جدلية الوعي والممكن: في مقاربة نقدية لمقال “وعيٌ يصنع الممكن

جدلية الوعي والممكن: في مقاربة نقدية لمقال “وعيٌ يصنع الممكن: كيف نقرأ السودان في مرآة التغيير الصعب؟”
قراءة نقدية مقارنة في ضوء كتاب “Switch: How to Change Things When Change Is Hard”

بقلم:
د. صلاح أحمد الحبو
أ. محمد بشير حاج

في لحظةٍ يضيق فيها الواقع عن احتمالاته، وتتسع فيها الأسئلة أكثر مما تحتمله الأجوبة، كتب الأستاذ محمد بشير حاج قراءته النقدية لمقالي “وعيٌ يصنع الممكن”، لا بوصفها تعليقاً عابراً، بل بوصفها فعلاً معرفياً موازياً، يسعى إلى مساءلة الفرضيات، واختبار حدودها، وإعادة تركيبها في سياقٍ أكثر تعقيداً واشتباكاً مع الواقع السوداني. ويأتي هذا المقال اليوم عرضاً لتلك القراءة كما هي في جوهرها ومنهجها، مع تعقيبٍ عليها، في محاولةٍ لفتح أفقٍ أوسع للحوار حول جدلية الوعي والممكن
————-
كتب محمد بشير في ٢٧-٣-٢٠٢٦
قراءته التالية :
تحياتي ومودتي التي تعلم. كنتُ في اليومين السابقين أحاول جاهداً، في ظل ظروف معقدة، محاولة الكتابة والرد على مقالكم الموفق، الموسوم بـ”وعي يصنع الممكن”، ولكن شاءت الظروف تلاحق المعيقات، وها أنذا أضع وصيتي وكتابي بين يديك، أتمنى أن تجد الوقت للقراءة.
في هذه القراءة، سأقوم بتفكيك مقال الدكتور صلاح حبو “وعيٌ يصنع الممكن”، ليس فقط كعرض لكتاب Switch للأخوين هيث، بل كـ”وثيقة فكرية” تعبّر عن مأزق الوعي السوداني في لحظة “الأزمة العضوية” (بالمعنى الغرامشي). سنستخدم المادية التاريخية والديالكتيك الماركسي كأدوات تشريح، مع استحضار النموذج الرواندي كمختبر تاريخي لتحول الوعي من “الإبادة” إلى “البناء”.

  1. البنية التحتية والوعي: نقد “الفارس والفيل” ماركسياً
    ينطلق د. حبو من فرضية أن “الوعي يصنع الممكن”. من منظور المادية التاريخية، نجد هنا قلباً للديالكتيك الماركسي. يقول ماركس: “ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بل وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم”.
  • نقد النموذج: استعارة “الفارس (العقل)” و”الفيل (العاطفة)” و”الطريق (البيئة)” التي استلفها حبو، تفترض فصلاً ميكانيكياً بين الوعي والواقع. في السودان، “الفارس” ليس عاجزاً بسبب نقص المعلومات، بل لأن موقعه الطبقي والاجتماعي يملي عليه “وعياً زائفاً”.
  • الطريق كبنية تحتية: ما يسميه الكتاب “الطريق” (البيئة)، هو في التحليل الماركسي “علاقات الإنتاج” والقاعدة المادية. إن صعوبة التغيير في السودان ليست مشكلة “تصميم طريق”، بل هي صراع على ملكية الطريق ومن يملك حق العبور فيه. حرب أبريل ليست مجرد “ارتباك للفارس”، بل هي انفجار للتناقضات الكامنة في البنية التحتية الاقتصادية (اقتصاد النهب، الميليشيات، وتراكم رأس المال الطفيلي).
  1. أنطونيو غرامشي: من “الوعي الزائف” إلى “الكتلة التاريخية”
    يستدعي حبو فكرة “استعادة البصيرة”. هنا يتجلى مفهوم غرامشي عن “الهيمنة”. الهيمنة ليست مجرد قمع عسكري، بل هي قدرة الطبقة الحاكمة على جعل رؤيتها للعالم تبدو كأنها “منطق سليم” للجميع.
  • تشكل الوعي: يرى غرامشي أن الوعي يتشكل عبر صراع طويل في “المجتمع المدني”. ما يسميه حبو “تشظي السرديات” بعد أبريل 2023 هو بالضبط ما وصفه غرامشي بـ”الأزمة العضوية”؛ حيث تفقد الطبقة الحاكمة سلطتها الأخلاقية وتلجأ للقوة العارية، بينما تعجز القوى الجديدة عن خلق “كتلة تاريخية” توحد (الفارس والفيل) تحت راية مشروع بديل.
  • المثقف العضوي: مقال حبو يمثل محاولة للمثقف العضوي لانتشال “الوعي الجمعي” من حالة التشتت. لكن غرامشي يحذر من أن الوعي لا يتغير بالقراءة والاطلاع فقط، بل بالانخراط في صراع مادي يغير موازين القوى.
  1. رواندا: جدلية الفناء والبعث (النموذج التطبيقي)
    عندما يتحدث حبو عن “النقاط المضيئة”، تبرز تجربة رواندا كأقسى وأنجح مختبر لتغيير “الفيل” (العاطفة المجيشة بالكراهية) وإعادة تصميم “الطريق”.
  • تحطيم “الفيل” العرقي: في رواندا 1994، كان “الفيل” (العاطفة الجمعية للهوتو) موجهاً نحو الإبادة. التغيير لم يحدث فقط لأن الناس “وعوا” خطأهم، بل لأن هناك إرادة سياسية مادية (الجبهة الوطنية الرواندية) فرضت واقعاً جديداً حطم “بنية الوعي القديمة” بالقوة، ثم أعادت بناءها عبر القوانين والمناهج (تغيير الطريق).
  • ديالكتيك الممكن: رواندا تثبت صحة مقولة حبو بأن “الممكن هو ما يسمح به الوعي”، ولكنها تضيف شرطاً ماركسياً: الوعي المدعوم بسلطة قادرة على حماية التغيير. تحولت رواندا من دولة فاشلة إلى “نقطة مضيئة” عالمية لأنها استطاعت تحويل “الوعي بالتجاوز” إلى مؤسسات صلبة، وهو ما افتقدته ثورة ديسمبر السودانية كما أشار حبو.
  1. ثورة ديسمبر: النقاط المضيئة والانتكاسة الديالكتيكية
    يحلل د. حبو ثورة ديسمبر كـ”لحظة اتساق” بين الفارس والفيل والطريق. بالمنطق الجدلي (الديالكتيك)، كانت ديسمبر هي “الإثبات” (Thesis)، وحرب أبريل هي “النفي” (Antithesis).
  • غياب المؤسسية: ينقد حبو عدم تحول وعي ديسمبر إلى “بنية مؤسسية”. سوسيولوجياً، هذا يعود إلى أن الوعي الثوري ظل في “البناء الفوقي” (شعارات، أغاني، اعتصام)، بينما ظلت “القاعدة المادية” (الجيش، الشركات الأمنية، البنوك) في يد القوى القديمة.
  • التناقض الأساسي: الصراع في السودان ليس بين “وعي” و”غياب وعي”، بل هو صراع بين وعيين: وعي التغيير (ديسمبر) ووعي الامتيازات (النظام القديم وحلفاؤه). الحرب هي الوسيلة العنيفة التي لجأ إليها “وعي الامتيازات” لتحطيم “طريق” التغيير.
    ختاماً لهذا المقال، وليس لحبائل الوصل، هل الوعي وحده يكفي؟
    يتفق المقال مع غرامشي في أن “تشكل الوعي” هو الخطوة الأولى للتحرر، لكن القراءة المادية التاريخية تضع شرطاً إضافياً: الوعي يجب أن يتجسد في ممارسة.
    إن استعادة البصيرة التي ينشدها د. حبو تتطلب ما هو أكثر من “توجيه الفارس”؛ تتطلب انتزاع “لجام الفيل” من القوى التي تستثمر في تغييبه. الممكن في السودان لن يصنعه الوعي النظري وحده، بل الوعي الذي يدرك تناقضات المصالح المادية ويعيد تنظيم المجتمع على أسس إنتاجية وعدلية جديدة
    ——————-
    ردّ الكاتب: د. صلاح أحمد الحبو

بهذا المعنى، فإن هذه القراءة التي قدّمها الأستاذ محمد بشير لا تقف عند حدود النقد، بل تنخرط في إنتاج المعرفة ذاتها، وتغدو شريكاً أصيلاً في مشروعٍ أوسع يمكن تسميته—دون ادعاء—“الكتابة من أجل المستقبل”. كتابةٌ تراهن على أن الوعي، حين يُعاد بناؤه نقدياً، ويتصل بالفعل، يمكن أن يتحول من مجرد إمكانية ذهنية إلى قوة تاريخية تُعيد صياغة الواقع، وتفتح للسودان أفقاً حقيقياً نحو سلامٍ مستدام، لا يقوم على تسوياتٍ هشة، بل على وعيٍ جمعيّ ديمقراطيّ يدرك شروطه ويصنع ممكنه.
ولا يفوتني في هذا المقام أن أتقدّم بخالص الشكر والتقدير للأستاذ محمد بشير حاج، الذي كتب هذه القراءة اليوم بعمقٍ ومسؤوليةٍ معرفية، فكان نصّه إضافةً نوعيةً، لا إلى هذا المقال فحسب، بل إلى فضاء النقاش السوداني الأوسع. كما أن قيامي بعرض هذه القراءة والتعليق عليها إنما هو إقرارٌ بقيمتها، واعترافٌ بأن إنتاج المعرفة لا يتم في عزلة، بل في تفاعلٍ خلّاق بين عقولٍ تنشغل بالهمّ الوطني ذاته، وتسعى—كلٌّ من موقعه—إلى الإسهام في تشكيل وعيٍ قادر على تجاوز الأزمة وصناعة المستقبل

habobsalah@gmail.com

عن صلاح الحبو

صلاح الحبو

شاهد أيضاً

حوّل الوعي الحداثي

حوّل الوعي الحداثي: من حكايات العم حسن الطيب عدلان إلى قراءة نقدية في الفصل السادس …