لا بد أن يذكر أبناء جيل السبعينات حلقة البرنامج التلفزيوني الذي كان يقدمه الأستاذ عبدالباسط سبدرات التي إستضاف فيها الرائد زين العابدين محمد أحمد عبدالقادر عضو مجلس قيادة مايو ووزير الشباب والرياضة، وكان حديث الحلقة عن الشعر والأدب والفن، وزين العابدين “رحمه الله” لمن لا يعرف، كان بارعاً في عزف العود وصاحب صوت شجيّ ورخيم، وفي الحلقة تغنّى “الزين” كما يفعل المطرب المُحترف، وأثناء سير الحلقة فوجئ المشاهدون بشخص يعترض كادر الكاميرا ويتجه صوب مقدم الحلقة وضيفه، ثم سحب كرسي وجلس إلى جانبهما، ليعرف الناس أنه الرائد أبوالقاسم محمد إبراهيم نائب رئيس الجمهورية.
إرتبك سبدرات للحظات قبل أن يُبادر أبوالقاسم بتفسير حضوره المفاجئ فقال: “أنا كنت قاعد في البيت بعاين في التلفزيون، ومما شفت صاحبي “الزين” طوالي دوّرت عربيتي وجيت محصلكم” ثم إلتفت إلى سبدرات وهو يقول له مُعاتباً: “إنت ليه بتعزم الزين وما بتعزمني؟”.
حاول سبدرات الخروج من الورطة بتوجيه سؤال للرائد أبوالقاسم يعيد به الحلقة إلى مسارها، فقال له: “نحن كنا نتكلم عن أغاني الفنانين الكبار، فمن يُطرِبك منهم؟” أجاب أبوالقاسم في سرعة وكأنه كان يتوقع السؤال: “أنا لا تقول لي الكاشف ولا أبوداؤود ولا عشة الفلاتية، أنا فناني أهو ده” قال ذلك وهو يُشير إلى زين العابدين بأصبعه وقد كاد أن يلمس أرنبة أنفه، ثم مضى يقول: “الزين ده فناني من نحن في الكلية الحربية”.
عند إذاعة الحلقة (كانت على الهواء)، كان النميري في زيارة خارج السودان، ولما عاد وجد هذا الموضوع وقد أصبح حديث الشارع الذي كان يقول بأن أبوالقاسم لم يكن في حالة طبيعية. في تلك الفترة كان للرئيس النميري برنامج تلفزيوني يُقدّم شهرياً بإسم “بين الشعب والقائد” يتلقى فيه الرئيس أسئلة المواطنين ويُجيب عليها على الهواء، وفي أول ظهور للنميري في البرنامج قال أنه سمع بما يتردد حول الموضوع، وأنه شاهد تسجيل الحلقة عدة مرات، ولم يجد شيئاً يؤخذ على نائبه أبوالقاسم وجزم بأن الأخير كان في حالة طبيعية ولكن المشكلة هي أن الناس لم يعتادوا رؤية المسؤولين الكبار في مثل هذه البرامج الخفيفة وهم يتحدثون على سجيتهم.
الخطأ يكمن في الجزء الصحيح من تفسير النميري، ذلك أن الإنسان لا تظهر حقيقته إلاّ إذا كان على سجيته بغير أن يرسِم لنفسه صورة غير التي يراها الناس، فصاحب التفكير السليم والذهن المُرتّب يكون في هذه الحالة وهو يُمارس عمله الرسمي في الوزارة أو السفارة ويبقى على ذات الحالة وهو يجلس للسمر مع أقربائه وأصدقائه.
خلال هذا الإسبوع شاهدت مقطعين مُصوّرَيْن لا يزال يجري تبادلهما على “الواتساب” يظهر فيهما الرئيس البشير على طبيعته وهو يتسامر مع من حوله، الأول طريف ولا غبار عليه، وهو مقطع جرى تصويره أثناء زيارة الرئيس للمطرب حمد الريح في منزله، وحوى المقطع لقطة يظهر فيها الرئيس وهو يرفع صوته عالياً بالغناء بعد أن أخذ به الطرب مبلغاً أثناء وصلة غنائية قدمها أحد الشباب، وهذا شيئ طبيعي مما إعتاد عليه الناس، فليس هناك خبر في أن يُغنّي أو يرقص الرئيس، فالخبر لو أن الذي كان يُغنّي أو يرقص مسئول آخر مثل غندور أو إبراهيم أحمد عمر.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم