جبال النُّوبة: عبقرية المكان .. بقلم: الدكتور قندول إبراهيم قندول
لا شك في أنَّ المفكِّر المصري الدكتور جمال حمدان (1928–1993م) قد نظر إلى المكان وتأمل بإمعان في قوته ودوره في صنع الحضارة الإنسانيَّة عندما عكف على دراسته المستفيضة عن عبقريَّة مصر. فقد ربط عبقرية مكان مصر بموقعها الجغرافي الإستراتيجي والتكوين الطبيعي، ومعرفة إنسان مصر القديم بالعلوم الطبيعيَّة والإنسانيَّة مما نتج عنها بناء حضارة إنسانيَّة دائمة عجز العالم عبر التاريخ في معرفة أو تشفير وتفسير مكنونها. إذن، يتحدَّد المكان العبقري بظرفين هامين: ظرف المكان، وهو الجغرافيا، والآخر ظرف الزمان وهو التاريخ. فالجغرافيا، مجازاً، هي مسرح الأحداث التاريخيَّة؛ وأما التاريخ فهو سجل تلك الأحداث وبالتالي هو لسان حال الجغرافيا. وقد عبَّر الدكتور حمدان عنهما بقوله: “(…) ربما تكون الجغرافيا صماء… ولكن التاريخ لسانها وظِل الإنسان على الأرض، وإنَّ الجغرافيا ظِل الأرض على الزمان.” فالمكان له دوره في صنع التاريخ أو العكس بتحديد وقائع الأحداث من مقاومة للظروف الطبيعيَّة المحليَّة الذاتيَّة أو العابرة لما توفِّره تلك البيئة من عوامل استناداً على نوع تلك الأحداث والتي قد تعتمد على الظروف الجغرافيَّة المحيطة أو على جوهر الإنسان وإرادته وعزيمته أو دور القيم الأخلاقيَّة في ضبط الحياة الاجتماعيَّة للمجتمع. فبالعودة إلى مفهوم “عبقرية المكان”، تتضح “عبقريَّة جبال النُّوبة” بامتداداتها العرقيَّة واللغويَّة والثقافيَّة، والتاريخيَّة وفي محيطها البشري، وكل التفاعلات الاجتماعيَّة، والدينيَّة، والاقتصاديَّة، والسياسيَّة التي حدثت وتراكمت فيها.
لا توجد تعليقات
