ثلاثون عاماً من تطبيق الحدود الاسلامية في السودان: ماذا طبّق نظام الإنقاذ فعلياً، وماذا تكشف الأحكام والتنفيذات والمراجعة الفكرية لعمر البشير عن حدود مشروع أسلمة القانون؟
د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
يتناول المقال التطبيق الفعلي للعقوبات الشرعية والقوانين الجنائية المستندة إلى الشريعة الإسلامية في السودان خلال فترة حكم عمر البشير من 1989 إلى 2019، مع وضع هذا التطبيق في سياقه التاريخي والقانوني والسياسي والاجتماعي، والتمييز بين النصوص القانونية والأحكام القضائية والتنفيذ الفعلي للعقوبات. ويخلص المقال إلى أن تجربة الإنقاذ لم تكن تطبيقاً متجانساً أو شاملاً لكل الحدود طوال ثلاثة عقود، وإنما كانت منظومة قانونية مركبة جمعت بين الحدود والقصاص والدية والتعزير والعقوبات الجنائية العادية وقوانين النظام العام، مع تفاوت كبير في التطبيق بحسب الجريمة والمنطقة والفترة والمؤسسة القضائية. وكانت العقوبات الأشد، مثل القطع والرجم والصلب، أقل حدوثاً بكثير من الجلد والعقوبات المرتبطة بالنظام العام، إلا أن ندرتها لا تعني عدم وقوعها، إذ توجد حالات موثقة لتنفيذ القطع والصلب، وأحكام متعددة بالرجم لم تُنفذ وانتهت بالإلغاء أو الاستبدال أو الإفراج، بينما ظل الجلد أكثر حضوراً في الممارسة، ولا سيما في قضايا السلوك العام والجرائم الجنسية وبعض المخالفات المرتبطة بالكحول.
تبدأ التجربة القانونية التي ورثها نظام الإنقاذ من قوانين سبتمبر 1983 في عهد جعفر نميري، التي أدخلت العقوبات المستمدة من الفقه الإسلامي إلى القانون الجنائي السوداني، وشهدت في الفترة السابقة للإنقاذ تنفيذ عدد كبير من عمليات البتر، قبل أن يأتي انقلاب 30 يونيو 1989 ويعيد بناء النظام القانوني والسياسي على أساس إسلامي أكثر انتظاماً. وكان قانون العقوبات الجنائية لسنة 1991 هو الإطار التشريعي المركزي خلال معظم عهد البشير، وقد تضمن أحكاماً للزنا والسرقة والحرابة والردة وغيرها، إضافة إلى القصاص والدية والعقوبات التعزيرية. وبذلك لا يمكن اختزال التجربة في الحدود وحدها، كما لا يمكن اعتبار كل عقوبة جسدية حداً شرعياً؛ فالجلد بموجب قوانين النظام العام، مثلاً، كان في حالات عديدة عقوبة تعزيرية أو تقديرية، بينما كان الجلد المقرر للزنا لغير المحصن مرتبطاً بالنص الحدّي، كما اختلفت الطبيعة القانونية للقطع والصلب والرجم والردة بحسب الجريمة والأساس التشريعي لها.
شهدت السنوات الأولى من حكم الإنقاذ تنفيذ أحكام قاسية في دارفور وغيرها. ففي عام 1990 أُعدم رجلان شنقاً ثم صُلبت جثتاهما في الفاشر بعد إدانتهما بجرائم جنائية، وفي عام 1991 صدرت أحكام بالشنق والصلب ضد أربعة رجال في الفاشر بتهم تتعلق بالسطو المسلح وحيازة السلاح و«الإفساد في الأرض». وفي عام 1992 ظهرت أحكام أخرى بالشنق والصلب في دارفور، بينها حكم في الضعين ضد ثلاثة رجال اتهموا بمحاربة الدولة وحيازة أسلحة غير مشروعة، مع الحكم على أحدهم بالصلب العلني بعد موته. وتوضح هذه الحالات أن عقوبة الصلب لم تكن مجرد نص نظري في بداية عهد البشير، وإنما استُخدمت فعلياً في بعض القضايا، خصوصاً في مناطق الصراع والعنف المسلح. وفي الوقت نفسه يجب عدم مساواة جميع أحكام الإعدام بالحدود، لأن كثيراً من الإعدامات كانت عقوبات جنائية أو قصاصاً وليست حدوداً بالمعنى الفقهي الضيق.
في منتصف التسعينيات بدأت تظهر مؤشرات على تراجع تنفيذ بعض العقوبات الحدية القصوى، خصوصاً القطع والرجم، مع استمرار الجلد بصورة أكثر انتظاماً. وتشير التقارير إلى أن المحاكم كانت تتجنب أو توقف بعض أحكام القطع والرجم، بينما ظل الجلد واسع الاستخدام، خاصة في قضايا الكحول والسلوك العام. ويعكس ذلك فجوة بين النص القانوني والتطبيق القضائي؛ فوجود العقوبة في القانون لا يعني بالضرورة تنفيذها، كما أن تنفيذها لم يكن متساوياً في جميع أنحاء السودان. كما ظهرت فروق إقليمية مهمة، إذ اتخذت الحكومة ترتيبات تحد من تطبيق العقوبات الجسدية المرتبطة بالشريعة في الولايات الجنوبية ذات الأغلبية غير المسلمة، الأمر الذي يؤكد أن التطبيق كان مرتبطاً بالبنية السياسية والاجتماعية والجغرافية للدولة وليس نظاماً قانونياً موحداً يعمل بالطريقة نفسها في كل مكان.
بلغت أزمة تطبيق العقوبات القصوى مرحلة واضحة في أواخر التسعينيات وبداية الألفية الجديدة مع استخدام المحاكم الخاصة ومحاكم الطوارئ في دارفور. ففي عام 1999 صدر حكم بالإعدام شنقاً ثم الصلب ضد عشرة أشخاص في قضية مرتبطة بصراع قبلي في غرب دارفور، لكن الحكم لم ينفذ في تلك المرحلة وظل خاضعاً لإجراءات الاستئناف والمراجعة. وفي عام 2000 ظهرت تقارير عن تنفيذ ست عمليات بتر بحق أشخاص أدينوا بجرائم سرقة مشددة. ثم جاءت سنة 2001 بوصفها إحدى أكثر السنوات وضوحاً في توثيق تنفيذ عقوبات البتر؛ إذ نُفذت عمليات بتر تقاطعي بحق خمسة رجال من دارفور، ثم أُبلغ عن تنفيذ الحكم نفسه بحق تسعة عشر رجلاً آخرين في سجن كوبر، بما يجعل عدد الحالات الموثقة في تلك الواقعة المتتابعة نحو أربعة وعشرين شخصاً. وفي الوقت نفسه صدرت أحكام أخرى بالقطع والإعدام في محاكم الطوارئ في دارفور.
كان نظام محاكم الطوارئ جزءاً أساسياً من المشكلة القانونية في تلك الفترة، لأن هذه المحاكم أنشئت في ظروف استثنائية لمواجهة الجرائم المسلحة والعنف والسطو، وكانت تتكون من قضاة مدنيين وعسكريين، مع قيود على حق الدفاع والاستئناف. وقد وثقت تقارير حقوقية حالات صدرت فيها أحكام بالقطع أو الإعدام في جلسات اتسمت بسرعة الإجراءات وضعف ضمانات المحاكمة العادلة. وهذا يجعل القضية أوسع من مجرد السؤال عما إذا كان القانون الإسلامي يسمح بالعقوبة، إذ يصبح السؤال متعلقاً أيضاً بالسلطة التي طبقتها، وبطريقة إثبات الجريمة، وحق المتهم في المحامي، وحقه في الاستئناف، ومدى استقلال المحكمة، وإمكانية وجود إكراه أو اعتراف غير طوعي، ومدى تناسب العقوبة مع ظروف الجريمة.
وفي ديسمبر 2001 ظهرت إحدى أشهر قضايا الرجم في السودان عندما حُكم على أبوك ألفاو أكوك، وهي امرأة من الدينكا والمسيحيين وكانت حاملاً، بالرجم حتى الموت بتهمة الزنا أمام محكمة جنائية في نيالا. وقد أثارت القضية أسئلة كبيرة حول إثبات الزنا، والوضع الديني للمتهمة، والحمل، وحقها في الدفاع. وأُلغي حكم الرجم لاحقاً، ثم أعيدت محاكمتها وحُكم عليها بالجلد خمسة وسبعين جلدة، ونُفذ الحكم. وتكشف هذه القضية أن صدور حكم بالرجم لا يعني بالضرورة تنفيذه، كما تكشف أهمية الاستئناف في منع تنفيذ بعض الأحكام القصوى، لكنها في الوقت نفسه تكشف خطورة إصدار حكم أصلي بهذه العقوبة في ظل ما أُثير من مشكلات إجرائية.
وفي عام 2002 استمرت قضايا الجلد المتعلقة بالزنا، إذ حُكم على علويّة محمد عبد الله في نيالا بمئة جلدة، كما أُدينت سبع عشرة امرأة في منطقة منواشي بولاية جنوب دارفور بالزنا وحُكم على كل واحدة منهن بمئة جلدة. وتكمن أهمية هذه الحالات في أن بعض الاتهامات قامت على قرائن شديدة الضعف، مثل كون المرأة غير متزوجة ولها طفل، دون وجود أدلة مستقلة كافية، كما أُثيرت مشكلات تتعلق بعدم توفير التمثيل القانوني وعدم محاكمة الرجال الذين يفترض ارتباطهم بالوقائع. وتوضح هذه الحالات كيف يمكن أن يتحول قانون الزنا من نظام يفترض إثباتاً صارماً إلى أداة تؤثر بصورة غير متكافئة على النساء، خصوصاً الفقيرات وغير القادرات على الوصول إلى محام أو حماية قانونية.
استمرت أحكام الرجم في الظهور خلال العقد التالي. ففي عام 2007 صدرت أحكام بالإعدام رجماً بحق أمونة عبد الله دلدم وسعدية إدريس فضل في قضايا زنا، لكن الحكمين لم يتحولا إلى تنفيذ فعلي، وأثيرت لاحقاً مشكلات تتعلق بغياب المساعدة القانونية والإجراءات القضائية، وأعيد النظر في القضايا. وفي عام 2012 صدرت أحكام أخرى بالرجم في الخرطوم ضد انتصار شريف عبد الله وليلى إبراهيم عيسى جمّول. وتضمنت قضية انتصار شريف ادعاءات حول الاعتراف تحت الضغط وعدم حصولها على مساعدة قانونية كافية وعدم توفير مترجم، كما كانت تحمل طفلاً صغيراً. وأُلغي الحكم وأُفرج عنها. أما ليلى إبراهيم عيسى فقد صدر بحقها حكم بالرجم أيضاً، ولم ينفذ، وانتهت القضية بالإفراج عنها. وبناءً على السجل الموثق الذي جرى فحصه في المقال، لا يوجد ما يثبت تنفيذ حكم رجم فعلي حتى الموت في عهد البشير، رغم وجود عدد من أحكام الرجم الخطيرة التي صدرت ثم أُلغيت أو أُعيد النظر فيها أو لم تنفذ.
وتبرز قضايا القطع بدورها التناقض بين الحكم والتنفيذ. ففي عام 2013 نُفذ بحق آدم المثنى حكم بقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى في مستشفى الرباط بالخرطوم بعد إدانته بجريمة حرابة تعود إلى عام 2006، وذلك بعد أن مرت القضية بمراحل التقاضي وأيدت المحكمة الدستورية الحكم. وأثارت الواقعة قضية مشاركة الأطباء في تنفيذ عقوبة بتر الأطراف، وأثارت أيضاً تعارضاً بين الواجب الطبي وبين تنفيذ عقوبة قضائية تؤدي إلى إحداث عجز جسدي متعمد. وفي العام نفسه صدر حكم بقطع اليد اليمنى بحق ثلاثة رجال في شمال دارفور بسبب سرقة زيت للطبخ، لكن محكمة الاستئناف ألغت الأحكام واستبدلتها بالسجن. وتكشف هذه الحالات أن عدد الأحكام الصادرة لا يساوي عدد العقوبات المنفذة، وأن الاستئناف يمكن أن يغير النتيجة جذرياً.
وتوجد مشكلة مهمة في تقدير العدد الإجمالي لعمليات البتر خلال حكم البشير. فقد ذكرت تقارير حقوقية أن آخر حالات موثقة قبل 2013 تعود إلى بداية الألفية، بينما أعلن نائب رئيس القضاء في 2013 أن ست عشرة عملية بتر نُفذت منذ عام 2001. ولا يمكن التوفيق بصورة مستقلة وكاملة بين هذا الرقم الرسمي والحالات التي أمكن توثيقها من مصادر مستقلة. ولذلك يميز المقال بين «الحالات الموثقة» و«العدد الكلي المعلن»، ويؤكد أن غياب قاعدة بيانات قضائية شفافة يجعل أي رقم إجمالي نهائي غير قابل للتحقق بدرجة كافية.
أما الجلد فقد كان أكثر انتشاراً من العقوبات الحدية القصوى، لكن المقال يرفض مساواة كل حالات الجلد بالحدود. فقد استخدم قانون النظام العام وقوانين السلوك العام الجلد في حالات كثيرة بوصفه عقوبة تعزيرية، وكان تطبيق هذه القوانين شديد التأثير على النساء. ومن أشهر الحالات قضية لبنى أحمد حسين في 2009، التي اعتُقلت بسبب ارتداء البنطال في مكان عام، وحُكم عليها بالغرامة بعد إدانتها، بينما تعرضت نساء أخريات في الواقعة نفسها للجلد. وتوضح القضية أن النقاش حول «تطبيق الشريعة» في السودان كان يشمل أيضاً نظاماً أوسع للضبط الأخلاقي والاجتماعي لا يمكن اختزاله في الحدود الشرعية المعروفة.
وفي عام 2014 ظهرت قضية المرأة الإثيوبية التي تعرضت للاغتصاب الجماعي في أم درمان. بدأت القضية باتهامات ضد المرأة نفسها مرتبطة بالزنا أو الدعارة، وكان احتمال الرجم حاضراً في التغطيات الأولية، لكن الحكم النهائي لم يكن بالرجم؛ فقد أدينت المرأة بسلوك غير لائق وحُكم عليها بعقوبة مخففة، بينما تلقى عدد من الرجال المتهمين أحكاماً بالجلد، وأدين ثلاثة منهم بالزنا وحُكم عليهم بمئة جلدة. وتبرز القضية بصورة حادة المشكلة التي تنشأ عندما تتداخل قوانين الزنا مع جرائم الاغتصاب، إذ يمكن أن تتحول الضحية نفسها إلى متهمة إذا لم تكن بنية القانون وقواعد الإثبات مصممة بوضوح لحماية ضحايا العنف الجنسي.
وتشكل قوانين الردة جانباً آخر من التجربة. ففي عام 1994 صدرت أحكام في ود مدني ضد رجلين بتهمة الردة، تضمنت الجلد والصلب، لكن الصلب لم ينفذ. وفي عام 2014 حكمت محكمة سودانية على مريم يحيى إبراهيم إسحق بمئة جلدة والإعدام شنقاً على خلفية اتهامات بالردة والزنا بسبب زواجها من رجل مسيحي، لكنها لم تُعدم ولم تُجلد، وأُلغيت عقوبة الإعدام لاحقاً. وفي عام 2015 تعرض عدد من القرآنيين للاعتقال واتُّهم بعضهم بالردة بسبب رفضهم سلطة الحديث، ثم أُفرج عنهم وتوقفت الإجراءات لاحقاً. وتوضح هذه الحالات أن الخطر القانوني لم يكن مقتصراً على التنفيذ الفعلي، بل شمل أيضاً استخدام نصوص الردة لإنتاج تهديد جنائي شديد ضد حرية الدين والمعتقد.
ويؤكد المقال أن الردة ليست من الحدود القرآنية المتفق على تصنيفها بالطريقة نفسها التي تصنف بها عقوبات الزنا والسرقة، وأن إدراجها في القانون الجنائي السوداني بوصفها جريمة تصل عقوبتها إلى الإعدام يعكس اختياراً فقهياً وتشريعياً معيناً، وليس حقيقة قانونية إسلامية واحدة غير قابلة للنقاش. ولذلك يجب التمييز بين النصوص القرآنية الصريحة، والاجتهادات الفقهية التاريخية، والتقنين الحديث الذي قامت به الدولة، والقراءة الإسلامية المعاصرة التي تعيد النظر في علاقة الردة بحرية الاعتقاد.
يضع المقال هذه التجربة في إطار أوسع من القانون الجنائي، لأن نظام الإنقاذ لم يكن يطبق مجموعة منفصلة من الحدود، وإنما أنشأ منظومة قانونية وسياسية تربط الدين بالدولة والتشريع والتعليم والاقتصاد والقضاء والنظام العام. وقد كان ذلك أحد أسباب تحول النقاش من سؤال «هل العقوبة إسلامية؟» إلى سؤال أكثر عمقاً: هل يكفي أن تكون العقوبة مستمدة من تفسير فقهي حتى تكون عادلة إذا كانت إجراءات الإثبات غير عادلة، أو إذا كان القضاء غير مستقل، أو إذا كان المتهم لا يستطيع الوصول إلى محام، أو إذا كان القانون يطبق بصورة غير متساوية، أو إذا كان الفقر والتمييز الاجتماعي يؤثران في من يصل إلى المحاكم ومن يملك القدرة على الدفاع عن نفسه؟
ويكشف السجل القضائي أيضاً أن الدولة نفسها قدمت أحياناً صورة أكثر اعتدالاً عن التطبيق مما يظهره السجل الحقوقي. ففي بعض السنوات أعلنت السلطات أن عقوبات القطع لا تطبق عملياً أو أنها متوقفة، بينما ظهرت لاحقاً حالات موثقة لتنفيذها. وفي المقابل، لا يصح أيضاً بناء صورة معاكسة تقول إن جميع الحدود كانت تطبق باستمرار وعلى نطاق واسع؛ فالرجم مثلاً شهد أحكاماً متعددة دون وجود دليل موثوق على تنفيذ حكم رجم حتى الموت في الحالات التي تمت مراجعتها، والقطع كان أقل انتشاراً بكثير من الجلد، وبعض أحكام القطع أُلغيت في الاستئناف. لذلك فإن الصورة الأدق هي وجود قانون شديد العقوبة، وتنفيذ فعلي لبعض العقوبات الجسدية، وتطبيق أوسع للجلد والنظام العام، مع تفاوت كبير في التنفيذ وغياب إحصاءات قضائية شاملة.
ومن أهم الاستنتاجات أن البيانات المتاحة لا تسمح بإعطاء رقم واحد نهائي لكل العقوبات الشرعية التي نُفذت خلال ثلاثين عاماً. فالوثائق المنشورة تتفاوت في تعريف الجريمة، وفي التفريق بين الحكم والتنفيذ، وفي التفريق بين الحدود والإعدام الجنائي والقصاص، كما أن التقارير الحكومية والحقوقية لا تتطابق دائماً. لذلك يعتمد التحليل العلمي على الحالات التي يمكن التحقق منها وعلى التمييز الصارم بين «الحكم» و«التنفيذ»، وبين «الحد» و«التعزير»، وبين «الإعدام» و«الإعدام الحدّي»، وبين «حالة موثقة» و«تقدير إجمالي».
وتناقش الدراسة كتاب عمر حسن أحمد البشير وطارق الصادق عبد السلام الصادر عام 2026 بعنوان «التحديات الفكرية والعملية لتطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة الدين في المجتمعات الإسلامية: السودان أنموذجاً». وتبين المواد المنشورة عن الكتاب أنه يقوم على تمييز بين «تطبيق الشريعة» بوصفه جانباً قانونياً وإجرائياً وبين «إقامة الدين» باعتبارها مشروعاً أوسع يتعلق ببناء الإنسان والمجتمع والمؤسسات والحضارة، كما يركز على التحديات النفسية والفكرية والتنظيمية والمادية، وعلى الاجتهاد الجماعي، وعلى أن الأزمة لا تتمثل فقط في غياب النصوص والقوانين وإنما في المنهج وطريقة بناء المجتمع والمؤسسات. وتضيف المواد التعريفية أن الكتاب نشأ من عمل أكاديمي سابق أعده البشير عام 2012 ثم أعيد تطويره في صورة أوسع عام 2026.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة عند مقارنتها بالسجل التاريخي لنظام الإنقاذ. فهي تقدم تفسيراً ذاتياً متأخراً للتجربة ينتقل من التركيز على القانون والعقوبة إلى سؤال أوسع عن بناء المجتمع والعدالة والتنمية والكرامة والحريات. لكن هذا التفسير لا يمكن أن يحل محل فحص الوقائع القضائية الموثقة، لأن التقييم التاريخي لأي تجربة قانونية يحتاج إلى مقارنة الأفكار المعلنة بالقوانين التي صدرت، والأحكام التي أصدرتها المحاكم، والعقوبات التي نُفذت، وضمانات المحاكمة، وآثار هذه السياسات على الأفراد. كما أن المواد المنشورة عن الكتاب لا تمثل بديلاً عن دراسة النص الكامل للكتاب نفسه، ولذلك يجب التعامل مع خلاصاته المنشورة بوصفها عرضاً لأطروحته وليس حكماً مستقلاً على صحتها.
ويظهر أيضاً اختلاف مهم بين الخطاب العام للبشير أثناء حكمه وبين الصياغة الفكرية التي يعرضها كتاب 2026. ففي مقابلة عام 2011 دافع البشير صراحة عن تطبيق الحدود، وذكر الجلد وقطع يد السارق وعقوبة المحاربين والمفسدين في الأرض باعتبارها جزءاً من النظام الشرعي. أما الكتاب المتأخر فيعطي مساحة أكبر للتمييز بين التطبيق القانوني الشكلي وإقامة الدين باعتبارها مشروعاً اجتماعياً وحضارياً. ولا يعني ذلك بالضرورة تناقضاً كاملاً بين النصين، لكنه يكشف تحولاً في زاوية تقديم التجربة: من الدفاع عن العقوبة القانونية في الخطاب السياسي إلى التركيز في الكتاب المتأخر على المنهج وبناء المؤسسات والمجتمع. ويظل السجل القضائي هو الاختبار المستقل الذي ينبغي الرجوع إليه عند تقييم النتائج الفعلية.
ويفند المقال مجموعة من التصورات الشائعة. فليس صحيحاً أن نظام البشير طبق جميع الحدود بصورة يومية وعلى نطاق واسع؛ فالعقوبات القصوى كانت أقل شيوعاً من الجلد، وبعضها لم ينفذ رغم صدور أحكام به. وليس صحيحاً في المقابل أن القطع لم ينفذ إطلاقاً؛ فهناك حالات موثقة، أبرزها الحالات المرتبطة بدارفور في بداية الألفية وحالة آدم المثنى عام 2013. وليس صحيحاً أن كل جلد كان حداً؛ فالجلد بموجب قوانين النظام العام كان في كثير من الحالات تعزيراً. وليس صحيحاً أن مريم يحيى إبراهيم رُجمت؛ فقد صدر بحقها حكم بالجلد والإعدام شنقاً، ولم ينفذ، وأُلغي حكم الإعدام. وليس صحيحاً أن المرأة الإثيوبية المغتصبة رُجمت؛ فقد تغير مسار القضية وانتهى الحكم ضدها إلى عقوبة مختلفة، بينما تلقى بعض الرجال المتهمين بالزنا الجلد. وليس صحيحاً أن كل من حُكم عليه بالرجم رُجم فعلاً؛ فالحالات الموثقة التي تمت مراجعتها لا تثبت ذلك.
كما يصحح المقال تصوراً آخر يتمثل في اعتبار قوانين الشريعة في السودان نظاماً ثابتاً منذ 1983 وحتى 2019. فقد تغيرت النصوص والمؤسسات والإجراءات، ومرت البلاد من قوانين سبتمبر إلى قانون 1991، ثم قوانين النظام العام والمحاكم الخاصة والطوارئ، ثم تعديلات متعددة، كما تغير التطبيق بين المناطق والفترات. وبالتالي فإن الحديث عن «الشريعة في عهد البشير» باعتبارها نظاماً واحداً ثابتاً يخفي التحولات التشريعية والقضائية والسياسية التي حدثت خلال ثلاثة عقود.
ولا يصح كذلك تفسير جميع الصراعات السودانية أو انفصال جنوب السودان بعامل تطبيق الشريعة وحده. فقد كانت العلاقة بين الدين والدولة والتعريب والأسلمة من القضايا المركزية في النزاع، لكنها تداخلت مع قضايا السلطة والثروة والتمييز الإقليمي والتهميش السياسي والحروب الأهلية والتدخلات الإقليمية والدولية. لذلك يرفض المقال التفسير الأحادي، ويضع قوانين الشريعة داخل منظومة أوسع من بناء الدولة السودانية وأزمة المركز والأقاليم.
وفي الجانب النظري، يوضح المقال أن إصلاح القانون الجنائي في السودان يحتاج إلى تجاوز الثنائية المبسطة بين «تطبيق الحدود» و«إلغاء الشريعة». ومن الاتجاهات الحديثة التي يمكن دراستها المقاربة المقاصدية التي تركز على العدالة والكرامة وحماية الإنسان والمصلحة العامة، ومقاربة النظم التي تنظر إلى الشريعة باعتبارها منظومة مترابطة وليست مجرد مجموعة من العقوبات، والاجتهاد الجماعي الذي يجمع الفقهاء والقضاة وخبراء القانون والطب وعلم الاجتماع والاقتصاد وحقوق الإنسان، إضافة إلى اتجاهات الإصلاح الإسلامي التي تعيد قراءة النصوص في سياق الدولة الحديثة والتعدد الديني والمواطنة المتساوية.
وتؤكد الدراسة أن الإصلاح الجنائي لا ينبغي أن يبدأ بالعقوبة وإنما بمنظومة العدالة كلها. ويتطلب ذلك استقلال القضاء، وضمان حق الدفاع، والمساعدة القانونية للفقراء، ووجود مترجمين عند الحاجة، ومنع الاعترافات القسرية، وضمان الاستئناف، وعلنية الإجراءات في حدود القانون، ونشر الإحصاءات القضائية، ومراجعة أحكام المحاكم الاستثنائية، وضمان المساواة أمام القانون. كما يتطلب الفصل الصريح بين الجرائم الجنسية بالتراضي وجرائم العنف الجنسي، وعدم تحويل ضحايا الاغتصاب إلى متهمين بالزنا، ووضع قواعد إثبات تحمي الضحية والمتهم في الوقت نفسه.
وتظهر الحاجة أيضاً إلى إصلاح جذري لقوانين النظام العام التي سمحت بتجريم سلوكيات شخصية أو أخلاقية بصورة فضفاضة، وإلى استبدال العقوبات الجسدية بعقوبات متناسبة ومحددة قانوناً، وإلى استخدام بدائل السجن في الجرائم الأقل خطورة، وإلى تطوير سياسات جنائية تستند إلى الأدلة والبيانات بدلاً من الردع العقابي المجرد. كما يجب أن يكون للأطباء استقلال مهني كامل عن تنفيذ العقوبات التي تؤدي إلى إحداث إصابة جسدية متعمدة، لأن وظيفة الطب هي العلاج والرعاية وليس تنفيذ الإيذاء القضائي.
ويؤكد المقال أن أي إصلاح ديني أو قانوني مستقبلي ينبغي أن يستند إلى اجتهاد جماعي شفاف يعلن بوضوح الفرق بين النص القرآني، والحديث، والاجتهاد الفقهي التاريخي، والتقنين الحديث، والسياسة الجنائية المعاصرة. وهذا التفريق ضروري حتى لا تقدم اختيارات فقهية تاريخية محددة بوصفها التعبير الوحيد الممكن عن الإسلام، وفي الوقت نفسه حتى لا تتحول الدعوة إلى الإصلاح إلى إلغاء غير مدروس للتراث الفقهي. والمطلوب هو إنشاء مجال مؤسسي يستطيع فيه الفقهاء والقانونيون والباحثون والمجتمع المدني والخبراء المتخصصون مناقشة التشريع بصورة علمية وقابلة للمراجعة.
وتخلص الدراسة إلى أن التجربة السودانية بين 1989 و2019 أنتجت مفارقة أساسية: فقد كانت الدولة تمتلك نصوصاً قانونية كثيرة ومفصلة للعقوبات المستمدة من الشريعة، لكنها لم تنتج بالضرورة نظام عدالة متسقاً مع العدالة الإجرائية والمساواة والكرامة الإنسانية. وكانت العقوبات القصوى نادرة نسبياً لكنها حقيقية، وكانت أحكام الرجم أكثر عدداً من حالات تنفيذه، ولم يثبت السجل الذي جرى التحقق منه تنفيذ رجم حتى الموت، بينما ثبت تنفيذ القطع والصلب في عدد من الحالات، وظل الجلد أكثر حضوراً، خاصة في قوانين النظام العام وبعض قضايا الزنا والسلوك العام.
والدرس الأساسي الذي يقدمه المقال هو أن نجاح أي نظام قانوني لا يقاس بعدد العقوبات التي ينفذها ولا بمدى صرامتها، وإنما بمدى قدرته على تحقيق العدالة والمساواة وحماية المجتمع والضحايا والمتهمين، وضمان استقلال القضاء، ومنع التعذيب والإكراه والتمييز، وتوفير بيانات يمكن التحقق منها. كما أن مفهوم «إقامة الدين» إذا أريد استخدامه كمفهوم أوسع من مجرد تطبيق العقوبات، ينبغي أن يُختبر عملياً من خلال العدالة الاجتماعية والكرامة والحريات والمؤسسات والتنمية، لا من خلال عدد أحكام الجلد أو القطع أو الرجم.
وبالنسبة إلى السودان بعد الحرب، فإن الدرس المؤسسي الأهم هو ضرورة بناء قانون جنائي موحد وواضح ومتوافق مع الحقوق الأساسية، وقضاء مستقل، ومحاكم عادية ذات ضمانات كاملة، وإلغاء أو مراجعة التشريعات التي تسمح بالعقوبات الجسدية أو التجريم الفضفاض للسلوك الشخصي، ووضع نظام دقيق للبيانات القضائية، ومراجعة الأحكام التاريخية التي صدرت في ظل المحاكم الاستثنائية أو الإجراءات غير العادلة، وضمان حرية الدين والمعتقد، وحماية النساء والأطفال وضحايا العنف الجنسي، وربط الإصلاح القانوني باجتهاد فقهي مؤسسي ومفتوح. ويشير المسار اللاحق لعام 2019 إلى إمكانية إعادة النظر في بعض أكثر الأحكام إشكالاً، ومن بينها إلغاء جريمة الردة في عام 2020، بما يوضح أن النظام القانوني السوداني لم يكن ثابتاً وأن الإصلاح التشريعي ممكن.
وبذلك يقدم المقال صورة مركبة لا تختزل عهد البشير في مقولة «تطبيق شامل للحدود» ولا في المقولة المقابلة «عدم تطبيق الحدود». فقد وجدت نصوص قانونية صارمة، وصدرت أحكام حدية كثيرة، ونُفذت بعض العقوبات الجسدية بالفعل، وأُلغيت أو أوقفت أو لم تنفذ أحكام أخرى، وكان الجلد وقوانين النظام العام أكثر انتشاراً من العقوبات الحدية القصوى، كما أن ضمانات المحاكمة العادلة كانت في عدد من الحالات موضع انتقاد موثق. وتكشف المقارنة بين السجل التاريخي والطرح الفكري المتأخر في كتاب البشير لعام 2026 أن السؤال المركزي ليس فقط «هل طُبقت الشريعة؟»، وإنما «أي تفسير للشريعة قُنّن؟ وكيف طُبق؟ وعلى من؟ وبأي إجراءات؟ وما النتائج الاجتماعية والقانونية والإنسانية لذلك التطبيق؟». وهذه هي النقطة التي تجعل دراسة التجربة السودانية مهمة ليس بوصفها تاريخاً للعقوبات فحسب، بل بوصفها اختباراً للعلاقة بين الدين والقانون والدولة والعدالة والمؤسسات وحقوق الإنسان في الدولة الحديثة.
النص الكامل للمقال
مقدمة تحليلية ومنهجية: من سؤال «هل طُبقت الشريعة؟» إلى سؤال «كيف قُننت، ومن حوّلها إلى عقوبة، وعلى من نُفذت، وبأي ضمانات؟»
يمثل تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان خلال فترة حكم نظام الإنقاذ، من انقلاب 30 يونيو 1989 حتى سقوط النظام في أبريل 2019، واحدة من أطول وأكثر التجارب إثارة للجدل في تاريخ تقنين الشريعة الجنائية في الدولة الحديثة. ولا تكمن أهمية التجربة في عدد العقوبات الحدية التي نُفذت فعلياً فحسب، بل في العلاقة بين النص القانوني والممارسة القضائية، وبين الخطاب الديني والسلطة السياسية، وبين استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة، وبين الشريعة بوصفها منظومة قيم ومقاصد وبين اختزالها في العقوبات الجنائية.
ويزداد هذا الموضوع أهمية في عام 2026 بعد صدور كتاب عمر حسن أحمد البشير، الرئيس السابق ورأس نظام الإنقاذ طوال معظم الفترة محل الدراسة، بعنوان «التحديات الفكرية والعملية لتطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة الدين في المجتمعات الإسلامية ـ السودان أنموذجاً». وتفيد البيانات المنشورة عن الكتاب بأنه صدر في أغسطس 2026 عن دار الجنان للنشر والتوزيع، وأنه من تأليف عمر حسن أحمد البشير وإشراف وتطوير طارق الصادق عبد السلام، وأن أصل العمل كان بحثاً تكميلياً للماجستير قدمه البشير سنة 2012 بمعهد إسلام المعرفة بجامعة الجزيرة بعنوان «تحديات تطبيق الشريعة في المجتمعات الإسلامية»، ثم أعيد تطويره وتوسيعه في صورة كتاب (البشير، 2026). ويعرض الملخص المنشور للكتاب انتقالاً من السؤال الإجرائي «كيف نطبق بعض الأحكام؟» إلى سؤال أوسع عن إقامة الدين وبناء مجتمع تتحقق فيه مقاصد الوحي وقيم الإسلام، كما ينتقد اختزال الشريعة في العقوبات ويركز على العدالة والكرامة والعمران والاجتهاد المؤسسي (البشير، 2026). وهذه المادة مهمة بوصفها عرضاً لأطروحة الكتاب، لكنها لا تكفي وحدها لتقييم محتواه العلمي الكامل؛ إذ لم تتوافر في المصادر المفتوحة التي أمكن التحقق منها نسخة كاملة من الكتاب تسمح بمراجعة كل صفحاته ومراجعه، ولذلك ينبغي التمييز بين ما يمكن نسبته بثقة إلى الكتاب وفق البيانات المنشورة عنه، وبين تقييم التجربة التاريخية المستند إلى القوانين والأحكام والتقارير الأولية والثانوية.
وتتطلب دراسة هذه التجربة التمييز الصارم بين ثلاثة مستويات كثيراً ما اختلطت في الكتابات السياسية والإعلامية: الأول هو وجود النص القانوني الذي يقرر عقوبة حدية؛ والثاني هو صدور حكم قضائي بهذه العقوبة؛ والثالث هو تنفيذ الحكم فعلياً. كما يجب التمييز بين الحدود بالمعنى الفقهي الضيق، وبين القصاص، والتعزير، وعقوبات النظام العام التي استند بعضها إلى تأويلات إسلامية ولم تكن كلها حدوداً بالمعنى الاصطلاحي. ومن أخطر الأخطاء المنهجية عدّ كل حكم بالإعدام أو الجلد أو البتر «حداً منفذاً»، أو عدّ كل عقوبة بدنية وردت في القانون جزءاً من منظومة الحدود، أو استخدام حالات فردية لإنتاج رقم إجمالي غير موثق.
ويعتمد هذا المقال منهجاً تاريخياً ـ قانونياً ـ مؤسسياً مركباً. وقد تم ترتيب المادة وفق تسلسل علمي يبدأ بالسياق التاريخي وقانون 1991، ثم يشرح بنية العقوبات، ثم ينتقل إلى الحالات المنفذة فعلياً بحسب نوع العقوبة، ثم إلى الحالات التي صدرت فيها أحكام ولم تنفذ، ثم يفكك أثر هذه القوانين على النساء والأقليات والنازحين والمتهمين، وبعد ذلك ينتقل إلى استقلال القضاء وضمانات المحاكمة والعلاقة بين القانون والسلطة السياسية، ثم إلى الأساطير والمعلومات المضللة، وأخيراً إلى كتاب البشير والمقاربات الحديثة للإصلاح والدروس الخاصة بالسودان. وهذه إعادة الهيكلة تتبع أفضل ممارسة في المقالات التاريخية ـ القانونية، أي الانتقال من الإطار المؤسسي إلى الوقائع الموثقة، ثم من الوقائع إلى التفسير، ومن التفسير إلى المقارنة والإصلاح، بدلاً من خلط النصوص والأحكام والتنفيذات والتقييمات في سرد واحد.
واعتمد البحث على قانون العقوبات السوداني لسنة 1991، وتقارير الأمم المتحدة وآليات حقوق الإنسان، وقرارات وتقارير منظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، واللجنة الأمريكية للحريات الدينية الدولية، ووزارة الخارجية الأمريكية، ومنظمة مناهضة التعذيب، ومركز العدالة والسلام في السودان، والدراسات الأكاديمية المتخصصة، ولا سيما دراسة أولاف كوندغن التي تعتمد على أحكام المحكمة العليا السودانية ومصادر أولية ومقابلات، وتدرس تقنين القانون الجنائي الإسلامي في السودان في عهدي نميري والبشير معاً (Köndgen، 2018). كما تمت مراجعة المواد المنشورة في مصادر سودانية وإقليمية ودولية، بما فيها سودان تربيون، ومصادر نسوية وحقوقية سودانية، ومصادر إخبارية دولية، مع إعطاء الأولوية للمصادر الأولية والتقارير المؤسسية والأبحاث الأكاديمية المحكمة عند وجود تعارض بين الروايات الإعلامية. وتكمن إحدى نتائج البحث المنهجية الأساسية في أن السودان لم ينشئ قاعدة بيانات وطنية علنية ومتكاملة لجميع أحكام الحدود وتنفيذها خلال الفترة 1989–2019، ولذلك فإن أي رقم نهائي شامل يجب التعامل معه بحذر شديد، بينما يمكن تقديم أعداد مؤكدة أو حدود دنيا للحالات التي توفرت بشأنها أدلة مستقلة ومتقاطعة.
أولاً: من قوانين سبتمبر إلى قانون 1991 — لم يبدأ مشروع الحدود مع البشير، لكنه أعاد تقنينه وأدخله في دولة الإنقاذ
لم يبدأ مشروع تقنين الحدود في السودان مع البشير. فقد أدخل جعفر نميري في سبتمبر 1983 ما عُرف بقوانين سبتمبر، واشتملت على عقوبات بدنية قاسية، بينها البتر، ونُفذت خلال الفترة من أكتوبر 1983 إلى أبريل 1985 أكثر من 140 عملية بتر وفق توثيق منظمة العفو الدولية. وظلت بعض أحكام البتر تصدر بعد سقوط نميري في أبريل 1985 بموجب التشريعات السابقة، ولكنها لم تبدُ منفذة بعد ذلك إلى أن أعيد تقنينها في قانون العقوبات لسنة 1991 (Amnesty International، 1995). وتكتسب هذه السابقة أهمية كبيرة لأنها تنفي الأسطورة التاريخية التي تصور أن الإنقاذ اخترع تطبيق الحدود من الصفر، وتوضح أن المشروع القانوني الذي ورثه البشير كان امتداداً مباشراً لمسار بدأ في 1983، وإن كان نظام الإنقاذ أعاد بناءه داخل بنية قانونية ومؤسسية مختلفة.
وبعد انقلاب 30 يونيو 1989، ألغى النظام الجديد الترتيبات السياسية السابقة، وحل الأحزاب والنقابات، وأعاد تشكيل مؤسسات الدولة والقضاء والأمن في سياق سلطوي ارتبط بالحركة الإسلامية. وتصف تقارير حقوق الإنسان في بداية التسعينيات النظام بأنه اتجه بصورة واضحة نحو بناء دولة ذات توجه إسلامي، وأن قانون العقوبات الجديد الصادر في مارس 1991 كان أحد أهم مكونات هذا المشروع (Human Rights Watch، 1992). وتشير المصادر نفسها إلى أن استقلال القضاء تعرض لتراجع منذ انقلاب 1989، وأن الحكومة بدأت إعادة تشكيل الجهاز القضائي بما يضمن قدراً أكبر من الولاء السياسي للنظام (Human Rights Watch، 1992).
وفي مارس 1991 دخل قانون العقوبات الجديد حيز التطبيق، وجعل الشريعة الإسلامية إطاراً أساسياً للقانون الجنائي، ونص على عقوبات تشمل الرجم والجلد والبتر والإعدام والصلب في حالات معينة من الحرابة، كما نص على الردة كجريمة يعاقب عليها بالإعدام وفق المادة 126 بصيغتها الأصلية. ويصف كوندغن هذا التطور باعتباره استمراراً لعملية تقنين القانون الجنائي الإسلامي التي بدأت في عهد نميري، لكنه يبين في الوقت نفسه أن قانون 1991 لم يكن نقلاً حرفياً لنظام فقهي واحد، بل كان تركيباً قانونياً جمع بين مصادر متعددة وتطور من خلال اجتهادات المحاكم العليا والممارسة القضائية (Köndgen، 2018).
وكان القانون أكثر تعقيداً من الصورة الإعلامية المبسطة التي تقول إن «الشريعة طُبقت على الجميع بالطريقة نفسها». فقد تضمن أحكاماً تميز في مجال التطبيق الجغرافي، ولا سيما بالنسبة إلى الولايات الجنوبية ذات الغالبية غير المسلمة في تلك المرحلة. وتؤكد تقارير وزارة الخارجية الأمريكية أن الحكومة كانت تعفي الولايات الجنوبية العشر، حيث كانت الغالبية غير مسلمة، من أجزاء من القوانين التي تسمح بالجلد والبتر والرجم على أساس الشريعة، مع بقاء إمكانية تطبيق القانون في بعض الظروف وفق الترتيبات التشريعية المحلية (U.S. Department of State، 2002).
وهذا التفاوت لم يكن تفصيلاً ثانوياً، بل كشف منذ البداية عن معضلة دستورية وسياسية أساسية: هل «تطبيق الشريعة» مشروع قانون وطني موحد، أم نظام يختلف باختلاف الدين والجغرافيا والولاية؟ وكيف يمكن لدولة متعددة الأديان والأعراق واللغات أن تطبق عقوبات دينية في الوقت نفسه الذي تدعي فيه المساواة في المواطنة؟ وقد أصبحت هذه الأسئلة أكثر حدة بعد اتفاقية السلام الشامل وانفصال جنوب السودان في 2011، لأن البنية القانونية التي صيغت في دولة واحدة متعددة الأديان وجدت نفسها بعد الانفصال أمام دولة شمالية يغلب عليها المسلمون، لكنها ظلت شديدة التنوع دينياً وثقافياً وإثنياً.
ثانياً: ماذا كان يعني «الحد» في قانون الإنقاذ؟ بنية قانونية أوسع بكثير من مجرد العقوبات المشهورة
نص قانون 1991، وفق التفسير الرسمي للنظام، على مجموعة أساسية من العقوبات الحدية أو العقوبات المرتبطة بها. ففي الزنا، نصت المادة 146 على أن الزاني المحصن يعاقب بالرجم، وغير المحصن بمائة جلدة. وفي القذف، تقررت عقوبة الجلد في الحالات التي تستوفي الشروط القانونية. وفي شرب الخمر، تقررت عقوبات بدنية. وفي السرقة الحدية، أمكن أن يصل الحكم إلى بتر اليد اليمنى إذا استوفت الجريمة الشروط القانونية المتعلقة بالنصاب والملابسات. وفي الحرابة، أمكن أن تصل العقوبة، بحسب طبيعة الجريمة ونتائجها، إلى القتل أو القتل ثم الصلب أو البتر المتقاطع. أما الردة فنصت المادة 126 على الإعدام في صيغتها الأصلية، مع أحكام تتعلق بالتوبة، ثم عُدلت المادة في 2015 بطريقة وسعت بعض صور التجريم وأدخلت عقوبات إضافية لمن يتراجع عن معتقداته بعد اتهامه بالردة (Köndgen، 2018؛ USCIRF، 2016).
لكن قانون 1991 لم يكن «قانون حدود» منفصلاً. فقد جمع بين جرائم حدية وأخرى تعزيرية وجرائم سياسية وأمنية وأخلاقية، واشتمل على مواد واسعة حول الآداب العامة والملابس والأفعال الفاحشة والكحول، وهي المواد التي أصبحت لاحقاً أساساً لجزء كبير من ممارسة الشرطة والمحاكم. ولهذا فإن إحصاء كل الجلد الذي وقع في السودان بوصفه «حداً» يؤدي إلى تضخيم العدد وإلى تشويه طبيعة العقوبة نفسها. فالمادة 152 الخاصة بالأفعال الفاضحة أو اللباس غير المحتشم، مثلاً، لم تكن حد الزنا، وإنما كانت جريمة ذات طابع تعزيري/تشريعي سمحت بعقوبة تصل إلى الجلد والغرامة، وقد استخدمت ضد نساء بصورة واسعة (Amnesty International، 2010).
وتكشف هذه البنية عن مشكلة منهجية مهمة: لم يكن «قانون الحدود» قانوناً منفصلاً، بل كان جزءاً من قانون جنائي واسع جمع بين مصادر فقهية مختلفة وبين عناصر من التراث القانوني السابق. ويشير كوندغن إلى أن القانون الجنائي السوداني كان نظاماً مركباً، وأن التطور القضائي للمحاكم العليا كان جزءاً من عملية تحديد كيفية تفسير النصوص وتطبيقها (Köndgen، 2018). وتظهر هذه النقطة بوضوح في أن المحكمة قد تحكم بالبتر في قضية، ثم تلغيه محكمة الاستئناف، أو قد يصدر حكم بالرجم ثم يتحول إلى الجلد، أو قد تصدر المحكمة حكماً بالبتر ثم تلغيه محكمة الاستئناف بسبب ظروف مخففة أو قصور في الإجراءات.
وتنبغي هنا الإشارة إلى قاعدة فقهية مركزية كثيراً ما غابت عن الخطاب السياسي: العقوبات الحدية في الفقه الإسلامي التقليدي مرتبطة بشروط إثباتية صارمة، وبمبدأ درء الحدود بالشبهات، وبضمانات تتعلق بالقصد والظروف والنصاب وطبيعة الدليل. لذلك لا يكفي القول إن عقوبة ما وردت في قانون يحمل صفة إسلامية لكي يكون تنفيذها مطابقاً بالضرورة للفقه الذي يستند إليه القانون. وهذه النقطة ستكون مركزية عند تحليل الحالات السودانية، لأن جزءاً مهماً من النقد لم يكن موجهاً فقط إلى نوع العقوبة، وإنما إلى طريقة الوصول إلى الحكم، ونوعية الدليل، وحق الدفاع، والاستئناف، والمساواة أمام القضاء.
ثالثاً: البتر والحرابة — العقوبة التي ثبت تنفيذها فعلياً أكثر من غيرها، لكن أرقامها ظلت موضع تضارب رسمي وحقوقي
كان بتر الأطراف أكثر العقوبات الحدية التي أمكن توثيق تنفيذها بصورة واضحة خلال عهد الإنقاذ، وإن ظل عددها الإجمالي غير معروف بسبب غياب سجل وطني علني. وتكشف الوقائع الموثقة أن تطبيق البتر لم يكن مستمراً بالمعدل نفسه طوال ثلاثين سنة، بل مر بمراحل من التشدد والتوقف أو شبه التوقف ثم العودة إلى التنفيذ.
في سبتمبر 1991، صدرت في الفاشر أحكام بالبتر في قضية حرابة، بينما صدرت أحكام أخرى في سنار. وفي 10 أكتوبر 1991، حكمت محكمة في الفاشر على أربعة رجال هم بحر عبد الحميد، جمعة إمام، علي محمد بشير، وإسماعيل يعقوب بالإعدام شنقاً ثم الصلب بعد إدانتهم بالسرقة المسلحة وحيازة السلاح و«الإفساد في الأرض». وكان الحكم قابلاً للاستئناف ولم يكن معروفاً آنذاك ما إذا كان قد نفذ (Amnesty International، 1991). كما وثقت منظمة العفو الدولية حالة هارون عبد الكريم في الفاشر في سبتمبر 1991 الذي صدر بحقه حكم بالبتر المتقاطع، أي اليد اليمنى والرجل اليسرى، بعد إدانته بالسرقة المسلحة، مع عدم توفر دليل على تنفيذ الحكم (Amnesty International، 1992).
وفي أغسطس 1990، أي في السنة الأولى من نظام الإنقاذ، نفذ في الفاشر إعدام رجلين شنقاً ثم صلباً بعد إدانتهما بالقتل والسرقة، وفق ما أوردته منظمة العفو الدولية، التي أشارت إلى أن ذلك كان أول تنفيذ معروف من هذا النوع بعد بدء نظام البشير. كما أشار تقرير حقوق الإنسان الأمريكي لسنة 1992 إلى تنفيذ إعدام رجلين في دارفور شنقاً ثم صلباً، مع وجود اختلافات في أسماء وتفاصيل بعض القضايا بين المصادر (Amnesty International، 1991؛ U.S. Department of State، 1993).
وفي 1992، صدر حكم على ثلاثة رجال في جنوب دارفور بعد محاكمة بدأت في الضعين في 23 أغسطس وانتهت في 28 سبتمبر. وكان زو النون التجاني والبشير رحمة عبيد والهادي جار النجم متهمين بجرائم تتعلق بمحاولة تجنيد أفراد للانضمام إلى الحركة الشعبية وحيازة الأسلحة، وحكم عليهم بالإعدام شنقاً، بينما صدر بحق زو النون التجاني حكم إضافي بالصلب العلني بعد الإعدام (Amnesty International، 1992). ويشير تقرير وزارة الخارجية الأمريكية إلى أن عقوبات الحدود الشديدة ظلت موجودة قانونياً، وأن عمليتي شنق وصلب نفذتا في دارفور في 1992، بينما لم تكن أحكام البتر التي صدرت في ذلك العام قد نفذت حتى نهاية السنة (U.S. Department of State، 1993).
وفي منتصف التسعينيات ظهر ما يمكن وصفه بمرحلة «تعليق غير رسمي» لبعض العقوبات القصوى. ففي تقرير 1996 ذكرت وزارة الخارجية الأمريكية أن المحاكم كانت قد واصلت عملياً تعليق البتر والرجم، ولم تفرض خلال السنة أحكاماً من هذا النوع، بينما استمر الجلد، خصوصاً في جرائم تخمير الكحول واستهلاكه (U.S. Department of State، 1997). وهذا التفصيل مهم لأنه يبين أن وجود العقوبة في القانون لم يكن يعني أن القضاء كان يستخدمها آلياً أو بصورة يومية.
لكن مرحلة التوقف لم تكن كاملة. ففي مايو 1996، وفق وكالة الأنباء السودانية الرسمية كما نقلت منظمة العفو الدولية، حكمت محكمة في شمال دارفور خلال الفترة بين 15 و25 مايو على 19 رجلاً بتهم السطو المسلح: ستة بالإعدام شنقاً، وثلاثة بالشنق ثم الصلب العلني، وعشرة بالبتر المتقاطع. ولا تتوفر أدلة كافية تثبت تنفيذ جميع هذه الأحكام، ولذلك يجب تسجيلها بوصفها أحكاماً لا تنفيذات (Amnesty International، 1996).
وفي 1999 صدر في غرب دارفور حكم من محكمة طوارئ على عشرة أشخاص بالإعدام شنقاً ثم الصلب على خلفية اشتباكات قبلية قتل فيها 131 شخصاً وأصيب 85 آخرون. ولم يكن الحكم قد نفذ بنهاية العام، إذ كان يحتاج إلى تأييد محكمة الاستئناف العليا وموافقة رئاسة الدولة (U.S. Department of State، 2000). ويكشف هذا المثال مرة أخرى أن إدراج عشرة أشخاص في قائمة «أحكام الصلب» لا يعني وجود عشر عمليات صلب.
أما عام 2000 فيمثل نقطة مهمة في تاريخ البتر، إذ سجل تقرير وزارة الخارجية الأمريكية ست حالات بتر لأطراف في قضايا سرقة مشددة، كما أشار التقرير إلى أن القانون كان يسمح بالجلد والبتر والرجم والصلب (U.S. Department of State، 2001). وهذه الست حالات من أوضح الأرقام السنوية الموثقة التي يمكن نسبتها إلى تنفيذ البتر في عهد الإنقاذ.
وكان عام 2001 أكثر الأعوام وضوحاً في توثيق عمليات البتر. ففي يناير 2001 نفذت عقوبة البتر المتقاطع بحق خمسة رجال من دارفور كانوا قد أدينوا بالسطو المسلح. وتشير منظمة مناهضة التعذيب إلى أن الرجال هم إبراهيم جمّاي، وعمر سالم، وصالح عمر، وأبكر جلاب، ودفع الله مولودي، وأن أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى بترت في سجن كوبر بعد فحص طبي سابق على التنفيذ (OMCT، 2001). وتختلف بعض المصادر في صياغة تاريخ الحكم والتنفيذ؛ فوزارة الخارجية الأمريكية تسجل 23 يناير كتاريخ الإجراء، بينما توثق منظمة مناهضة التعذيب تنفيذ البتر في 25 و27 يناير، ولذلك ينبغي استخدام هذه التواريخ مع الإشارة إلى هذا الاختلاف بدلاً من اختراع تاريخ موحد غير موجود في جميع المصادر.
ثم جاءت مجموعة أكبر في سجن كوبر. فقد أكدت منظمة مناهضة التعذيب أن 19 رجلاً بترت أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى في 1 فبراير 2001، تنفيذاً لأحكام المادة 174 من قانون العقوبات المتعلقة بالسطو المسلح، مع قلق بالغ بشأن عدالة المحاكمة وكفاية الأدلة وعدم احترام الإجراءات المعتادة (OMCT، 2001). وبذلك يمكن توثيق 24 عملية بتر متقاطع على الأقل في يناير وفبراير 2001، هي خمس حالات في المجموعة الأولى و19 في المجموعة الثانية، دون أن يعني ذلك أن العدد السنوي الكامل لجميع عمليات البتر في السودان كان 24؛ فالمصادر تشير إلى احتمال وجود حالات أخرى.
وتكتسب هذه الحالات أهمية أكبر لأن المحاكم التي أصدرت بعض أحكام دارفور في الفترة نفسها كانت محاكم طوارئ تتكون من قاض مدني وقاضيين عسكريين، ولم تكن تسمح للمتهمين في بعض القضايا بتمثيل قانوني كامل. وتوثق هيومن رايتس ووتش أن محاكم الطوارئ التي أنشئت في غرب السودان في 2001 للنظر في قضايا السطو المسلح والقتل وتهريب الأسلحة كانت تقيد التمثيل القانوني والاستئناف، وأنها أصدرت أحكاماً شديدة السرعة (Human Rights Watch، 2002). كما تذكر وزارة الخارجية الأمريكية أن المتهمين أمام هذه المحاكم لم يكن يسمح لهم بالوصول الكامل إلى محامين، وأن الأحكام كانت تنفذ بسرعة مع فترة استئناف قصيرة للغاية (U.S. Department of State، 2002).
وفي 24 يناير 2002 نُفذ حكم آخر بالبتر بحق أنتوني جيمس لادو واني، وهو رجل مسيحي من قبيلة كاكوا من جنوب السودان، كان قد أدين بسرقة قطع غيار سيارات بموجب المادة 171 من قانون 1991. وتنص المادة على إمكانية بتر اليد اليمنى إذا بلغت قيمة المسروق النصاب المحدد قانوناً، الذي وصفته منظمة مناهضة التعذيب بأنه يعادل 4.25 غراماً من الذهب. وكان الحكم قد صدر في مايو 2000 وظل الرجل في سجن كوبر حتى تنفيذ البتر من الرسغ في يناير 2002 (OMCT، 2002).
وفي ديسمبر 2001 صدرت أحكام أخرى بالبتر والإعدام في دارفور. ففي 12 ديسمبر حكمت محكمة طوارئ في نيالا على عبدو إسماعيل تونغ ويوسف ياو مومباي بالبتر، بعد اتهامهما بسرقة ثلاثة ملايين جنيه سوداني، وذكرت هيومن رايتس ووتش أنهما قالا إن الاعتراف انتزع منهما أثناء الاحتجاز. وفي 25 ديسمبر حكمت محكمة طوارئ في الفاشر على محمد آدم يحيى وأحمد سليمان محمد بالبتر ثم الإعدام شنقاً، وفي 27 ديسمبر حكمت المحكمة نفسها على آدم إبراهيم عثمان وعبد الله إسماعيل إبراهيم بالبتر المتقاطع بسبب السطو المسلح وحيازة أسلحة غير مرخصة. ولم تكن هذه الأحكام كلها منفذة عند توثيقها، وهو ما يوضح مجدداً ضرورة الفصل بين الحكم والتنفيذ (Human Rights Watch، 2002؛ OMCT، 2002).
وفي ديسمبر 2005 حكمت المحكمة الجنائية الخاصة في زالنجي على عبد الله صالح حسين محمد، البالغ 35 عاماً، بالبتر المتقاطع إضافة إلى السجن ست سنوات، بعد إدانته بالقتل والحرابة. وتعود القضية إلى اتهامه بسرقة ثلاثة حمير من نازحين داخلياً في معسكر الحصيحصا بزالنجي في يونيو 2005، وإلى وفاة امرأة أثناء الواقعة. ويظهر هذا المثال أن البتر لم يكن محصوراً في العاصمة أو في سنوات 2000 و2001، بل ظل جزءاً من أدوات المحاكم الخاصة في دارفور (SOAT، 2006).
ثم جاءت واقعة آدم المثنى في فبراير 2013، وهي أهم حالة تنفيذ للبتر في السنوات اللاحقة. ففي 14 فبراير 2013 بتر أطباء في مستشفى الرباط بالخرطوم اليد اليمنى والرجل اليسرى لآدم المثنى، البالغ 30 عاماً، بعد إدانته بالحرابة على خلفية حادثة وقعت عام 2006 على طريق بين شمال كردفان وشرق دارفور، حيث اتهم بوقف سيارة ركاب وتهديد ركابها وسرقة نحو 1000 جنيه سوداني. وتذكر التقارير أن الحكم مر بمراحل استئناف وصلت إلى المحكمة الدستورية قبل تنفيذه (Sudan Tribune، 2013).
وقد أثارت هذه الواقعة أزمة إضافية تتعلق بالأخلاقيات الطبية. ففي مارس 2013 هدد نائب رئيس القضاء بتدريب القضاة على تنفيذ عمليات البتر إذا رفض الأطباء القيام بها، وهدد بملاحقة الأطباء الذين يرفضون المشاركة. ووصفت منظمة العفو الدولية ذلك بأنه تطور بالغ الخطورة، لأن إشراك الأطباء في إحداث بتر قضائي يضع المهنة الطبية أمام تعارض مباشر بين واجب عدم الإضرار وبين تنفيذ عقوبة بدنية (Amnesty International، 2013). كما ناقشت مجلة «المجلة الطبية البريطانية» الواقعة من منظور أخلاقيات المهنة الطبية، واعتبرت مشاركة الأطباء في البتر القضائي متعارضة مع المعايير المهنية الطبية (Moszynski، 2013).
وتزداد أهمية واقعة 2013 بسبب تصريح نائب رئيس القضاء بأن 16 حكماً بالبتر نُفذ منذ 2001. وهذا الرقم يتعارض مع ما كانت المنظمات الحقوقية قادرة على توثيقه بصورة مستقلة؛ إذ كانت تلك المنظمات تعتبر واقعة آدم المثنى أول تنفيذ يمكنها توثيقه منذ 2002. لذلك يجب عدم تقديم الرقم 16 باعتباره قاعدة بيانات نهائية، بل بوصفه رقماً رسمياً معلناً من مسؤول قضائي يكشف احتمال وجود تنفيذات لم تصل إلى المصادر الحقوقية المستقلة (Amnesty International، 2013؛ ACJPS، 2014).
وفي مارس 2013 حكمت محكمة جنايات الفاشر على عبد اللطيف أحمد إبراهيم وأحمد إدريس صالح وعلي صالح ببتر اليد اليمنى بسبب سرقة زيت طبخ قيمته 14,700 جنيه سوداني من مصنع في الفاشر في ديسمبر 2012. لكن الحكم لم ينفذ؛ إذ ألغته محكمة استئناف شمال دارفور في 28 نوفمبر 2013، وحولت العقوبة إلى السجن خمس سنوات بعد قبول دفوع تتعلق بالظروف المخففة. والأهم أن الحكم الابتدائي صدر من دون وجود محام للدفاع، وهو ما شكل انتهاكاً إجرائياً مهماً (ACJPS، 2013).
وفي أكتوبر 2015 حكمت محكمة جبل أولياء ببتر اليد اليمنى لرجل أدين بسرقة أثاث قيمته نحو 10,000 جنيه سوداني، لكن الحكم كان قيد الاستئناف ولم يثبت تنفيذه. ولهذا لا يجوز إدخاله في قائمة التنفيذات (U.S. Department of State، 2016). وهذا المثال مهم لأنه يوضح كيف يمكن للرقم المتداول في وسائل الإعلام أن يتضخم إذا لم يميز الباحث بين الحكم الابتدائي والحكم النهائي والتنفيذ.
ومن ثم فإن البيانات المتاحة تسمح بالقول إن البتر نُفذ فعلياً في عهد الإنقاذ، وبأعداد ليست رمزية، ولا سيما في 2000 و2001 و2002 و2013، مع وجود حالات أخرى محتملة يشير إليها الرقم الرسمي المعلن في 2013، لكنها لا تسمح بإعطاء رقم نهائي لكل الثلاثين عاماً. وهذه النتيجة أكثر تحفظاً وأقوى علمياً من أي رقم قطعي لا تدعمه قاعدة بيانات قضائية وطنية كاملة.
رابعاً: الرجم والزنا — أحكام موثقة، لكن لا توجد حالة تنفيذ للرجم يمكن إثباتها بصورة موثوقة في عهد الإنقاذ
كان الرجم أكثر جوانب تجربة الإنقاذ إثارة للجدل، لكنه في الوقت نفسه من أكثر المجالات التي انتشرت حولها معلومات مضللة. فالقول إن السودان لم يصدر أحكاماً بالرجم خلال عهد البشير غير صحيح، والقول في المقابل إن السودان نفذ مئات عمليات الرجم خلال الفترة نفسها لا تدعمه الأدلة الموثوقة التي أمكن التحقق منها. والتمييز بين الحكم والتنفيذ هنا جوهري.
في 8 ديسمبر 2001 حكمت محكمة جنائية في نيالا بجنوب دارفور على أبُك ألفاو أكوك، وهي امرأة من الدينكا ومسيحية، وكانت حاملاً، بالإعدام رجماً بتهمة الزنا. وكانت المحاكمة بالعربية من دون ترجمة كافية، ولم تحصل المتهمة على تمثيل قانوني مناسب، كما لم يحاكم الرجل الذي اتهمت بارتكاب الزنا معه بالطريقة نفسها وفق ما وثقته هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch، 2002).
وفي فبراير 2002 ألغت محكمة الاستئناف حكم الرجم، وقررت إعادة القضية إلى المحكمة الأدنى مع عقوبة توبيخ، لكن المحكمة أعادت الحكم عليها بـ75 جلدة في 12 فبراير ونفذت الجلد فوراً، في وقت كانت فيه قد أنجبت طفلها. وأكدت هيومن رايتس ووتش أن التنفيذ تم دون منحها فرصة فعالة للاستشارة القانونية أو الاستئناف (Human Rights Watch، 2002). وبذلك تتحول القضية من «قضية رجم منفذة» إلى مثال موثق على حكم رجم أُلغي في الاستئناف ثم استبدل بالجلد، مع بقاء مشكلة العدالة الإجرائية قائمة.
وفي 2007 ظهرت حالتان موثقتان بصورة مستقلة. فقد حكمت محكمة العزيزية في منطقة المناقل بولاية الجزيرة، برئاسة القاضي حاتم عبد الرحمن محمد حسن، على سعدية إدريس فضل، البالغة 22 عاماً والمنحدرة من دارفور، بالإعدام رجماً في 13 فبراير 2007، وعلى أمونة عبد الله دلدم، البالغة 23 عاماً، في 6 مارس 2007 بالعقوبة نفسها، وكلتاهما اتهمتا بالزنا بموجب المادة 146(أ) من قانون العقوبات لسنة 1991 (OMCT، 2007).
وأثارت القضيتان إشكالات إضافية تتعلق باللغة والتمثيل القانوني. فقد أشارت وثائق الأمم المتحدة إلى أن المرأتين لم تتلقيا المساعدة القانونية الضرورية، وأنهما لم تتمكنا من الدفاع عن نفسيهما بلغتهما الأم، كما طلبت آليات الأمم المتحدة من السودان معلومات عن عدد الأشخاص الذين حكم عليهم بالرجم بموجب المادة 146(أ)، ولم تحصل على إحصاءات كاملة. وهذه النقطة شديدة الأهمية لأنها توضح أن الدولة نفسها لم تقدم قاعدة بيانات وطنية كافية عن أحكام الرجم (United Nations، 2007).
وفي وقت لاحق أُبلغ عن إلغاء الحكمين بسبب عدم توفير الدفاع القانوني الضروري، وفق رسالة من سفارة السودان في بروكسل وردت في وثائق البرلمان الأوروبي. وبناءً على ذلك لا يجوز عدّ سعدية فضل وأمونة دلدم ضمن حالات الرجم المنفذة، بل ضمن حالات الحكم بالرجم الذي أُلغي أو أعيد النظر فيه (European Parliament، 2007).
وفي أبريل 2012 حكمت محكمة أمبدة في الخرطوم على انتصار شريف عبد الله بالإعدام رجماً بتهمة الزنا. وتفيد وثائق الأمم المتحدة بأن عمرها كان نحو 20 عاماً وأنها أم لثلاثة أطفال، وأنها كانت قد أنكرت التهمة أولاً ثم أدلت باعتراف لاحق بعد أن أفادت المعلومات بأنها تعرضت للضرب من شقيقها. كما لم يكن لديها محام أو مترجم رغم محدودية معرفتها بالعربية، بينما أطلق سراح الرجل المتهم معها بعد إنكاره التهمة (OHCHR، 2012).
وأصبحت هذه القضية موضع اهتمام دولي واسع. وفي سبتمبر 2012 سجلت وثائق الأمم المتحدة أن انتصار شريف أطلق سراحها، وأن إجراءات الحكم لم تنته إلى تنفيذ الرجم. وبالتالي فإن القضية لا تمثل عملية رجم منفذة، وإنما تمثل حكماً قضائياً خطيراً أُوقف في مراحل لاحقة (United Nations، 2013).
وفي 10 يوليو 2012 حكمت محكمة الناصر الجنائية في الخرطوم على ليلى إبراهيم عيسى جمّول، البالغة 23 عاماً، بالإعدام رجماً بتهمة الزنا بموجب المادة 146. وكانت القضية، وفق المصادر الحقوقية والإعلامية، تفتقر إلى تمثيل قانوني كاف، وكانت المرأة محتجزة مع طفلها الرضيع. وقد ألغيت أو أوقفت إجراءات الحكم ولم تنته إلى تنفيذ الرجم (Sudan Tribune، 2012).
وفي 2014 ظهرت قضية مختلفة لكنها شديدة الأهمية لفهم العلاقة بين قانون الزنا والاغتصاب. فقد اتهمت شابة إثيوبية تبلغ 18 عاماً بأنها تعرضت لاغتصاب جماعي من سبعة رجال في الخرطوم، وكانت حاملاً. وواجهت في البداية اتهامات بالزنا والدعارة كان يمكن أن تعرضها لعقوبة الرجم، قبل أن تقبل المحكمة لاحقاً أنها مطلقة وتسقط تهمة الزنا. لكنها أدينت بـ«الأفعال الفاحشة» وحكم عليها بشهر سجن مع وقف التنفيذ وغرامة قدرها 5000 جنيه سوداني. أما ثلاثة من الرجال المتهمين بالاعتداء فحكم عليهم بمائة جلدة عن الزنا، وحكم على رجلين آخرين بأربعين جلدة عن أفعال فاحشة، وحكم على سادس بتوزيع مادة فاضحة، بينما أطلق سراح السابع لعدم كفاية الأدلة (SIHA، 2014).
وتكشف هذه القضية عن مشكلة جوهرية في تصميم القانون الجنائي: عندما تكون العلاقة الجنسية خارج الزواج جريمة مستقلة، وعندما تكون آليات إثبات الاغتصاب منفصلة أو ضعيفة، يمكن للضحية أن تدخل النظام الجنائي من موقع المتهمة بدلاً من أن تدخل منه بوصفها صاحبة حق في الحماية. وقد انتقدت مبادرة المرأة في القرن الأفريقي هذه النتيجة باعتبارها قد تثني الناجيات عن الإبلاغ عن العنف الجنسي وتساعد على ترسيخ الإفلات من العقاب (SIHA، 2014).
والنتيجة الدقيقة هي أن عدد أحكام الرجم الموثقة خلال عهد الإنقاذ أكبر من عدد عمليات الرجم المنفذة، ولا توجد في المصادر الموثوقة التي أمكن التحقق منها حالة تنفيذ للرجم حتى سقوط النظام في 2019. وهذه النتيجة لا تعني أن الرجم كان «مجرد إشاعة»؛ فالأحكام القضائية نفسها موثقة في 2001 و2007 و2012، وإنما الخطأ هو تحويل الأحكام إلى تنفيذات أو إنتاج أرقام ضخمة لا توجد لها قاعدة بيانات مستقلة.
خامساً: الجلد والنظام العام — العقوبة البدنية الأوسع انتشاراً، والتي لا يجوز اختزالها كلها في الحدود
إذا كان البتر والرجم نادرين نسبياً، فإن الجلد كان العقوبة البدنية الأكثر حضوراً في الحياة اليومية لنظام الإنقاذ. وكان بعضه مرتبطاً بالحدود، مثل الجلد في بعض حالات الزنا غير المحصن والقذف وشرب الخمر، لكن جزءاً مهماً منه كان مرتبطاً بجرائم النظام العام والأخلاق العامة واللباس والأفعال الفاحشة، ولذلك فإن إحصاء كل الجلد على أنه «حدود» خطأ فقهي وقانوني وإحصائي.
تذكر تقارير التسعينيات أن الجلد كان ينفذ بصورة روتينية، خصوصاً في قضايا الكحول. وفي تقرير 1996، على سبيل المثال، قالت وزارة الخارجية الأمريكية إن المحاكم واصلت فرض الجلد بصورة منتظمة، وغالباً على أشخاص أدينوا بتخمير الكحول أو استهلاكه، بينما ظلت عقوبات البتر والرجم في حالة تعليق غير رسمي (U.S. Department of State، 1997).
وفي 1991 وثقت منظمة العفو الدولية انتشار الجلد العلني في قضايا «النظام العام»، بما في ذلك بائعو الشوارع، وكان كثير منهم من النساء النازحات بسبب الحرب والمجاعة، كما ذكرت حالات جلد نساء في الخرطوم وود مدني بسبب الملابس التي اعتبرتها السلطات غير محتشمة (Amnesty International، 1992).
وفي يونيو 1999 حكمت محكمة في الخرطوم على 25 طالباً من جامعة أهلية بالجلد بسبب اضطرابات و«أفعال فاحشة»، وكان المقصود بالأفعال الفاحشة، بحسب التقارير، ارتداء الطالبات البنطلونات (U.S. Department of State، 2000). وهذه الواقعة تبين أن قوانين النظام العام امتدت إلى الحياة الجامعية، ولم تكن مجرد أداة لمكافحة جرائم العنف أو السرقة.
وفي نوفمبر 2002 وثقت منظمة مناهضة التعذيب حالة 17 امرأة في منطقة منواشي، على بعد نحو 8 كيلومترات شمال نيالا في دارفور، حكمت عليهن محاكم موجزة بين 12 و20 نوفمبر بمائة جلدة لكل واحدة بتهمة الزنا. وتوضح المنظمة أن الاتهام بني بصورة أساسية على كون النساء غير متزوجات ولديهن أطفال تتراوح أعمارهم بين ستة أشهر و12 شهراً، وأن أياً منهن لم تحصل على تمثيل قانوني، وأن العقوبة نفذت في اليوم نفسه الذي صدر فيه الحكم، ولم يكن هناك وقت فعال للاستشارة القانونية أو الاستئناف (OMCT، 2002).
وفي 4 يونيو 2002 حكمت محكمة في نيالا على علوية محمد عبد الله، من منطقة كاد الحبوب على بعد نحو ستة كيلومترات شرق نيالا، بمائة جلدة عن الزنا بموجب المادة 146. وأفادت منظمة مناهضة التعذيب بأن الحكم نفذ وفق المادة القانونية نفسها (OMCT، 2002).
وتكشف هذه القضايا، إلى جانب حالة أبُك ألفاو أكوك، عن نمط متكرر هو تنفيذ العقوبة بسرعة شديدة، أحياناً في اليوم نفسه، بما يقلل بصورة كبيرة من قيمة الاستئناف والمساعدة القانونية. وهذه ليست مجرد مسألة حقوقية خارجية؛ بل هي مشكلة تتعلق حتى بمنطق القانون الحدّي نفسه، لأن العقوبة إذا نفذت قبل أن تكتمل مراجعة الحكم يصبح الخطأ القضائي غير قابل للإصلاح.
أما قضية الصحفية لبنى أحمد الحسين عام 2009 فأصبحت من أشهر الأمثلة على المادة 152. فقد اعتقلت شرطة النظام العام في الخرطوم لبنى حسين مع 12 امرأة أخرى في يوليو 2009 بسبب ارتداء البنطلون، وكان يمكن أن تواجه أربعين جلدة وغرامة. وفي 7 سبتمبر أدانتها المحكمة، لكنها لم تنفذ الجلد بحقها، وحكم عليها بغرامة 500 جنيه أو السجن شهراً. وعندما رفضت دفع الغرامة، دخلت السجن لفترة قصيرة قبل الإفراج عنها بعد دفع الغرامة من طرف آخر (Amnesty International، 2010).
والأهم أن لبنى لم تكن الحالة الوحيدة. فقد ذكرت منظمة العفو الدولية أن المادة 152 كانت جزءاً من منظومة أوسع من القوانين والممارسات التي تسمح بالعقوبة البدنية بسبب ما اعتبرته السلطات «سلوكاً غير أخلاقي»، وأنها أثرت بصورة خاصة في النساء (Amnesty International، 2010). وفي الفترة نفسها نقلت تقارير صحفية أن عشر نساء من المجموعة التي اعتقلت مع لبنى تعرضن للجلد قبل محاكمتها، وهو ما يوضح الفارق بين الإجراءات المختلفة داخل القضية الواحدة (Reuters؛ Guardian، 2009).
وفي 2012 كانت اللجنة الأمريكية للحريات الدينية توثق استمرار استخدام الجلد والعقوبات المرتبطة بالنظام العام ضد النساء بسبب اللباس والسلوك. وفي 2018 خلصت مبادرة المرأة في القرن الأفريقي ومنظمة ريدرس إلى أن قوانين النظام العام في الخرطوم كانت تؤثر بصورة غير متناسبة في النساء، بما في ذلك صانعات وبائعات الكحول والطالبات والمدافعات عن حقوق الإنسان والمهاجرات والنساء اللواتي يرتدين البنطلونات (SIHA and REDRESS، 2018).
وفي فبراير 2014، في قضية الشابة الإثيوبية التي ادعت تعرضها للاغتصاب الجماعي، نفذت أحكام الجلد بحق الرجال المدانين بالزنا والأفعال الفاحشة فوراً داخل المحكمة المغلقة، وفق مبادرة المرأة في القرن الأفريقي. وحكم على ثلاثة رجال بمائة جلدة لكل منهم، وعلى ثلاثة آخرين بأربعين جلدة في قضايا مختلفة مرتبطة بالاعتداء وتوزيع المادة المصورة (SIHA، 2014).
ولذلك لا توجد قاعدة علمية تسمح بإعطاء رقم إجمالي لعدد مرات الجلد في الثلاثين عاماً. لكن الأدلة المتاحة تثبت أنه كان العقوبة البدنية الأكثر استخداماً واستمرارية في النظام، وأن مئات الحالات السنوية أو أعداداً كبيرة من الحالات، بحسب السنوات والولايات، كانت مرتبطة بالنظام العام وليس بالحدود وحدها. ومن هنا فإن عبارة «آلاف الحدود» تحتاج إلى تدقيق قبل استخدامها؛ قد يكون المقصود آلاف أحكام الجلد أو آلاف العقوبات البدنية خلال عقود، وليس آلاف الحدود المنفذة بالمعنى الفقهي.
سادساً: الحرابة والقتل والصلب — حين اختلطت الحدود بالجرائم المسلحة والطوارئ والحرب في دارفور
احتل مفهوم الحرابة مكانة مركزية في القانون الجنائي للإنقاذ. وكان قانون 1991 يسمح، وفق ظروف الجريمة، بالقتل أو القتل ثم الصلب أو البتر المتقاطع. وتنبغي هنا ملاحظة أن تطبيق الحرابة في دارفور تداخل أحياناً مع ظاهرة السطو المسلح، والنزاعات القبلية، والحرب، وحالات الطوارئ، ولذلك لا يمكن فصل التاريخ القضائي لهذه العقوبة عن البيئة الأمنية والسياسية التي كانت المحاكم تعمل فيها.
في أغسطس 1990، في الفاشر، نفذ إعدام رجلين شنقاً ثم صلباً بعد إدانتهما بالقتل والسرقة. وتذكر منظمة العفو الدولية أن هذه الواقعة كانت من أولى حالات تنفيذ الصلب في عهد البشير، وأنها سبقت أحكام 1991 التي صيغت بصورة أكثر وضوحاً في قانون العقوبات الجديد (Amnesty International، 1991).
وفي 1991 صدرت أحكام أخرى بالشنق ثم الصلب في الفاشر، بينها قضية أربعة رجال في أكتوبر 1991. وكان الاتهام يشمل السطو المسلح وحيازة الأسلحة و«الإفساد في الأرض»، وهي صياغة ارتبطت في تفسير النظام بجريمة الحرابة أو «الحرب على الله ورسوله» (Amnesty International، 1991).
وفي 1992 أُعدم رجلان في دارفور شنقاً ثم صلباً، وفق تقرير وزارة الخارجية الأمريكية، بينما تذكر منظمة العفو الدولية أن زو النون التجاني صدر بحقه حكم إضافي بالصلب العلني بعد الإعدام (Amnesty International، 1992؛ U.S. Department of State، 1993).
وفي 1996 صدرت الأحكام الشهيرة على 19 رجلاً في شمال دارفور، بينهم ستة بالإعدام وثلاثة بالإعدام ثم الصلب وعشرة بالبتر المتقاطع. لكن المصادر لم تثبت تنفيذ جميع هذه الأحكام، ولذلك لا يجوز تحويلها إلى 19 «عملية حدية» منفذة (Amnesty International، 1996).
وفي 1999 حكمت محكمة طوارئ في دارفور على عشرة أشخاص بالإعدام شنقاً ثم الصلب بسبب مشاركتهم المزعومة في اشتباكات قبلية قتل فيها 131 شخصاً وأصيب 85. ولم يكن الحكم قد نفذ بنهاية السنة، وكان يحتاج إلى تأييد محكمة الاستئناف العليا وموافقة الرئاسة (U.S. Department of State، 2000).
وفي مايو 2013 حكمت المحكمة الجنائية الخاصة بأحداث دارفور في الضعين على ثلاثة رجال، هم إبراهيم عابدين وإدريس خُبُب والصديق محمد، بالإعدام مع إمكانية الصلب بعد التنفيذ، بعد إدانتهم بقتل زعيم محلي وجرائم أخرى مرتبطة بالحرابة والقتل والخطف والسرقة. ولا تتوفر أدلة موثوقة على تنفيذ الصلب بحقهم، ولذلك يجب تصنيفها كأحكام لا كتنفيذات.
ويكشف هذا السجل أن الصلب كان موجوداً قانونياً وصدر في حقه عدد من الأحكام، ونفذت منه حالات في بداية عهد الإنقاذ، لكن لا يجوز تحويل كل أحكام الصلب إلى حالات تنفيذ. كما يوضح أن بعض تطبيقاته جرت في مناطق حرب أو طوارئ، الأمر الذي يجعل السؤال عن عدالة المحاكمة أكثر أهمية، لأن المحكمة التي تعمل في بيئة حرب وتحت قانون طوارئ قد تكون أكثر عرضة للضغط وأقل قدرة على ضمان حقوق الدفاع.
وقد كانت محاكم الطوارئ في دارفور من أبرز مصادر هذه الأحكام. ففي 2001 أنشئت محاكم طوارئ في غرب السودان لمحاكمة السطو المسلح والجرائم الأمنية، وكانت تتكون من قاض مدني وقاضيين عسكريين، ولم تسمح في بعض الحالات بتمثيل المتهم بمحام أمامها. وتذكر هيومن رايتس ووتش أن هذه المحاكم كانت تصدر أحكاماً شديدة القسوة بصورة سريعة، وأنها بحلول يوليو 2002 كانت قد ساهمت في تنفيذ ما لا يقل عن 19 إعداماً في دارفور، بينما صدرت أحكام بالإعدام على عشرات آخرين (Human Rights Watch، 2003).
ومن ثم فإن دراسة الحرابة في عهد الإنقاذ لا ينبغي أن تكون دراسة فقهية مجردة. إنها أيضاً دراسة للعلاقة بين القانون الجنائي والاستثناء والطوارئ والحرب. وهذا يفسر جزئياً لماذا ظهرت العقوبات القصوى بصورة أكبر في دارفور، ولماذا ارتبطت حالات كثيرة بالسطو المسلح أو النزاعات المحلية أو حيازة السلاح، ولماذا كانت ضمانات المحاكمة في بعض هذه الحالات أضعف من المعتاد.
سابعاً: الردة وحرية المعتقد — من عقوبة الإعدام في النص إلى وسيلة لتجريم الاختلاف الديني
كانت المادة 126 من قانون 1991 من أكثر مواد القانون إثارة للجدل لأنها حولت الردة من مسألة فقهية إلى جريمة جنائية قد تصل عقوبتها إلى الإعدام. وقد اتسع نطاق المشكلة في بعض المراحل من التحول من الإسلام إلى دين آخر إلى الاختلاف داخل الإسلام نفسه، وهو ما ظهر بصورة خاصة في قضايا القرآنيين في 2011 و2015.
في 1994 ظهرت إحدى أقدم الحالات الموثقة. ففي 18 يوليو 1994، وفق تقرير لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، حكمت محكمة في ود مدني على عبد الله يوسف، البالغ 65 عاماً، ومحمد محمد، البالغ 43 عاماً، بالجلد والصلب بتهمة الردة بعد إعلانهما اعتناق المسيحية. تلقى الأول أربع جلدات قبل أن ينهار، وتلقى الثاني مائة جلدة، بينما أصدرت الحكومة أمراً بوقف تنفيذ الصلب. كما صدر في أبريل 1994 حكم بالإعدام على الضابط السابق سلفاتوري علي أحمد، لكنه لم ينفذ وأطلق سراحه بعد تدخل وزير العدل والنائب العام (United Nations، 1995).
وتشير وثائق الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 200 حالة تحول إلى المسيحية سجلت منذ 1992 في شمال السودان وفق مصادر كنسية، وأن هؤلاء كانوا من الناحية النظرية معرضين لخطر المادة 126. وهذه المعلومة لا تعني أن جميع هؤلاء تعرضوا للملاحقة، بل توضح اتساع الفجوة بين نطاق النص القانوني وبين عدد القضايا التي وصلت إلى المحاكم (United Nations، 1995).
وفي أواخر التسعينيات ظهرت قضايا أخرى مرتبطة بالردة أو التحول الديني، لكنها لم تنته إلى تنفيذ الإعدام. وهذه الحقيقة مهمة لأن المادة 126 كانت تحمل تهديداً جنائياً شديداً حتى عندما لم يصل الأمر إلى التنفيذ. وفي مثل هذه الحالات يمكن أن تكون الوظيفة السياسية للنص مختلفة عن الوظيفة الإحصائية للعقوبة: مجرد وجود الإعدام كخطر قانوني يمكن أن يغير سلوك الفرد قبل أن تصدر المحكمة حكماً.
وفي 2011 اتخذت المسألة شكلاً جديداً عندما اعتقلت السلطات أكثر من 100 شخص من جماعة دينية تتبع تفسيراً قرآنياً للإسلام، وأُفرج عنهم بعد أن تراجع بعضهم عن مواقفهم. وفي 2015، توسعت القضية بصورة أكبر عندما اعتقلت السلطات 27 شخصاً من أتباع تفسير يعتبر القرآن المصدر الديني الوحيد ويرفض سلطة الحديث، ثم وجهت إلى 25 منهم تهمة الردة. وتؤكد اللجنة الأمريكية للحريات الدينية أن السلطات اعتقلت 27 شخصاً في نوفمبر 2015، بينهم ثلاثة أطفال، ثم وجهت تهمة الردة إلى 25 منهم، وأفرج عنهم بكفالة، وأوقفت الإجراءات لاحقاً (USCIRF، 2016).
وكانت القضية مثيرة للاهتمام لأنها لم تكن ببساطة قضية «مسلم تحول إلى المسيحية». فالـ25 كانوا يعلنون أنهم مسلمون، لكنهم رفضوا سلطة الحديث واعتمدوا القرآن مصدراً وحيداً للتشريع الديني. ولذلك تحولت المادة 126 إلى أداة يمكن أن تستخدم ضد الاختلاف داخل الإسلام نفسه، وليس فقط ضد الانتقال إلى دين آخر. وأفادت تقارير صحفية أن المجموعة ضمت رجالاً وشباباً من المجتمع الهوساوي في الخرطوم، وأن بعضهم لم يكن يتقن العربية جيداً، ما أضاف بعداً لغوياً وثقافياً إلى القضية (Salih، 2015).
وفي 2015 عدلت الجمعية الوطنية المادة 126 بطريقة وسعت تعريف الردة وأضافت عقوبات لمن يتراجع عن معتقداته بعد الاتهام، بما في ذلك السجن والجلد، بحسب تقارير اللجنة الأمريكية للحريات الدينية. كما توسع التجريم ليشمل أفعالاً اعتبرت مخالفة للدين أو مهينة له، وهو ما أثار مخاوف بشأن حرية التعبير والمعتقد (USCIRF، 2016؛ U.S. Department of State، 2016).
وفي 2014 أصبحت قضية مريم يحيى إبراهيم إسحق أشهر قضية ردة في تاريخ نظام الإنقاذ. ففي 15 مايو حكمت محكمة في الخرطوم عليها بالإعدام شنقاً بتهمة الردة، وبمائة جلدة بتهمة الزنا، لأن المحكمة لم تعترف بزواجها من رجل مسيحي. وكانت مريم حاملاً ومحتجزة مع طفلها. وقد أثارت القضية اهتماماً دولياً واسعاً، ووثقت آليات الأمم المتحدة مخاوف تتعلق بالاحتجاز والمحاكمة العادلة وحرية الدين والمعتقد (OHCHR، 2014).
وفي 23 يونيو 2014 ألغت محكمة الاستئناف الحكم وأمرت بإطلاق سراحها، بعد أن كان الحكم قد أثار ضغوطاً دولية وحقوقية كبيرة. ولم تنفذ بحقها لا عقوبة الجلد ولا الإعدام (Ibrahim، 2014).
وفي 2017 ظهرت قضية محمد صالح الدسوقي، الذي اتهم بالردة بعد سعيه إلى تغيير خانة الدين في أوراقه الرسمية من «مسلم» إلى «غير متدين»، وانتهت القضية إلى عدم محاكمته بعد إجراءات قضائية تتعلق بقدرته على المحاكمة. وتكشف هذه القضايا أن المادة 126 ظلت طوال عهد الإنقاذ ذات وظيفة تتجاوز التنفيذ الفعلي للإعدام، إذ عملت أيضاً كأداة لتحديد الحدود القانونية لما يمكن للفرد أن يعلنه عن معتقده وهويته الدينية.
وبالتالي، فإن القول إن «نظام البشير أعدم أشخاصاً بسبب الردة بصورة واسعة» لا تدعمه الأدلة التي أمكن التحقق منها، لكن القول المقابل إن المادة 126 كانت مجرد نص غير مستخدم أيضاً غير صحيح. فقد صدرت أحكام واتُّخذت إجراءات جنائية واعتُقل أشخاص ووجهت اتهامات بالردة، ووصل بعضها إلى الإعدام في المحكمة، كما في قضية مريم إبراهيم، لكن لا توجد حالة موثقة لتنفيذ إعدام قضائي بسبب الردة خلال عهد البشير.
ثامناً: النساء والأقليات والنازحون — عندما تتحول المساواة الشكلية إلى نتائج غير متساوية أمام القانون
تكشف القضايا الموثقة أن النساء، والمهاجرين، والنازحين، وأفراد الأقليات الدينية أو المجموعات اللغوية غير العربية، كانوا ممثلين بصورة بارزة في القضايا الأكثر إثارة للجدل. ولا تسمح هذه الوقائع وحدها بالقول إن كل حكم صدر في السودان كان موجهاً ضد النساء أو مجموعة إثنية بعينها، لكنها تكشف نمطاً مؤسسياً يستحق التحليل: عندما يكون المتهم فقيراً، أو امرأة، أو نازحاً، أو لا يتقن العربية، فإن القواعد القانونية نفسها يمكن أن تنتج نتائج مختلفة بسبب تفاوت القدرة على الوصول إلى المحامي والمترجم والاستئناف.
في قضايا الرجم لسعدية إدريس فضل وأمونة عبد الله دلدم، كانت المرأتان من دارفور، وكانت المحكمة تعمل في ولاية الجزيرة، وكانت هناك مشكلات تتعلق باللغة والتمثيل القانوني. وفي قضية أبُك ألفاو أكوك كانت المتهمة من الدينكا ومسيحية وحاملاً، وحوكمت بالعربية من دون ترجمة كافية، ثم تحولت عقوبتها من الرجم إلى الجلد (Human Rights Watch، 2002).
وفي قضية انتصار شريف عبد الله، كانت المتهمة محدودة المعرفة بالعربية، ولم يكن لديها محام أو مترجم، وكان الحكم مبنياً على اعتراف قالت المصادر إنه جاء بعد تعرضها للضرب. وتظهر هذه الوقائع أن القدرة على فهم لغة المحكمة ليست مسألة تقنية، بل شرط أساسي لممارسة حق الدفاع (OHCHR، 2012).
أما قضية مريم إبراهيم فقد أظهرت تداخل الدين والجندر والأسرة والقانون الجنائي. فقد اعتبرت المحكمة زواج المرأة المسلمة من رجل مسيحي غير صحيح قانوناً، ومن ثم تعاملت مع العلاقة باعتبارها زنا، وفي الوقت نفسه اعتبرت موقفها الديني ردة. وبذلك اجتمعت في القضية عقوبتان من أكثر العقوبات إثارة للجدل في قانون 1991: الجلد والإعدام (U.S. Department of State، 2015).
وفي قضية الشابة الإثيوبية التي ادعت تعرضها للاغتصاب الجماعي، كان الخطر أكبر: فقد واجهت الضحية نفسها احتمال الرجم قبل إسقاط تهمة الزنا. ثم أدينت بجريمة أخرى هي الأفعال الفاحشة. أما بعض الرجال الذين اتهمتهم بالاعتداء فحكم عليهم بالجلد. وقد اعتبرت مبادرة المرأة في القرن الأفريقي أن هذه النتيجة يمكن أن تثني ضحايا العنف الجنسي عن الإبلاغ وتساعد على استمرار الإفلات من العقاب (SIHA، 2014).
وتتصل هذه القضية بمشكلة أعمق في القانون الجنائي السوداني، وهي أن القانون عامل العلاقات الجنسية خارج الزواج كجريمة، بينما لم تكن الحماية القانونية لضحايا الاغتصاب متناسبة دائماً مع حجم المشكلة. وتوضح تقارير وزارة الخارجية الأمريكية أن الزنا والفجور كانا يعاقبان بصورة مختلفة بحسب حالة المتهم الاجتماعية، وأن النساء شكلن غالبية المتهمين في بعض هذه القضايا (U.S. Department of State، 2015).
وقد تناولت الدراسات السودانية المتخصصة هذا الأمر بوصفه مشكلة «عدالة مُجندرة»، أي أن النص الذي يبدو محايداً قد ينتج نتائج غير متساوية عندما يعمل داخل مجتمع تتفاوت فيه القوة الاقتصادية والاجتماعية واللغوية بين الرجال والنساء (Abdel Halim، 2011). وتزداد المشكلة عندما يكون القانون نفسه غامضاً في تعريف «اللباس غير المحتشم» أو «السلوك الفاضح»، كما في المادة 152، لأن الغموض يمنح الشرطة والقاضي مجالاً واسعاً للتقدير، وهو ما قد يزيد خطر التطبيق الانتقائي (SIHA and REDRESS، 2018).
وهنا يظهر درس قانوني مهم: المساواة أمام القانون لا تتحقق بمجرد أن تكون العقوبة مكتوبة في نص واحد للجميع؛ بل تتطلب أن تكون القدرة على فهم القانون والدفاع عن النفس والطعن في الحكم متاحة للجميع بصورة متقاربة.
تاسعاً: القضاء والاستثناء والطوارئ — المشكلة لم تكن نوع العقوبة فقط، بل المؤسسة التي قررت تنفيذها
لا يمكن تفسير تطبيق الحدود في عهد الإنقاذ باعتباره ظاهرة فقهية مستقلة عن طبيعة النظام السياسي. فقد جاء قانون 1991 في سياق أعقب انقلاباً عسكرياً، وحل الأحزاب والنقابات، وتقييد الصحافة، وإعادة تشكيل القضاء، وفرض حالة طوارئ وأجهزة أمنية واسعة الصلاحيات. ولذلك فإن السؤال العلمي لا ينبغي أن يكون فقط: «هل العقوبة إسلامية؟»، بل أيضاً: من يضع شروط الجريمة؟ ومن يفسر النص؟ ومن يراقب القاضي؟ ومن يضمن استقلال النيابة؟ ومن يتحقق من سلامة الاعتراف؟ ومن يضمن للمحامي الاطلاع على ملف القضية؟ ومن يمنع تنفيذ الحكم قبل استكمال الاستئناف؟ ومن يتحمل مسؤولية الخطأ القضائي؟
أظهرت دراسة كوندغن أن القانون الجنائي الإسلامي السوداني لم يعمل باعتباره نظاماً فقهياً صافياً، وإنما باعتباره نظاماً قانونياً مركباً تطور من خلال التشريع والاجتهاد القضائي والظروف السياسية، وأن دراسة المحكمة العليا ضرورية لفهم كيفية تفسير العقوبات والشروط الإثباتية (Köndgen، 2018). ويؤكد لوتس أوته في مراجعته للكتاب أن دراسة كوندغن تسد فجوة مهمة في فهم العلاقة بين تقنين القانون الإسلامي والممارسة القضائية في السودان (Oette، 2018).
وكانت محاكم الطوارئ في دارفور مثالاً واضحاً على هذه المشكلة. فقد كانت تتكون في بعض الحالات من قاض مدني وقاضيين عسكريين، وكانت تمنع التمثيل القانوني أو تقيده، وتسمح بفترات استئناف قصيرة، وأصدرت أحكاماً بالإعدام والبتر في قضايا السطو المسلح. وقد انتقدت هيومن رايتس ووتش هذه المحاكم لأنها لم تستوف معايير المحاكمة العادلة الأساسية (Human Rights Watch، 2002).
وفي قضية عبدو إسماعيل تونغ ويوسف ياو مومباي، قالت المصادر إن الرجلين اعترفا أثناء الاحتجاز ثم أنكرا التهمة لاحقاً، وهو ما أثار احتمال أن يكون الاعتراف قد انتزع بالإكراه. ولم يكن مسموحاً لهما بتمثيل قانوني كامل أمام محكمة الطوارئ. وفي قضية أبُك ألفاو أكوك، لم يكن الرجل المتهم معها ملاحقاً بالطريقة نفسها. وهذه الوقائع لا تثبت وحدها أن كل اعترافات المتهمين في النظام كانت منتزعة بالإكراه، لكنها تثبت أن خطر الاعتراف غير الطوعي وضعف الدفاع كان مشكلة حقيقية في بعض قضايا العقوبات القصوى (Human Rights Watch، 2002).
وفي 2009 قدمت الحكومة السودانية إلى آليات حقوق الإنسان الدولية تفسيراً مختلفاً لبعض هذه الممارسات. فقد قالت إن البتر لا يطبق، وإن الجلد ينفذ بعد استشارة طبيب وبطريقة لا تسبب ألماً شديداً أو تترك أثراً، وإنه لا ينفذ علناً. لكن الوقائع الموثقة لاحقاً، ومنها بتر آدم المثنى في 2013، تناقض القول بأن البتر لم يعد ينفذ مطلقاً، بينما تكشف قضايا 2002 و2010 و2014 أن الجلد كان منفذاً فعلياً (Government of Sudan، 2010).
وهذا التناقض بين الخطاب الرسمي والسجل المستقل مهم جداً في تقييم التجربة. فالدولة لم تكن تنكر دائماً وجود العقوبات في القانون، لكنها كانت تقدم أحياناً تفسيراً يقلل من نطاق تنفيذها. ثم ظهرت حالات تنفيذ موثقة أو تصريحات لمسؤولين تشير إلى تنفيذ أوسع مما كان معروفاً للمنظمات المستقلة. ولذلك فإن الشفافية الإحصائية ليست مسألة ثانوية، بل جزء من تقييم مدى صدق السياسة العامة.
وكان السودان طرفاً في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية منذ 1986، كما كان طرفاً في الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، وأصبح التناقض بين القانون الجنائي الوطني والالتزامات الدولية موضوعاً متكرراً في المراجعات الدولية. وفي 2018، كانت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة تنظر في التقرير الدوري الخامس للسودان وتناقش قضايا الحقوق والحريات ضمن الإطار الدستوري والقانوني السوداني (United Nations Human Rights Committee، 2018).
وتكشف وثائق الأمم المتحدة عن التناقض القانوني بوضوح: فالدستور الانتقالي لعام 2005 جعل الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها السودان جزءاً من وثيقة الحقوق، بينما ظل قانون العقوبات يحتفظ بعقوبات بدنية وإعدامات مرتبطة بالحدود. وهذه الازدواجية بين الالتزام الدستوري بالحقوق وبين القانون الجنائي المتعارض معه كانت إحدى المشكلات البنيوية التي لم يعالجها النظام بصورة كاملة.
عاشراً: الأساطير والإشاعات والمعلومات المضللة — ما الذي تثبته الأدلة، وما الذي لا تثبته؟
توجد سبع مجموعات أساسية من المعلومات المضللة التي تكررت في النقاش السوداني والدولي حول حدود عهد الإنقاذ.
الأسطورة الأولى هي أن «نظام البشير لم ينفذ أي حد». هذه المعلومة خاطئة. فقد ثبت تنفيذ البتر في 2000، وفي يناير وفبراير 2001، وفي يناير 2002، وفي فبراير 2013، كما ثبت تنفيذ الجلد على نطاق واسع. وتوجد أدلة على تنفيذ الشنق ثم الصلب في بداية التسعينيات (U.S. Department of State، 2001؛ OMCT، 2001؛ OMCT، 2002؛ Amnesty International، 2013).
الأسطورة الثانية هي أن «السودان نفذ مئات عمليات الرجم في عهد الإنقاذ». لا تدعم الأدلة المتاحة هذه العبارة. توجد أحكام موثقة بالرجم في 2001 و2007 و2012، لكن لم يمكن إثبات تنفيذ الرجم في هذه الحالات، ولا توجد قاعدة بيانات مستقلة تثبت مئات التنفيذات. كما أن وثائق الأمم المتحدة نفسها طالبت الحكومة السودانية بتقديم إحصاءات عن عدد الأحكام بموجب المادة 146 ولم تحصل على بيانات كاملة (United Nations، 2007).
الأسطورة الثالثة هي أن «لم تكن هناك أحكام رجم على الإطلاق». هذه أيضاً غير صحيحة. صدرت أحكام موثقة في نيالا سنة 2001، وفي ولاية الجزيرة سنة 2007، وفي الخرطوم سنة 2012، كما صدرت أحكام ردة مرتبطة بالزنا في قضية مريم إبراهيم سنة 2014 (Human Rights Watch، 2002؛ OMCT، 2007؛ OHCHR، 2012؛ U.S. Department of State، 2015).
الأسطورة الرابعة هي أن «كل بتر صدر في السودان نُفذ». غير صحيح. توجد أحكام كثيرة لم تنفذ، ومنها أحكام 1991 و1996، وأحكام 2001 التي كانت تنتظر الموافقات، وأحكام 2013 الثلاثة في الفاشر التي ألغتها محكمة الاستئناف. لذلك فإن قائمة الأحكام لا يمكن استخدامها بوصفها قائمة التنفيذات.
الأسطورة الخامسة هي أن «كل حالات الجلد كانت حدوداً». غير صحيح. كان جزء من الجلد مرتبطاً بالزنا أو القذف أو الخمر، بينما كان جزء آخر مرتبطاً بالمادة 152 والنظام العام واللباس والأفعال الفاحشة، وهي عقوبات لا ينبغي دمجها إحصائياً مع الحدود الفقهية (Amnesty International، 2010؛ SIHA and REDRESS، 2018).
الأسطورة السادسة هي أن «حكم البشير كان أول تطبيق للشريعة في السودان». هذه معلومة تاريخية خاطئة. فقوانين سبتمبر 1983 سبقت الإنقاذ، ونفذ في عهد نميري أكثر من 140 بتر بين أكتوبر 1983 وأبريل 1985، وظلت بعض أحكام تلك القوانين سارية إلى أن صدر قانون 1991 (Amnesty International، 1995).
الأسطورة السابعة هي أن «كتاب البشير الجديد يثبت أن تطبيق الحدود في عهده كان ناجحاً». لا يمكن علمياً استخلاص هذه النتيجة من الكتاب أو من الملخص المنشور عنه. الكتاب، بحسب البيانات المنشورة، يقدم مراجعة فكرية أوسع لمفهوم تطبيق الشريعة وإقامة الدين، ويؤكد أن النجاح لا يقاس بمجرد فرض القوانين والعقوبات، وإنما ببناء الإنسان والعدل والكرامة والعمران والاجتهاد المؤسسي (البشير، 2026). لكن تقييم نجاح أو فشل تجربة تاريخية لا يمكن أن يعتمد على رواية أحد المشاركين الرئيسيين فيها وحدها، بل يجب مقارنتها بالقوانين والأحكام وسجلات المحاكم والتقارير الدولية والحالات الموثقة.
وتوجد أيضاً أسطورة ثامنة أقل وضوحاً، وهي أن كل عقوبة قاسية صدرت في السودان كانت بالضرورة «حداً». وهذا غير صحيح؛ فالقتل والقصاص والتعزير والجرائم الأمنية والجرائم العسكرية والجرائم المرتبطة بالطوارئ كانت جزءاً من منظومة أوسع. وبالتالي فإن أي تحليل جاد يجب أن يحدد المادة القانونية التي استند إليها الحكم قبل تصنيف العقوبة.
الحادي عشر: كتاب عمر البشير الجديد — مراجعة ذاتية مهمة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحسم التاريخ الذي كان مؤلفه جزءاً منه
يمثل الكتاب الجديد للبشير تحولاً مهماً في الخطاب المعلن حول تجربة الإنقاذ. فبحسب البيانات المنشورة عنه، لا يقدم الكتاب الشريعة باعتبارها مجرد مجموعة عقوبات، بل يميز بين «تطبيق الشريعة» و«إقامة الدين»، ويعتبر تطبيق الشريعة جانباً إجرائياً وتنظيمياً وقانونياً، بينما يضع «إقامة الدين» في إطار أوسع يشمل العقيدة وتزكية الإنسان والقيم والعدالة والاستخلاف والعمران (البشير، 2026). كما ينتقد الكتاب، وفق الملخص المنشور، اختزال الشريعة في البعد القانوني والجنائي أو في الخطاب الأيديولوجي السياسي، ويدعو إلى فهم حضاري واجتماعي أوسع.
ويذكر العرض المنشور للكتاب أن أصله كان بحثاً للماجستير قدمه البشير سنة 2012، أي قبل سقوط نظامه بسبع سنوات، ثم جرى تطويره لاحقاً مع المشرف طارق الصادق عبد السلام. وهذه المعلومة مهمة لأنها تمنع قراءة الكتاب باعتباره نصاً كتب بالكامل بعد سقوط النظام أو بعد الحرب؛ فالفكرة الأساسية، وفق البيانات المتاحة، كانت موجودة لدى البشير منذ 2012 ثم أعيد تطويرها في كتاب صدر في 2026 (البشير، 2026).
ويعرض الكتاب، بحسب الملخص المنشور، نموذجاً معرفياً استخلافياً سننياً، ويناقش العلاقة بين الوحي والعقل والواقع، وينتقد الوضعية الغربية والدولة القومية الحديثة، ويتحاور مع المدرسة المقاصدية ومدرسة إسلامية المعرفة والطرح العلماني العربي ودراسات ما بعد الاستعمار. كما يقسم التحديات إلى نفسية وفكرية وتنظيمية ومادية، ويطرح مراحل الصحوة واليقظة والنهضة وصولاً إلى الحضارة والعمران. ويؤكد على الاجتهاد الجماعي والمؤسسي، وضرورة استقلال المؤسسات العلمية والفتيا عن التوظيف السياسي الأحادي (البشير، 2026).
وتعرض الدراسة أيضاً مراجعات للتجربة السودانية نفسها، من التركيز على الوصول إلى السلطة والمظهر القانوني الشكلي، إلى التعليم العالي وتعريب وأسلمة المناهج، والمصارف الإسلامية وديوان الزكاة والبنية التحتية والطرق والجسور واستخراج النفط والتقانة، باعتبارها جوانب من ترجمة مقاصد الشريعة إلى العمران والتنمية، لا مجرد فرض العقوبات (البشير، 2026). وهذه النقطة مهمة لأنها تعيد توجيه النقاش من «كم يد بُترت؟» إلى سؤال أوسع عن طبيعة الدولة التي نتجت عن المشروع الإسلامي.
وتظهر هنا نقطة تقاطع لافتة بين المراجعة الجديدة للبشير وبعض الأدبيات الحديثة في الشريعة. فمحمد هاشم كمالي، في دراسته للعقوبات في الفقه الإسلامي، يؤكد أهمية إعادة النظر في العلاقة بين النص والسياق والغاية، وعدم التعامل مع العقوبات الشرعية بمعزل عن شروطها ومقاصدها وسياق الدولة الحديثة (Kamali، 2019). وهذا لا يعني أن كمالي يوافق على تجربة الإنقاذ أو أن كتاب البشير يتبنى بالضرورة أطروحته، بل يعني أن هناك تحولاً فكرياً أوسع من مجرد ثنائية «مع الشريعة أو ضدها» نحو دراسة مقاصد التشريع وبنية المؤسسة القانونية.
لكن القيمة العلمية للكتاب بوصفه مراجعة للتجربة التاريخية ستظل مرتبطة بقدرته على الإجابة عن أسئلة لا تظهر في الملخص المنشور. لماذا نفذت عمليات البتر في 2000 و2001 و2002 و2013؟ لماذا صدرت أحكام الرجم في 2001 و2007 و2012؟ لماذا استخدمت المادة 152 على النساء؟ لماذا استمرت محاكم الطوارئ في إصدار أحكام قاسية مع قيود على الدفاع؟ كيف كان النظام السياسي يضمن استقلال القضاء؟ لماذا احتفظ قانون 1991 بعقوبة الردة؟ ولماذا تحولت المادة 126 في بعض الحالات إلى أداة لمعاقبة الاختلاف داخل الإسلام؟
وهذه الأسئلة لا تنتقص من أهمية الكتاب، بل تحدد نوعه العلمي. فهو، وفق المعلومات المتاحة، مصدر أولي مهم لفهم المراجعة الفكرية التي يقدمها البشير لتجربة كان أحد أهم صانعيها، لكنه ليس مصدراً مستقلاً لإثبات الوقائع التاريخية. ولذلك يجب وضعه إلى جانب المصادر القضائية والحقوقية والدولية، لا مكانها.
وتزداد أهمية هذا التمييز لأن البشير نفسه قال في مقابلة تلفزيونية سنة 2011 إنه لا يتحرج من تطبيق الحدود، وذكر بصورة صريحة الجلد كحد وتعزير، وبتر يد السارق، والقتل والصلب في بعض جرائم الحرابة، ودافع عن تنفيذ أحكام القاضي والشرطة للعقوبات (البشير، 2011). وهذه التصريحات السابقة مهمة عند مقارنة الخطاب السياسي للرئيس أثناء وجوده في السلطة مع المراجعة الفكرية المنشورة في 2026.
ولا يعني ذلك أن الخطابين متناقضان بالضرورة؛ فقد يكون انتقالاً من تصور يركز على «التطبيق» إلى تصور يركز على «إقامة الدين»، وهو ما يقوله الكتاب نفسه بحسب ملخصه. لكن الدراسة الأكاديمية ينبغي أن تسجل هذا التحول زمنياً بدلاً من افتراض أن الرؤية كانت ثابتة طوال العقود الثلاثة.
الثاني عشر: من العقوبة إلى العدالة — النظريات والممارسات الحديثة والدروس القابلة للتنفيذ لإصلاح القانون السوداني
أحد أهم أوجه النقد التي يمكن استخلاصها من التجربة السودانية هو أن النظام جعل العقوبات الأكثر إثارة للجدل مرئية ومركزية في صورة «تطبيق الشريعة»، بينما لم تكن مؤشرات العدالة الاجتماعية، والمساواة، واستقلال القضاء، وحماية الفقراء، وحماية النساء، ومكافحة التعذيب، وضمان حق الدفاع، وحماية حرية المعتقد، بنفس الدرجة من المركزية السياسية والقانونية.
وهذه الملاحظة لا تعني أن الشريعة تختزل في الحدود؛ بل العكس. فحتى داخل الفكر الإسلامي المعاصر توجد مدارس واسعة تركز على المقاصد والعدل والمصلحة ورفع الضرر وكرامة الإنسان والاجتهاد المؤسسي. وتمثل أعمال كمالي أحد المراجع المعاصرة في تطوير هذا النقاش (Kamali، 2019). كما أن دراسة كوندغن للتقنين السوداني تبين أن مجرد نقل العقوبة من الفقه إلى القانون لا يحل مشكلات الإثبات والقضاء والمؤسسة (Köndgen، 2018).
وتقدم التجربة السودانية عدة دروس نظرية وعملية.
أولها أن الفصل بين الدين والدعاية السياسية للدين شرط أساسي لسلامة التشريع. استخدام عبارة «تطبيق الشريعة» كعنوان سياسي لا يكفي لإثبات أن النظام القانوني عادل أو أن مؤسسات الدولة تعكس بالضرورة القيم الإسلامية التي يدعيها النظام.
ثانيها أن الفصل بين الحكم القضائي والتنفيذ يجب أن يصبح قاعدة منهجية في كل دراسة سودانية لاحقة. فالتاريخ يحتوي على عدد أكبر بكثير من الأحكام التي لم تنفذ مقارنة بالحالات التي نفذت، وخاصة في الرجم والبتر والصلب. ولذلك ينبغي أن تحتوي أي قاعدة بيانات وطنية مستقبلية على متغيرات منفصلة: التهمة، المحكمة، تاريخ الحكم الابتدائي، العقوبة، الاستئناف، الحكم النهائي، وقف التنفيذ، العفو، والتنفيذ الفعلي.
ثالثها أن السودان يحتاج إلى سجل قضائي وطني مفتوح للحدود والعقوبات البدنية. يجب أن يتضمن كل سجل رقم القضية، المحكمة والولاية والمحلية، المادة القانونية، نوع الجريمة، جنس وعمر المتهم، جنسيته، لغته، وجود محام، وجود مترجم، نوع الدليل، الاعتراف من عدمه، نتيجة الاستئناف، والتنفيذ. مثل هذه القاعدة ستمنع التضخيم السياسي والإعلامي للأرقام، كما ستمنع التقليل منها.
رابعها أن استقلال القضاء ليس مسألة إدارية منفصلة عن الشريعة. فإذا كانت العقوبة لا يمكن إصلاح أثرها بعد التنفيذ، فإن استقلال القاضي واستقلال النيابة وحق الدفاع وحق الاستئناف ورفض الأدلة المنتزعة بالإكراه تصبح شروطاً جوهرية للعدالة.
خامسها أن اللغة والقدرة على فهم إجراءات المحاكمة جزء من العدالة. الحالات التي حوكم فيها متهمون من دارفور أو جنوب السودان أو من جماعات لغوية أخرى بالعربية دون ترجمة كافية تكشف أن المساواة الشكلية أمام القانون لا تحقق العدالة إذا لم يستطع المتهم فهم الاتهام والدفاع عن نفسه. ولهذا ينبغي أن يكون توفير مترجم مؤهل حقاً إلزامياً في كل محاكمة جنائية لا يفهم فيها المتهم لغة المحكمة.
سادسها أن المساعدة القانونية يجب أن تكون إلزامية في الجرائم التي يمكن أن تؤدي إلى الإعدام أو العقوبة البدنية الدائمة. فلا يمكن اعتبار محاكمة تؤدي إلى بتر أو إعدام عادلة إذا لم يكن للمتهم محام فعلي، ولم يطلع على ملف القضية، ولم تتح له فرصة حقيقية للطعن.
سابعها أن الاعتراف لا ينبغي أن يكون دليلاً حاسماً إذا ظهرت مؤشرات على الإكراه. فالقضية ليست سودانية فقط؛ إنها قاعدة أساسية في العدالة الجنائية الحديثة. وفي السودان تزداد أهميتها بسبب تقارير التعذيب وسوء المعاملة التي ظهرت في سياقات الاحتجاز والمحاكمات. وتؤكد وثائق الأمم المتحدة أهمية استبعاد الاعترافات المنتزعة بالإكراه من الأدلة القضائية.
ثامنها أن قوانين الجرائم الجنسية يجب أن تحمي الضحية لا أن تحولها إلى متهمة تلقائياً. قضية الشابة الإثيوبية عام 2014 مثال شديد الوضوح على الحاجة إلى فصل قانوني وإجرائي كامل بين الإبلاغ عن الاغتصاب وبين الاتهام بالزنا. ويجب ألا يؤدي فشل الضحية في إثبات الاغتصاب بمعيار معين إلى تحويلها آلياً إلى متهمة بجريمة جنسية.
تاسعها أن الاجتهاد الجماعي والمؤسسي أكثر ملاءمة لقضايا الدولة الحديثة من الاجتهاد الفردي المسيس. وهذه نقطة يركز عليها كتاب البشير الجديد بحسب عرضه المنشور، كما تتوافق مع النقاش المعاصر حول تطوير الفقه الإسلامي في إطار مؤسسات علمية مستقلة (البشير، 2026). ويجب أن تشمل هذه المؤسسات فقهاء وقانونيين وقضاة وأطباء وخبراء أدلة جنائية واقتصاديين وعلماء اجتماع وممثلين للمجتمع المدني، لأن قضايا الدولة الحديثة تتجاوز قدرة تخصص واحد.
عاشرها أن المقاربة المقاصدية يجب ألا تتحول إلى شعار غير قابل للقياس. إذا كان العدل والكرامة وحفظ النفس والمال والعقل والأسرة أهدافاً للشريعة، فيجب أن تتحول إلى مؤشرات قابلة للرصد: انخفاض الظلم القضائي، انخفاض التعذيب، زيادة الوصول إلى المحامي، انخفاض العنف ضد النساء، تحسن الوصول إلى القضاء، انخفاض العودة إلى الجريمة، وتحسن حماية الممتلكات. بهذه الطريقة يمكن تحويل المقاصد من لغة خطابية إلى إطار تقييم للسياسة العامة.
الحادي عشر أن العدالة التصالحية يمكن أن تكون جزءاً من إصلاح العدالة السودانية في الجرائم التي تسمح طبيعتها بذلك، خصوصاً النزاعات المجتمعية والجرائم التي يمكن فيها تعويض الضحية ورد الحق دون التضحية بحقوقها، مع عدم استخدامها بديلاً عن المساءلة في الجرائم الخطيرة وجرائم العنف الجنسي والجرائم التي يرتكبها موظفو الدولة.
الثاني عشر أن إصلاح الأدلة الجنائية يجب أن يسبق أو يتزامن مع أي إصلاح لقانون العقوبات. ويتطلب ذلك تطوير المختبرات الجنائية، وسلسلة حفظ الأدلة، وتسجيل التحقيقات، وضمان حضور المحامي، ومنع التعذيب، واستخدام الخبرة الطبية والرقمية بصورة مستقلة. العقوبة التي لا يمكن إصلاح أثرها تتطلب أعلى مستوى ممكن من موثوقية الدليل.
الثالث عشر أن الرقمنة القضائية والشفافية الإحصائية تمثلان واحدة من أكثر الأدوات الحديثة فائدة للسودان. فكل حكم يجب أن يسجل رقمياً منذ بداية الدعوى حتى التنفيذ، مع نشر إحصاءات سنوية مجهولة الهوية. ومن خلال هذه البيانات يمكن معرفة عدد أحكام الزنا، وعدد أحكام الجلد، وعدد أحكام البتر، وعدد حالات الرجم، وعدد الأحكام الملغاة في الاستئناف، والفروق بين الولايات والجنس والعمر والدين.
الرابع عشر أن تقييم السياسة الجنائية يجب ألا يقاس بعدد العقوبات المنفذة. فزيادة عدد العقوبات لا تعني بالضرورة انخفاض الجريمة، كما أن انخفاض عدد التنفيذات لا يعني بالضرورة فشل القانون. المؤشرات الصحيحة تشمل معدلات الجريمة، والعود إلى الجريمة، والثقة بالقضاء، والمدة اللازمة للفصل، ونسبة الأحكام التي تلغى في الاستئناف، ونسبة القضايا التي يوجد فيها محام، ونسبة الاعترافات المدعومة بأدلة مستقلة، وحجم التفاوت الجغرافي والاجتماعي في الوصول إلى العدالة.
الخامس عشر أن أي إصلاح سوداني مستقبلي يجب أن يعالج القانون الجنائي باعتباره جزءاً من إصلاح الدولة لا باعتباره ملفاً فقهياً منفرداً. فالحدود عملت داخل جهاز شرطة ونيابة وقضاء وسجون وأمن وإدارة محلية. وإذا لم تصلح هذه المؤسسات، فإن تغيير النص وحده قد يعيد إنتاج المشكلة في صورة جديدة.
الخاتمة النقدية: ما الذي تثبته ثلاثون سنة من السجل السوداني؟
تظهر الأدلة المتاحة أن تجربة تطبيق الحدود في السودان خلال حكم الإنقاذ لم تكن أسطورة إعلامية، كما أنها لم تكن بالصورة المطلقة التي تظهر أحياناً في الخطاب السياسي المعاكس. فقد نُفذت بالفعل عقوبات بدنية، وبخاصة الجلد والبتر، وصدرت أحكام موثقة بالرجم والصلب والإعدام في جرائم مرتبطة بالحرابة والردة والزنا. وفي المقابل، كان الفرق بين الأحكام والتنفيذات كبيراً، وكان الرجم مثالاً واضحاً على عقوبة بقيت في القانون وصدرت بها أحكام عدة دون أن يثبت تنفيذها.
وتشير الأدلة كذلك إلى أن عهد الإنقاذ لم يكن أول عهد لتطبيق العقوبات المستندة إلى الشريعة في السودان، بل كان استمراراً لمسار بدأ بقوانين سبتمبر 1983. وكان الاختلاف الرئيسي أن نظام البشير أعاد تقنين هذه العقوبات في قانون 1991 وأبقاها جزءاً من النظام الجنائي طوال ثلاثة عقود، مع تفاوت واضح في التنفيذ بين الفترات والولايات.
كان البتر منفذاً فعلياً، مع ست حالات موثقة في 2000، وخمس حالات في يناير 2001 و19 حالة في فبراير 2001، وحالة موثقة في يناير 2002، وحالة آدم المثنى في فبراير 2013، مع وجود رقم رسمي أعلن في 2013 يفيد بتنفيذ 16 حكماً منذ 2001، وهو رقم أكبر من الحالات التي استطاعت المنظمات المستقلة توثيقها. ولذلك فإن أفضل تقدير علمي ليس رقماً نهائياً مصطنعاً، بل القول إن هناك حداً أدنى موثقاً من التنفيذات مع احتمال وجود حالات إضافية لا يمكن إعادة بنائها من السجل المفتوح.
صدرت أحكام بالرجم في 2001 و2007 و2012، وظهرت قضايا أخرى مرتبطة بالزنا في 2014، لكن لا توجد حالة تنفيذ للرجم يمكن توثيقها بصورة موثوقة في عهد الإنقاذ حتى أبريل 2019. ولذلك فإن الحديث عن «مئات عمليات الرجم» غير مدعوم بالأدلة، كما أن القول بعدم وجود أحكام رجم غير صحيح.
كان الجلد الأكثر استخداماً وانتشاراً، سواء باعتباره عقوبة حدية في بعض الجرائم أو باعتباره عقوبة في قوانين النظام العام والتشريعات المتعلقة بالأخلاق والكحول والملابس والأفعال الفاحشة. ولذلك فإن رقم الجلد لا يمكن استخدامه كمؤشر مباشر لعدد الحدود.
صدرت أحكام بالصلب بعد الإعدام في دارفور في بداية التسعينيات، كما صدرت أحكام مماثلة في 1996 و1999 و2013، لكن تنفيذ جميع هذه الأحكام لا يمكن إثباته. في المقابل، توجد أدلة قوية على تنفيذ الصلب في بداية عهد الإنقاذ، بما يجعل القول بعدم وجود أي تنفيذ غير صحيح.
أما الردة، فقد بقيت جريمة يعاقب عليها القانون بالإعدام، لكنها لم تتحول إلى نمط معروف من الإعدامات المنفذة. وبدلاً من ذلك ظهرت في عدد من الحالات باعتبارها أداة لمحاكمة التحول الديني أو الاختلاف في تفسير الإسلام، وصولاً إلى قضية مريم إبراهيم وقضايا القرآنيين. وقد أظهرت هذه الحالات أن وظيفة المادة 126 لم تكن تنفيذ الإعدام فقط، وإنما أيضاً رسم حدود قانونية لما يمكن للفرد أن يعلنه عن عقيدته ومذهبه.
لكن جوهر النقد لا يكمن في عدد العقوبات وحده. فقد عملت هذه العقوبات داخل مؤسسات اتسمت في أجزاء واسعة من عهد الإنقاذ بضعف استقلال القضاء، ووجود محاكم طوارئ، وتقييد الوصول إلى المحامين، وظهور ادعاءات عن الاعترافات المنتزعة تحت الإكراه، وضعف الترجمة، وسرعة التنفيذ قبل اكتمال الاستئناف. ولذلك فإن السؤال الأكثر عمقاً من السؤال عن «شرعية العقوبة» هو سؤال شرعية العملية التي أدت إليها.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في العقوبات غير القابلة للإصلاح. فالسجن يمكن في حالات كثيرة تقليله أو إلغاء بقية مدته، والغرامة يمكن ردها، والحكم يمكن نقضه؛ أما بتر اليد والرجل أو تنفيذ الإعدام فلا يمكن إرجاع الوضع إلى ما كان عليه إذا تبين لاحقاً أن الحكم كان خاطئاً. ومن ثم فإن أي نظام يقرر عقوبات غير قابلة للإصلاح يحتاج إلى أعلى درجات الاستقلال القضائي، وحق الدفاع، وتعدد درجات التقاضي، وسلامة الأدلة، والشفافية، وهي الجوانب التي تكشف الحالات السودانية أن النظام لم يحققها بصورة متسقة.
وتقدم قضية أبُك ألفاو أكوك، وقضايا سعدية إدريس فضل وأمونة دلدم، وانتصار شريف، وليلى إبراهيم، ومريم إبراهيم، وآدم المثنى، وعبد اللطيف أحمد إبراهيم ورفاقه، ومجموعة الرجال الـ19 في كوبر، نماذج مختلفة لنفس المشكلة: لا يكفي أن يكون النص واضحاً؛ يجب أن تكون المؤسسة التي تطبقه عادلة، ويجب أن يكون المتهم قادراً على فهم التهمة والدفاع عن نفسه والطعن في الحكم، ويجب أن يكون التنفيذ مؤجلاً إلى نهاية جميع مراحل المراجعة القضائية.
وهنا تكتسب المراجعة الفكرية التي يقدمها كتاب عمر البشير الجديد أهمية تاريخية خاصة. فالكتاب، وفق العرض المنشور عنه، يعيد تعريف القضية من «تطبيق الشريعة» إلى «إقامة الدين»، ويرفض اختزال الشريعة في العقوبات، ويؤكد العدل والكرامة والعمران والاجتهاد المؤسسي (البشير، 2026). لكن القيمة العلمية لهذه المراجعة لا تكتمل إلا عندما تقابل الوقائع التي حدثت في عهد المؤلف نفسه: البتر المنفذ، وأحكام الرجم، والجلد، والصلب، والردة، ومحاكم الطوارئ، وضمانات المحاكمة.
وهكذا فإن سجل السودان بين 1989 و2019 يقدم حالة دراسية مهمة في التاريخ المقارن للقانون الإسلامي: تقنين العقوبة لا يساوي تحقيق العدالة، وبقاء النص لا يساوي التطبيق، وصدور الحكم لا يساوي التنفيذ، وتنفيذ الحد لا يثبت وحده إقامة الدين، كما أن نقد التطبيق لا يمكن أن يقتصر على نقد النص من دون تحليل الدولة والمؤسسات والمجتمع.
والدرس الأهم للسودان بعد الإنقاذ ليس بالضرورة الاختيار بين «شريعة عقابية» و«قانون وضعي» بوصفهما نموذجين مغلقين، بل بناء نظام عدالة يختبر أي قاعدة قانونية ـ دينية أو وضعية ـ بمعايير قابلة للرصد: استقلال القضاء، والمساواة، وسلامة الإثبات، وحق الدفاع، وحرية المعتقد، وحماية النساء، ومنع التعذيب، والتناسب، والشفافية، والقدرة على تصحيح الخطأ القضائي. وإذا أراد السودان أن يستفيد من تجربته التاريخية، فإن الإصلاح الأكثر عمقاً يبدأ من هذه المؤسسات قبل أن يبدأ من العقوبة.
وبهذا المعنى، فإن السؤال الذي تتركه ثلاثون سنة من تجربة الإنقاذ ليس فقط: «هل طبقت الحدود؟»؛ فالأدلة تجيب بوضوح أن بعضها طُبق بالفعل، وأن بعضها صدر به حكم ولم ينفذ، وأن بعضها بقي في القانون دون تنفيذ موثق. السؤال الأكثر أهمية هو: هل أنتجت هذه العقوبات نظام عدالة يحقق الغايات التي ادعى المشروع الإسلامي أنه جاء لتحقيقها، أم أن اختلال المؤسسة السياسية والقضائية جعل العقوبة في بعض الحالات أقوى من العدالة التي يفترض أن تبررها؟ هذا السؤال لا تجيب عنه الأرقام وحدها، لكنه يصبح قابلاً للبحث العلمي عندما تُفصل النصوص عن الأحكام، والأحكام عن التنفيذات، والخطاب السياسي عن السجل القضائي، والرواية الذاتية عن الأدلة المستقلة.
المراجع
- Abdel Halim AM. Gendered justice: women and the application of penal laws in the Sudan. In: Oette L, editor. Criminal Law Reform and Transitional Justice: Human Rights Perspectives for Sudan. Farnham: Ashgate; 2011.
- African Centre for Justice and Peace Studies. Three men sentenced to amputation following unfair trial in Darfur. Kampala: ACJPS; 2013. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- African Centre for Justice and Peace Studies. Three Darfuri men at risk of court-ordered amputation of right hand. Kampala: ACJPS; 2014. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- Amnesty International. Fear of Execution and Crucifixion: Baher Abdul Hamed, Juma Imam, Ali Mohamed Beshir, Ismail Yacoub. London: Amnesty International; 1991. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- Amnesty International. Sudan: A Continuing Human Rights Crisis. London: Amnesty International; 1992. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- Amnesty International. The Tears of Orphans: No Future Without Human Rights. London: Amnesty International; 1995. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- Amnesty International. Sudan: Death penalty/crucifixion/judicial amputation: nineteen men, names unknown, variously sentenced to death, death and crucifixion and judicial amputation. London: Amnesty International; 1996. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- Amnesty International. Sudan: Abolish the flogging of women. London: Amnesty International; 2010. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- Amnesty International. Sudan: Judges to be trained to carry out amputations. London: Amnesty International; 2013. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- European Parliament. Resolution on human rights in Sudan. Strasbourg: European Parliament; 2007. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- Human Rights Watch. World Report 1992: Sudan. New York: Human Rights Watch; 1992. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- Human Rights Watch. Sudan Justice: Stonings, Amputations. New York: Human Rights Watch; 2002. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- Human Rights Watch. Dinka Woman’s Death Sentence Overturned: Emergency Court Replaces Stoning Sentence With Flogging. New York: Human Rights Watch; 2002. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- Human Rights Watch. Justice in Sudan. New York: Human Rights Watch; 2002. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- Human Rights Watch. World Report 2003: Sudan. New York: Human Rights Watch; 2003. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- Human Rights Watch. World Report 2017: Sudan. New York: Human Rights Watch; 2017. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- Human Rights Watch. World Report 2018: Sudan. New York: Human Rights Watch; 2018. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- Kamali MH. Crime and Punishment in Islamic Law: A Fresh Interpretation. Oxford: Oxford University Press; 2019.
- Köndgen O. The Codification of Islamic Criminal Law in the Sudan: Penal Codes and Supreme Court Case Law under Numayri and al-Bashir. Leiden: Brill; 2018.
- Moszynski P. Sudanese doctors’ role in judicial amputation “breaks medical ethics”. BMJ. 2013;346:f1253.
- Oette L. Review of: Olaf Köndgen, The Codification of Islamic Criminal Law in the Sudan: Penal Codes and Supreme Court Case Law under Numayri and al-Bashir. Verfassung und Recht in Übersee. 2018;51(2):288-291.
- Organization Mondiale Contre la Torture. Sudan: Government resumes amputation as punishment. Geneva: OMCT; 2001. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- Organization Mondiale Contre la Torture. Sudan: 19 men to have right hand and left foot amputated tomorrow. Geneva: OMCT; 2001. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- Organization Mondiale Contre la Torture. Sudan: A man sentenced to the amputation of his hand. Geneva: OMCT; 2002. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- Organization Mondiale Contre la Torture. Sudan: Alawiya Mohamed Abdullah sentenced to 100 lashes for adultery. Geneva: OMCT; 2002. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- Organization Mondiale Contre la Torture. Sudan: 17 women sentenced to 100 lashes of the whip after being convicted of adultery. Geneva: OMCT; 2002. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- Organization Mondiale Contre la Torture. Sentencing to death by stoning of two women on adultery charges. Geneva: OMCT; 2007. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- Strategic Initiative for Women in the Horn of Africa. Sudan: Ethiopian Woman Gang Raped by Seven Sudanese Men convicted of “Indecent Acts”. Kampala: SIHA; 2014. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- Strategic Initiative for Women in the Horn of Africa; REDRESS. Criminalisation of Women in Sudan: A Need for Fundamental Reform. Kampala/London: SIHA and REDRESS; 2018.
- United Nations. Report on the Situation of Human Rights in the Sudan. Geneva: Commission on Human Rights; 1995. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- United Nations. Report of the Special Rapporteur on the question of torture and other cruel, inhuman or degrading treatment or punishment: communications concerning Sudan. Geneva: United Nations; 2007. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- United Nations Human Rights Committee. Concluding observations on the fifth periodic report of the Sudan. Geneva: United Nations; 2018. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- United Nations Office of the High Commissioner for Human Rights. Communication concerning Intisar Sharif Abdallah and alleged sentencing to death by stoning for adultery. Geneva: OHCHR; 2012. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- United Nations Office of the High Commissioner for Human Rights. Communication concerning Meriam Ibrahim: arbitrary detention, fair trial, religion or belief, executions and violence against women. Geneva: OHCHR; 2014. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- United States Commission on International Religious Freedom. Annual Report 2013: Sudan. Washington, DC: USCIRF; 2013. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- United States Commission on International Religious Freedom. Annual Report 2016: Sudan. Washington, DC: USCIRF; 2016. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- U.S. Department of State. Country Reports on Human Rights Practices: Sudan 1992. Washington, DC: U.S. Department of State; 1993. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- U.S. Department of State. Country Reports on Human Rights Practices: Sudan 1993. Washington, DC: U.S. Department of State; 1994. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- U.S. Department of State. Country Reports on Human Rights Practices: Sudan 1996. Washington, DC: U.S. Department of State; 1997. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- U.S. Department of State. Country Reports on Human Rights Practices: Sudan 1999. Washington, DC: U.S. Department of State; 2000. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- U.S. Department of State. Country Reports on Human Rights Practices: Sudan 2000. Washington, DC: U.S. Department of State; 2001. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- U.S. Department of State. Country Reports on Human Rights Practices: Sudan 2001. Washington, DC: U.S. Department of State; 2002. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- U.S. Department of State. Country Reports on Human Rights Practices: Sudan 2014. Washington, DC: U.S. Department of State; 2015. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- U.S. Department of State. International Religious Freedom Report 2015: Sudan. Washington, DC: U.S. Department of State; 2016. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- U.S. Department of State. International Religious Freedom Report 2016: Sudan. Washington, DC: U.S. Department of State; 2017. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- البشير، عمر حسن أحمد. التحديات الفكرية والعملية لتطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة الدين في المجتمعات الإسلامية: السودان أنموذجاً. إشراف وتطوير طارق الصادق عبد السلام. عمّان: دار الجنان للنشر والتوزيع؛ 2026.
- سودان تربيون. Sudan court sentences woman to death by stoning over adultery claims. الخرطوم: سودان تربيون؛ 2012. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- سودان تربيون. Second woman sentenced to death by stoning in Sudan. الخرطوم: سودان تربيون؛ 2012. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- سودان تربيون. Sudan doctors carry out court ordered amputation sentence. نيروبي: سودان تربيون؛ 2013. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- سودان تربيون. Darfur court sentences 3 men to amputation for cooking oil theft. الخرطوم: سودان تربيون؛ 2013. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- سودان تربيون. Sudan: pregnant gang rape victim charged with adultery, prostitution. الخرطوم: سودان تربيون؛ 2014. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- عبد الحليم، أ. م. العدالة الجندرية وتطبيق القوانين الجنائية على النساء في السودان. في: أوته ل، محرر. إصلاح القانون الجنائي والعدالة الانتقالية: منظور حقوق الإنسان للسودان. فارنهام: أشغيت؛ 2011.
- منظمة مناهضة التعذيب العالمية. السودان: امرأة حُكم عليها بمائة جلدة بتهمة الزنا في نيالا. جنيف: منظمة مناهضة التعذيب العالمية؛ 2002. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- منظمة مناهضة التعذيب العالمية. السودان: سبع عشرة امرأة حُكم عليهن بمائة جلدة بعد إدانتهن بالزنا. جنيف: منظمة مناهضة التعذيب العالمية؛ 2002. تاريخ الوصول: 3 أكتوبر 2026.
- منظمة العفو الدولية. السودان: أزمة مستمرة في حقوق الإنسان. لندن: منظمة العفو الدولية؛ 1992.
- وزارة الخارجية الأمريكية. تقارير حقوق الإنسان في السودان، 1999–2018. واشنطن العاصمة: وزارة الخارجية الأمريكية؛ 2000–2019.
