جبريـل يحتـرق إذ يتوغـل .. بقلم: عمـر العمـر
كذلك يكشف جبريل عن جهل فاضح بواقع الإسلاميين حاليا. توهم جبريل أنه ما في وسع أي جهة أو قوة سياسية القدرة على عزل الإسلاميين يعري جهل الرجل بمنطلقات وتوجهات وحصاد الحراك الجماهيري العارم . صحيح تعثرت حركة التقدم على طريق الثورة كما ارتبكت الرؤى في ظل شروخ داخل معسكر الثورة، لكن الإنجاز الأكبر الثابت لذلك الحصاد هو إدانة نظام الإسلاميين المعرّف زورا بالإنقاذ وكنسه. من الجلي للعيان إخفاق جبريل في الإلمام بوضع الإسلاميين أنفسهم. وحدهم الإنتهازيون و”الكمبارس” ممن أمسوا نجوما ومخرجين – على رأي العراب الراحل غشية رحمة الله روحه – يجمعهم البكاء على زمن التكسّب والغنائم الميسّرة من إمتيازات، عربات وذوات أخدان.
ربما لا يدرك جبريل رغبة شريحة واسعة من المستنيرين وسط الإسلاميين في النأي بأنفسهم عن المعترك السياسي عقب سقوط النظام العشائري الفاشي .ذلك نأي لا ياتي من الزهد المطلق في السلطة إنما عن قناعة بحتمية مراجعة سيرة النظام الفاسد. ثمة نخبة – ليس بينها بالطبع جبريل- تعكف على استخلاص دروس كيفية تحول “المشروع الحضاري” إلى مستنقع يعج بكل الآفات الضارة المهلكة . بل كيف هوى دعاة الرشد والتقوى إلى الدرك الأسفل من الطغيان والظلم والإستبداد. أفيعلم جبريل فقدان الجموع الهادرة ضمن مليونيات الثوار الثقة في إسلاميين يتكلمون عن الطهر وهم منغمسون في شهوات السلطة والثروة والبطن والفرج حد العمى.
هناك ثلة من إسلاميين أدركوا البون الشاسع بين إنتقال التنظيم من الثورة إلى الدولة وبين ممارسة السلطة باسم التنظيم والثورة في ظل الدولة. فالحركة الإسلامية “الأخوان المسلمون” لم تعبر المخاض السياسي التقليدي المعروف في عديد من أقطار العالم الثالث حيث انتقل التنظيم المناضل من ميادين الكفاح والعمل المسلح إلى أروقة السلطة كما في الجزائر، جنوب أفريقيا ، فيتنام وأثيوبيا المجاورة. ربما لم يلتفت قطاع عريض من الإسلاميين إلى تأثير ذلك في إهدار مشروع تمنوا به إستعادة أنموذج “مجتمع المدينة” لكن إنجرافهم في التطرف حملهم إلى النظر إلى مواطنين شركاء في البلد خوارج فخسروا ثلث الوطن وثلثي الثروة. مفصل الأزمة تجسد في مسارب الردة العميقة عن كل حقول المشروع الحضاري وكل مساربهم أفضت إلى الخسران المبين.
جبريل نفسه أحد شهود العيان على إنتشار سلطان الجبروت المعزز باسلام مخادع يمارس أهله الباطل وينتهون عن الحق . مما يشغل بال المستنيرين الناجين من الهلاك البحث ليس في كيفية وصول أولئك إلى سدة النظام إنما في كيفية تسنمهم عليها الثلاثين الطوال. هو كذلك بين الصفوف الأمامية حيث استشرت ممارسات النهب الممنهج لمؤسسات الدولة والمال العام دون خشية الله واستوطاء الرأي العام. هو في وسط النخبة الحاكمة حينما جرت عمليات تدمير البنى التحتية وربما يطاله السؤال عن كيفية تدمير شبكات النقل الجوي، النهري والبحري. وإزالة مشروع الجزيرة العملاق عن خارطة إقتصاد البلاد .
حتى عندما وقعت واقعة” المفاصلة” لم يتقدم جبريل دعاة رأب الصدع كيلا يتم عزل فرقة إسلامية من قبل إسلاميين. بل آثر الرجل حمل السلاح في وجه إخوته الإسلاميين . وقتئذٍ لم تكن غاية جبريل ورهطه عزل الإسلاميين الحاكمين بل أقصاءهم. هنا نحن أمام خيارين؛ إما نصدق محاججة جبريل بالنهوض في وجه نظام إسلامي ظالم مستبد شن حرب الإبادة والتقتيل الوحشي والتجريد القسري والإغتصاب الجماعي في حقوق قبائل من رعاياه. إما ان نقبل إتهامات النظام لجبريل ومن سار معه إلى مسرح الإقتتال بإشعال نار الفتنة القبلية والجهوية. هما خياران ليس بينهما ما يغري جبريل بادعاء الدفاع عمن عزلهم جموع الشعب .على أي الخيارين يمضي جبريل سيحترق لا محالة.
ضمن محجاجاته البائسة زعم جبريل رفضه عزل الإسلاميين نأيا عن تجربة عزل الشيوعيين إبان الديمقراطية الثانية. تلك فرية مركبة لا تحتمل المقاربة.
لا توجد تعليقات
