ثُم ألَم تَدُقُّ السيّده نَواقيس الخطر والقَومُ في تَحاصُصِهِم يتساءلونَ” .. لِمَن تُقرَعُ الأجراس؟” 

 


 

 

.. والثورةُ الوليده تخطو بثقه وقوّه فوق دماءِ أبنائها وجراحِهِم بعدَ قَهرٍ وقمع موغِلان في البهيميّه وهي تستحضر نضالات ابنائها منذُ غروب شمس التاسع والعشرين من يونيه ٨٩ .. مَن قُبِروا أحياءً ومَن ماتت صيحاتَهُم ولم تتجاوَز حوائط الزنازين المُصمَتَه .. مَن فُقِدوا ولم يُسمَع عنهُم مَن ماتوا ليهبوا الحياة لشعبِهِم. كان يحدونا الأمل في وزراءٍ وسياديين يحضرون لمكاتبهم راجلين.. وزراء وسياديين يُحَرّمون اجسادَهُم على مال الدوله وبهرج الوظيفه.. حلمنا بسلوكٍ مختلفٍ عن سلوك الإنقاذ.


خطاب البرهان في الفاشر وهو وسط قوّاتِهِ يجيئُ بأسلوبٍ يُقصَدُ منه نقل الرساله بصورةٍ ترمي إلى إعادة تشكيل القوات خَلفَهُ حتّى يتراص مَن ساورتهُم الشكوك من العَسكريين في السلوك القهري الدموي المستمر لمائةِ يومٍ حتّى الآن.


قائد الجيش لا ينسى أبداً أن يذكر الدعم السريع ضمن القوات ألأمنيّه ( الجيش والدعم السريع والشرطه والامن ) ولا ينسى أن يكون قائد الدعم السريع ، نائبَهُ ، إلى يمينِهِ وتلك ، بالإضافة لما سيلي سرده ، هي الآن معضلتنا الكبرى.


الجيش والشرطه لا علاقة لهما بالوطن منذ العام ١٩٨٩ حتى هذه اللحظه فالجهازين مُختطفان بواسطة المؤتمر الوطني وتمّ الحفاظ عليهما على تلك الحاله بعد إبعاد البشير وطاقَمَهُ ذلك ( الإبعاد التكتيكي ) الذي سيظل المدنيون المشاركون في التفاوض والذين شاركوا حمدوك السلطه من المدنيين والحاضنه السياسيه ( مشاركين ) فيه مالم يخرجوا إلى العلن بما ينفي تلك التُهمه ( الأخلاقيه ) التي نحنُ هُنا الآن فيما نحنُ فيه بسببها.


إنّني لا أنتمي ( لأيّ )حزب سياسي كما إنني لستُ خبيرًا إقتصادياً ولا أفهمُ في لغةِ الأرقام لكنني أفهمُ أنّ زوال نظام البشير إثر هبّةٍ شعبيه قمينٌ بإعادةِ السودان للأسرةِ الدوليه وإنهاءِ العقوبات وافهمُ أنّ الفضل هُنا للشارع الذي صنع الثوره ولكني في المقابل لا أفهم كيف يترُك المدنيون وزارة الداخليه للمكوّن العسكري الذي ليس له أيّ علاقه فنيّه بعمل الشرطه ذلك التَرْك الذي نَجَمَ عنه حفظ كل مصالح الإنقاذ في هذا الجهاز المفصلي وكذلك كلّ تآمُر ومطامع العسكر المستقبليه. وإذا ظلّ أمن المواطن العادي في بيته وفي الشارع وفي السوق مهدّدا طيلة فترة الإنتقال بصورةٍ شغلت الرأي العام، وإذا ظلت المواكب تُقهَر، وإذا ظلت المناسبات الوطنيه للثوار التي يمارسون من خلالها حقّهُم الإحتفالي محرقَةً لموتٍ مُستمِر، وإذا ظلّت العلاقه بين المواطن والاجهزه الأمنيّه متوتّره إثر بقاء العقليه الإنقاذيّه في جوف تلك القوات فما الذي ادّى لصمت مدنيي الإنتقال ، رئيس وزراءٍ ووزراء وحاضنه ، على هذا الحال رغم تقديم معاشيو هذه الاجهزة لكل مقترحات بل ومفاتيح الحلول؟ كيف لجهاز الامن أن يبقى كما هو بكلِّ أسنانِهِ وأظافِرِهِ ويتم تغيير القيادات ( بما لا يخرُج عن إطار المؤتمر الوطني ) و ( يُدّعى ) فقط أنّ سلطات الإعتقال قد نُزِعَت عنهُ تلك السلطات التي أُعيدَت لَهُ في كسرٍ من الثانيه وعاد مشتملًا على كلّ الاجهزه المُساعِده من شعبيةٍ وطلّابيه وللأسف شرطيه وًحركات مسلّحه ودعم سريع .. الخ ويتلقى الاشاده من رئيس المجلس ويتلقى الزيارات الداعمه من رئيس الوزراء؟


زار السيد رئيس الوزراء أيضاً قوات الدعم السريع وتزامَن توقيت الزياره أيضاً مع إلقاء القبض على شباب مقاومة أم بده بسبب هتافهم في وجه رئيس الدعم السريع عند حضوره عقد قران بأحد مساجدها. هذه القوات ، في عُرِفَ الثوره ، هي قوات غير مرغوب فيها فكيف يزورها رمزٌ من رموز الثوره بحكم منصبه دعماً لها؟ وكيف يترك رئيس الوزراء وحكومته وحاضنتهم أمر الاقتصاد ومحادثات جوبا لهذه القوات؟ كيف لا يعترضون على دخول قوات الحركات المسلحه للعاصمه بهذه الاعداد في كامل تسليحها؟ إذا كانت الجهات الشرطيه والأمنيه في الأيدي الخطأ لكي تعترِضْ ، بسببهم ، فما الذي منع أعتراضهم حينها ووقوفهم في وجه كل الأخطاء ( وإستثارة ) الشارع الثوري المُعَبّأ ومُناهَضة كل تلك الأخطاء القاتله التي يدفع ثمنها اليوم المواطن وشباب المقاومه؟


إعترضنا على تعيين جبريل لسبب كونه منتمياً لعهد البشير وأحد كوادرهُ وهذا يتعارض مع مبادئ الثوره التي لم يعُد لها وجود في ثقافة الذين استفردوا بالحُكم وتم تعيين جبريل. بعد زيارته لمنزل عرّابِهِ عَنى ذلك التصرّف الكثير للكثيرين إلّا ذوي شأننا وبعدها خطب في إثنيّتِهِ على المَلأ مطمئناً انّهُ وزيراً للماليه لاستيفاءِ حقوقهم ولم يعنِ ذلك شيئاً يقدحُ في إستمرارِهِ وزيراً رغم أنفِ الدّماء والإغراق في النيل والمشارح فدَعَمَ الإنقلاب وأفرَغ الخزائن والآن فرَض الرسوم للكهرباء والمحروقات ..الخ لاستيفاء حقوق مليشياتِهِ وليس أهلِه في معسكرات النزوح من جيوبنا رغم اننا لم نكُن طرفاً فيما حدث لأهلِهِ بل كُنّا داعمين لهم بإعتبارهم أهلنا وابناء وطننا وجلدتنا وما زلنا رغم اننا نُعاني من نفس ( شكواهُم ) وهو التهميش والفقر والمرض.


أين كانت الكلمه المحتفى بها ( هلموا ) وكلّ تلك الموبقات تُرتَكبُ في حقّ هذا الشعب؟ الم يكن ما يحدُث ، حسب تسلسُلِ حدوثهِ ، يستحقُّ هذه الكلمه لتحريك الشارع ضد تلك الأخطار في حينِها؟ ثمّ الم تأتي إستقالة السيده عائشه موسى بما يستحقُّ وَ لَو مُجَرّد استعراضَهُ من قوانا المدنيه والوقوف عندهُ ( حينها )؟ الم تدُق السيده نواقيس الخطر وذهبت أصوات الأجراس أدراج الرياح والقومُ في تحاصُصِهِم وجَريِهِم وراء الكراسي وما فتئوا يتساءلون " لِمَن تُقرَعُ الأجراس "؟


إستشفينا من قرائن الأحوال أنهم لن يعيدوا مفصولي الشرطه والجيش وعلمنا أن هذا تخطيط العسكر. إتّفاق المدنيين على هذه الجزئيه أليسَ شيئاً صادماً؟ أين مصلحة الوطن ومصلحة من تقدّمتم صفوفهم ومن الجلي أن العسكر يعملون لمصالحهم؟ لم تظهر اي مناكفه او مجرّد محاولات منهُم للاعتراض على هكذا سلوك وقد عَمِلنا لإعادة هؤلاء المؤهّلين لتبدأ هيكلة هذه الأجهزه بعد ذلك ويفيد منها الوطن.


أحَد المسؤولين ، ونحنُ نُفرِغ أمامَهُ كل مخاوِفنا متحدّثين عن وزارة الداخليه والحاله الأمنيّه والعواقب والحلول ، وذكرنا رغبتنا في الإجتماع بالمَركزيّه قال بالحرف الواحد ( أنّ اللجنه المركزيه مشغوله للغايه وأجندَتَها مملوءه .. وأنّهُ يُمكن أن يُدرِج طلبنا ولكن لا يضمن متى يمكن أن يجد حظّهُ من إستدعائنا لمناقشتهُ .. ) شكرناهُ وطلبنا عدم إدراج طلبنا وذهبنا.


اخر وقفه احتجاجيه لنا أمام ديوان الاخ رئيس الوزراء كانت يوم الثامن من سبتمبر اي قبل الانقلاب بشهر. شأن الوطن ظلّ على الدوام في صدر مطالبنا وتمثل ذلك في إعادة المفصولين لإعادة هيكلة الشرطه ( لمصلحة الوطن ) وإنشاء جهاز الأمن الداخلي بيد مفصولي الشرطه وإعادة هيكلة جهاز الأمن والمخابرات. لن أحكي بالتفصيل ولكنني أكتفي بأنّ أقلّ ما خرجنا به من سنوات الإنتقال أن لا أحد أبداً كان همّهُ ثورة ديسمبر وما تلاها من وطنٍ يضيع. لم يُحَرّك كل الخطأ الذي تَدَرّجَ في الحدوث منذ البدايه وحتّى النهايه شعرةً من رأسِ أحدِهِم حتى يوم الخامس والعشرين من أكتوبر يومَ أن حدث المتوقّع.


بذلنا فوق وسعنا عن إيمانٍ عاتٍ بأن الشرطه القويه المؤمنه بالثوره قيادةً وافراداً هي صمّام الأمان لثورة ديسمبر.. لكنّهُم لم يحفلوا بنا ولا بطرحِنا فكانَ جُلّ ما فعَلوه أنّهُم ( توافقوا ) مع العسكر وجلسوا تحتَ عَباءَتِهِم ولم يستيقظوا إلّا صباح الخامس والعشرين من أكتوبر ٢٠٢١ ونتاجاً لكلّ ذلك صِرنا إمّا في المقابر او في مُعتقلات الأجهزه الأمنيه العائده بقوه ونحنُ أمامَ زخّاتٍ جديده لصالحٍ عامٍ آخَر يُعيدُ ما اندثر من سلطة المؤتمر الوطني.


درجنا دوماً ألّا يُحاسَب أحد فغابت الاسباب.. أسباب الفشل. درجنا على المطالب ( الخَجولَه )التي تدعوا للإعتراف والنقد الذاتي ولن يعترف أحد ولن ينتقد ذاتَهُ أحَد .. وأؤكّد أنّهُ لن يتغَيّب عن المسرح السياسي أحد. ستكون نفس الوجوه حاضره هنالك وبكلّ إصرار لقيادة العمل وتدوير الفشل وسيظلّ الوطن هو الضحيه يوماً بعد يوم وعاماً بعد عام وثورةً بعد ثوره.


melsayigh@gmail.com

 

آراء