الرشيد جعفر على
لم تكن مأساة التهجير القسري التي يعيشها السودانيون مجرد انتقالٍ من مكان إلى آخر، بل كانت اقتلاعًا مؤلمًا من الأرض والذاكرة والحياة نفسها. إنها قصة رحيل عن الديار بكل ما تحمله من معاني الألفة والانتماء، قصة ضياعٍ وجرحٍ لا يندمل، وربما موتٍ بطيء يعيشه الناس وهم واقفون على أطلال أعمارهم وما تبقى من أحلامهم.
ما يجري اليوم أكبر من مجرد تبادل للاتهامات حول من أشعل الحرب.
إنه تفريغٌ ممنهج للإنسان السوداني من أرضه وبيئته، تدفعه قوى تتجاوز حدود الداخل، مسنودة بالسلاح والمال والنفوذ. وإذا لم يرتقِ الجميع إلى مستوى المسؤولية الوطنية، فإن الخطر الحقيقي لن يكون فقط استمرار الحرب، بل فقدان الوطن نفسه وهجرة أهله بلا عودة.
ورغم كل ما كان يحيط بنا من خطر، لم أكن أخشى مواجهة أفراد الدعم السريع وجهًا لوجه داخل الحي أو أثناء اقتحامهم المتكرر للمنازل. فالإنسان يستطيع أحيانًا أن يقرأ ملامح من يقف أمامه ويحاول أن يتعامل معه بالكلمة أو الهدوء.
لكن ما كان يرعبني حقًا هو الرصاص القادم من خلف الجدران، أو صوت تعمير السلاح في الظلام دون سبب واضح، ذلك الصوت الذي يزرع الخوف لأنك لا تعرف نية صاحبه ولا ما الذي قد يدفعه لإطلاق النار في أية لحظة.
فى إحدى المرات، وأثناء عودتي إلى المنزل، وجدت مجموعة من قوات الدعم أمام البيت. أخبرتهم أن المنزل منزلي، فاستشاط أحدهم غضبًا ووضع سلاحه خلف ظهري، وأمرني بالتحرك معه إلى قائد الارتكاز عند نهاية الشارع. لكن الضابط الذي قابلني استقبلني بهدوء وابتسامة خففت كثيرًا من توتري. أجلسني معه لبعض الوقت، وكان مصابًا بجرح واضح في عنقه قال إنه أصيب به في الأيام الأولى للحرب.
دار بيننا حديث طويل عن الحرب والسياسة والدين، وعن مستقبل البلاد، وكان يؤكد مرارًا أنهم لا يستهدفون المواطنين. طلب مني مصحفًا للقراءة، فأحضرت له المصحف وكتاب الرحيق المختوم، لعل ذلك يخفف من وطأة زياراتهم المتكررة أو يمنحني شيئًا من الأمان. ومنذ ذلك اليوم، صار اسمه بمثابة بطاقة عبور لي عند نقاط التفتيش، إذ كان بعض الجنود يخلون سبيلي فور معرفة أنني التقيته من قبل.
ومع ذلك، كانت مؤشرات الرحيل النهائي عن الحي تتزايد يومًا بعد يوم. في الجزء الشمالي من المربع، بدأ معظم السكان يقررون المغادرة بعد تصاعد الاعتداءات. تعرض بعض الشباب للجلد والإهانة في مشاهد قاسية تركت آثارها النفسية والجسدية عليهم. وتحول الحي تدريجيًا إلى منطقة عسكرية مكتظة بالمسلحين، بينما بدأ السكان يجهزون ما استطاعوا حمله استعدادًا للخروج.
حاولت إقناع بعض الجيران بالتريث يومًا أو يومين حتى تتضح الصورة، خاصة أن التعليمات كانت متضاربة؛ فبعض المجموعات كانت تطالب السكان بالمغادرة، بينما تؤكد مجموعات أخرى أنها لا تستهدف المدنيين. لكن المعاناة كانت قد بلغت ذروتها، ولم يعد كثيرون قادرين على الاحتمال.
بدأت رحلة الرحيل الحزينة. صار الناس يحملون حقائبهم القليلة أو يجرون ما تبقى من ممتلكاتهم في صمت ثقيل. لم يكن أحد يعرف وجهته على وجه اليقين. كان المشهد مفعمًا بالحزن والانكسار، والدموع تتجمع في أعين الرجال قبل النساء.
خرجنا نحو الجزء الشمالي من الحي، قرب مناطق سيطرة الجيش، على أمل أن نقرر في الصباح وجهتنا التالية. وكان من أكثر المشاهد تأثيرًا كلب أحد الجيران، الذي ظل يرافقنا بإصرار وكأنه يرفض أن يترك أصحابه يرحلون وحدهم. عندها تذكرت قول الأعرابي حين سُئل عن الغبطة فقال: “الكفاية ولزوم الأوطان”، وسُئل عن الذلة فقال: “التنقل في البلدان والتنحي عن الأوطان”.
في صباح اليوم التالي، رحل بعض الناس وبقي آخرون. أما أنا، فكنت ممزقًا بين البقاء والمغادرة. لم أستطع النوم تلك الليلة، وظل السؤال يلاحقني: إلى أين يمكن أن أذهب؟ وأي مكان يمكن أن يكون بديلًا عن البيت؟
وفي النهاية، قررت العودة إلى المنزل، رغم كل شيء. لم أحتمل فكرة الرحيل الكامل. عدت وحدي إلى الحي، حيث لم يبقَ سوى عدد قليل من الأسر. عند مدخل الشارع، أوقفني أحد أفراد الدعم السريع وسألني عن وجهتي، فأخبرته أنني من سكان الحي وعدت إلى منزلي. نظر إليّ ثم قال: “يا زول، ما في مشية وجية”، فاخترت البقاء.
عدت إلى البيت بشعور مختلط من الراحة والخوف. كنت أقضي النهار في منزلي، وأتنقل ليلًا بين بيوت الجيران القلائل الذين بقوا. نمنا أحيانًا في الأفنية المكشوفة هربًا من حرارة الغرف، رغم خطر القذائف التي كانت تتساقط بالقرب منا. وفي إحدى الليالي، انفجرت دانة قرب أحد المنازل المجاورة، حتى ظننت للحظة أنها سقطت فوقنا مباشرة.
وفى صباح اليوم التالي، رأيت آثار الانفجار واضحة قرب منزل الجيران. عندها بدأت أوقن أن النهاية اقتربت، وأن البقاء لم يعد ممكنًا طويلًا. وكانت تلك الأيام تمهد للزيارة الأخيرة التي انتهت باعتقالي واقتيادي إلى سوبا، ومنها بدأت رحلة الخروج القسري من المنزل، ومن الحياة التي عرفناها يومًا في جبرة.
sudanelrasheed@gmail.com
