مسرح قاعة الـ “باتا كلان”. في تلك القاعة ويا للمفارقة، كان للموت صوت  من معدن حقيقي آخر : رصاص قاتلحصد أبرياء لا حول لهم ولا قوة. .

(2)

      على بعد أمتار قليلة من موقع قاعة الـ”باتا كلان” ، هاجم الإرهاب الأعمىمقاهي  وحانات ومطعم كمبودي ، وأزهقت في ذلك الهجوم أرواح عشرات الأبرياء. . تلك بداية عطلة نهاية الأسبوع، والموقع الباريسي محتشد بالسواح  والمواطنين  لقضاء سهرات بريئة في تلك الجمعة ، ولم يكن في بال أحدٍ أن الموت  متربصٌ في المنعطف. حسب معظم رواد تلك المقاهي والمطاعم، أن ألعاباًنارية إحتفائية في الأجواء، خاصة والناس يتأهّبون للترويح في بداية عطلة الأسبوع. .

      في موقع ثالث  في المنطقة الشمالية من العاصمة الفرنسية، كانت تجري مباراة كرة قدم حبية حامية ، بين الفريق الفرنسي لكرة القدم والفريق الألماني ، وكان الرئيس الفرنسي يشارك بشخصه في متابعة المباراة. فجأة تدوي أصوات الانفجارات تصمّ الأذان، تعلن عن هجمة الإرهاب الثالثة في منطقة ملعب باريس الرسمي . . شُلتْ الحياة تلك الليلة الدامية  في عاصمة الثقافة والجمال. .

(3)

      ليس من قبيل المصادفات أن تكون أهداف الإرهاب،  مواقع لها دلالات رمزية ثقافية واضحة، وفي زمنٍ له أيضاً دلالاته الجليّة. . إنّ يوم الجمعة كما هو معلوم، لا محمولات دينية له في العاصمة الفرنسية ، ولكنه اليوم الذي تبدأ معه عطلة نهاية الأسبوع  في عواصم أوروبا . من الطبيعي أن تستقبل مواقع الملاهي والمقاهي والمطاعم وصالات الموسيقى وملاعب كرة القدم  أعداداً أكبر، على غير المألوف في الأيام العادية.  إن  القتلة الذين خططوا للهجوم على باريس  لم يكونوا غرباء على العاصمة الفرنسية، ولا على ايقاع الحياة فيها . عليمون هم بمقاهيها وحاناتها ومطاعمها الكوزموبوليتانية  وصالاتها الموسيقية .

      إن الهجمات الإرهابية على باريس ، وقعتْ على خلفية  سياسية  غير خافية . إن الأزمة السورية المتفاقمة ، بلغت  حداً من المظلومية ، تجاوزت معه طبيعة تداعياتها المتصلة بظاهرة موجات  اللجوء العابر للقارات ، لتحمل في تطور مأساوي، ملامح  تصادم في القيم الإنسانية سيولد ما يشبه الأحقاد  المسمومة . تصادمٌ بين نهوض  مقابل إنهيار. تناقضٌ بين حياة فيها مساحات تتسع للعمل واللهو البريء ، مقابل مساحات تضيق فتصل إلى حواف الفناء.

(4)

     إن في كلّ ذلك، مظاهر جليّة تُحدّث عن فشل المؤسسات الدولية في احتواء الأزمات الناشبة على امتداد أقاليم العالم في جانب ، فيما شقّ آخر من العالم  يبدو أقلّ حساسية تجاه تداعيات تلك الأزمات.  ثمّة  نزاعات تتصاعد في جانب واحد من الكرة الأرضية ، فيما ينعم جانب آخر منها بنعيم الرفاهية  والدعة.

      هي فجوة يتسع مداها  بين يومٍ وآخر، ولكن ربّما لن يكون مجدياً الزعم أن  تلك الفجوة، مردّها عوامل أمنية محضة.  لابدّ من النظر لاستبصار  العوامل الدفينة، التي لا تبين أوّل وهلة، وهي في حقيقتها تتجاوز العوامل الأمنية.  لا جدوى في البحث عن الثغرات الأمنية التي تسلل منها الإرهاب، بل الأجدى أن  نبصر عميقاً  لنرى التباينات السياسية والاقتصادية  والثقافية التي تُضاعف من آثارها النزاعات المحتدمة والحروبات الإقليمية، حتى يرتفع المجتمع الدولي بمسئولياته لمستوى تلكم التحديات.

(5)

      كان العالم وخلال الحرب الباردة المستعرة ،  يعيش صراعاته دون  انكشاف حقيقي على الثمن  الذي  تدفعه أطراف النزاعات ، إلا بعد مرور فترات تطول وقد تقصر، ولكن  ليس مثلما هو حادث الآن.  هنالك أثمان تدفع  في التوّ واللحظة، أمام أعيننا وعلى شاشات هواتفنا الذكية، أو في حواسيبنا  على الشبكة العنكبوتية.  إن ثورة الاتصالات والتواصل التي يسّرتْ التواصل بين المجتمعات باختلاف ثقافاتها،  لا تبدو  إيجابياتها بأكثر من سلبيااتها. التقارب المؤمل بين المجتمعات البشرية  إثر تلك الثورة الكاسحة، حملتْ في طيّاتها  إنكشافاً  أوضح لاختلافات الثقافات  . الناقمون جراء مظلومياتهم  يرون اختلاف مجتمعاتهم  عن مجتمعات الآخرين  بصورة أكثر تركيزاً  ، وأكثر اختزالاً . تعمي عيونهم فيرون  المطاعم والمقاهي وأماكن الترويح، وقفاً على  مجتمعاتٍ بعينها، ولكنها ليست مجتماعاتهم.  يدلّهم عشى العيون وقصر النظر،  إلى اتخاذ هذه المواقع  أهدافاً  لانتقام  لا تبرره  اختلافات الثقافاتوهي تتقارب، ولا تباين الأديان وهي تصدر من إله واحد، ولا تنافس الحضاراتوهو وهم مصطنع. إنه جنون الإرهاب  الدولي المحض.

      لا أحد يسعى لايجاد  ذرائع لجرائم تقشعر لها الأبدان، يرتكبها مُضللون(بفتح اللام) ، تنبي أعمارهم أنهم عن النضج العقلي لبعيدون. بعضهم صبية  وأكثرهم أنصاف متعلمين،  مُعلّقين بين مجتمعات أنجبتهم ولم ينتموا إليها ، ومجتمعات  لم تنجبهم وعجزوا عن الإنتماء إليها. المُضلِـلون (بكسر اللام) “داعشيون” كبار يتلفعون بعقيدة في كلّ حروف  إسمها  كلمة “السلام” ، فيما هم سفاحون قتلة يختبئون  في دولة افتراضية إدعوها ، لا وجود لها  في أطالس الجغرافيا العالمية، ولا في مدوّنات  التاريخ  الدولي .

(6)

       يكاد يجزم الرئيس الفرنسي أن بلاده في حالة حرب . ذلك في تقديريكلام معقول، ولكنه  إتهامٌ ناقص التوصيف، وتعبيرٌ له رأس ولكن بلا ذيل. إن كنتَ لا تستطيع أن تقول إنك تشنّ حرباً ضد عدو  مُحدّد المعالم  ومعروف الصفات ، فإنك  لن تكون  على يقين ممّا قلت. لكن ، ومن ناحية أخرى،  لعلّأصدق ما قال الرجل، هو أنّ الأمر يحتاج لإرادة دولية صارمة ، وأنّ على المجتمع الدولي وبكامل مؤسساته، أن يتداعى للتصدي لدفع الأذى عن الإنسانية برمّتها.

      ها نحن بعد انقضاء سنوات طوال، منذ انتهاء الحرب الباردة ، تتكشف إثركلّ يومٍ يمر ، أنّ ثمّة حاجة مُلحة لإعادة ترتيب المواثيق والعقود الدولية، التي يفترض أن تحافظ على السلم والأمن الدوليين، وتدفع عن البشرية تلك الويلات التي تعرضها للفناء . تلك نظرة أعمق من تلك النظرة الأمنية التي قد ترى  العلة في  اضطرابات الشرق الأوسط  وحده.  .

الخرطوم- 20 نوفمبر 2015

نقلاً عن “الوطن” القطرية

عن جمال محمد ابراهيم

جمال محمد ابراهيم

شاهد أيضاً

من عقيدة مونرو إلى “عقيدة ترامب”

جمال محمد إبراهيم(1) بعد الإقرار بما أقدمتْ عليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غزو أراضي …

اترك تعليقاً