ثورة ديسمبر المجيدة التي تفجّرت من أجل استئصال سرطان نظام حزب المؤتمر الوطني، هي الانجيل الذي أجمع عليه ذوو الضمائر الحيّة من السودانيين الناشدين للحرية والسلام والعدالة، ولا يوجد دليل صادق ومؤكد على صحة هذه الثورة المجيدة، غير انحياز يد النظام القوية (قوات الدعم السريع وقائدها)، نقطة التحول التي لولاها لما أذعن حزب المؤتمر الوطني وكوادره العلنية والسرية التي هدد بها علي عثمان محمد طه، وهذا الفضل الكبير يجب أن يحفظ لهذه القوات وللقائد الصادق الذي قال لا حين جبن آخرون، هذا التاريخ الذي وثّقته الوسائط الحديثة، والمتمثل في الخطاب التاريخي لقائد القوات بمنطقة طيبة جنوب الخرطوم أمام حشود جنوده البواسل، الخطاب الذي أعلن فيه بكل شجاعة انحيازه للتغيير بناء على رغبة الشعب، فلكل ثورة عظيمة لابد من موسى يخرج من قصر فرعونها ليثبت للناس أن الخير يخرج من بين ثنايا الخطايا، وأن خيار المسلمين كانوا خيار الجاهلية، ولنا في الفاروق عمر بن الخطاب أسوة. فبعد إعلان القوة الضاربة لموقفها الفارق هبّ الناس بعنفوان وعزم لا يلين وأزاحوا عن كاهلهم العبء والجبروت الذي استمر ثلاثة عقود، دفع السودانيون فيها أثمان باهظة من العزة والشرف و(الكرامة)، ثلاثون عاما من القتل والاغتصاب والتشريد والتجويع ونهب الثروات والمقدرات الوطنية، تلك الهبّة جمعت الناس دون تمييز وقدمت للعالم سلوك وأخلاق الفرد السوداني بميدان الاعتصام.
ميدان الاعتصام قدّم قيمة سودانية وإنسانية عظيمة اختزلها شعار ( عندك خت ما عندك شيل)، رغم ضعف بعض المناصرين للشعار ممن سطوا على أموال التبرعات القادمة من الخارج، ما عكس شذوذ القاعدة، واثبت أنه مهما تقدمت المجتمعات أخلاقياً إلّا أن هناك خصيصة الضعف البشري الملازمة لهذه المجتمعات، فتبينت كشر محدود الأثر من بين ثنايا الخير، لكنها فشلت في افشال المشروع الأخلاقي الكبير، وخير مثال لهذا الشر المحدود هو الناشط الديسمبري الشهير “علي هباني” الذي حباه الله بحبال صوتية فتّاكة دعم بها ثورة ديسمبر بالصوت العالي، وشد من أذر الثوار بفضل هذه المقدرات الصوتية المطلوبة في ذلك التوقيت، لم يتوقع أسوأ المتشائمين أن ينحدر ذلك الصوت الثائر ويرتد هذه الردة الثورية اتي لا يوجد لها مثيل، بأن يتحول من ثوري الى “بلبوسي” داعم للحرب، المسلك الذي لا يتسق مع “كور” ثورة ديمسبر الا وهم الصموديين، كان على الأقل أن يكون مكانه هذا التحالف المدني، لا أن يصطف مع أعداء ديسمبر الوجوديين، لكنها الحرب، التي واحدة من افضالها أنها كشفت الخبيث من الطيب، فالمستنقع الذي سقط فيه هبّاني في حقيقته مزبلة تاريخية سقط فيها كثيرون كنا نظن أنهم أنبياء بررة، لا غرو إذاً اذا وجد هباني بيئته الملائمة، طالما أن ذات المزبلة زارها الروائي بركة ساكن ومدير جامعة الأحفاد ومحمد جلال الذي احتفى به المهمشون نصف قرن من الزمن فخذلهم أخيراً، فهنيئاً للساقطين بسقوطهم في المزبلة، فإنّ قطار الثورة مستمر لا يوقفه الساقطون.
النموذج أعلاه يمثل رأس جبل جليد الديسمبريين المتحولين، الذين استنفر منهم الكثير وحمل البندقية ووقف صفاً واحداً مع الأجهزة الأمنية لحزب المؤتمر الوطني، الحزب البوليسي الذي زج بالثوار في السجون يوم ما، وإنّي لأستغرب لهؤلاء الرجال البلهاء ذوي الذواكر السمكية، الذين وبين ليلة وضحاها أصابهم الزهايمر، فلم تعد صورتا الشهيدين الطبيب علي فضل والمعلم أحمد الخير تطوفان برؤياهم، الآن يا شعبي المسكين هل أدركت لماذا سلّم ثوار أكتوبر بيضة ثورتهم لعسكر مايو، وكيف تواطأ رئيس الوزراء الصادق المهدي مع عسكر حزب المؤتمر الوطني؟، وقبل كل هذا وذاك هل أدركت كيف دفعت صفوة الاستقلال الجنرال عبد الله خليل لكي يؤسس لأول انقلاب عسكري على الحكم المدني الديمقراطي؟، مع بزوغ الفجر الكاذب للاستقلال الكذوب، إنّ متلازمة الثائر المتحوّل هذه يا عزيزي القارئ صنعها الاستعمار ورعتها دولة ما بعد الاستعمار، واذا أردت التيقن من ذلك أجب على السؤال التالي: هل بامكان البرلمان والحزب اللذين تأسسا في ظل سلطة استعمارية أن ينتجا بيضة وطنية حقيقية؟، وهل يضمن الناس أن تفقس هذه البيضة صيصان وطنيين شرفاء مبرئين من خطيئة الأب غير الشرعي؟،
Email : ismeel1@hotmail.com
إسماعيل عبدالله
