عبد المنعم عجب الفَيا
كتب جمال محمد أحمد:
“.. الشيخ انتا ديوب، والشيخ هنا اسم علم، لا صفة للموصوف. أثار هذا المؤرخ الاجتماعي الأول في القارة اعجابا بكدحه، وكده، وقدراته العلمية، وأثار عجبا لأنه انتهى في دراساته نهايات، ما سبقه إليها احد.
ينكر عليه المنبتون من سدنة التاريخ، عباد كل ماثور، نهاياته لأنها، فيما يقولون، تقوم على مختارات بعينها من الوثائق، يدفع عنها بكلتا يديه. كل وثيقة لا تخدم نهايته التي قرر من قبل، لا تستاهل عنايته. ياخذون عليه انه يسوق بين يديه العبارات والأسانيد، التي تقوم حجة على ما حلم به في البدء وأراد.
لكني لا احفل بهذا، أكثر سدنة التاريخ يريدون لك ان ترصد الذي وقع، لا تحس، لا تفكر. تجلس على السور بين بين، كانك في عرض ازياء لا دخل لك فيه. لا ينكر الواحد قيمة الراصدين، حراس الوثائق، لكني لا أعتقد أن هذا هو التاريخ كله. إنه شطر حقيق باحترامي، لكني احب ان أقرأ فيه ما أرى، لا أقف عند النصوص، اسفنجة تمتص ثم تعود سيرتها الأولى، تذبل.
يظل الرصد جسدا لا حرارة فيه، إلى أن يمسه الاحساس باليد الواثقة العادلة، يستقيم روحا وجسدا، يمشي بين الناس.
ولعل الشيخ انتا ديوب، كان ينظر بعين حذقة الي اسلوب “فيكو” في كتابة التاريخ، وكراوتشي، وكلاهما لاتيني، عاش قبل زمانه، وإلى ادموند ولسون الذي كتب خير ما أعرف عن نشأة الفكر الاشتراكى في أوربا في كتابه “في محط فنلندا”، مقتفيا آثار فيكو وكراوتشي..
رأى الشيخ انتا ديوب غير الذي راى الناس منذ المؤتمر الأول لكتاب الزنوج في العالم كله عام ١٩٥٤ في باريس.. مقدمات نشر أكثرها في كتابه (الشعوب الزنجية والثقافة).. كتاب ضخم، حشد فيه بعض الذي يعرف الإنسان المعاصر عن الحفريات الأثرية، في القارة يعرض عليك بعض الذي كتب علماء وصف الإنسان، الانثروبولوجيون، يعرج بك على الفلسفة الوضعية، يقف عند الذي يعرف من تاريخ الإنسان الأفريقي، القرآن الذي يعرف، والكتاب المقدس الذي درس، يضعهما مكانهما من التقاليد الأفريقية، كيف تأثرت بها وكيف أثرت عليها، ثم ينتهي من قراءاته هذه وخبراته إلى حقيقة ارتبطت باسمه هو، وهي مكان تساؤل عند المؤرخين التقليديين، يقرأ وينقب ويجد نفسه قد احاطها بكل فرع من فروع المعرفة، يزعم لك ان التجربة المصرية، وكل الذي نعرف عن حضارة مصر، تنتمي لأصول زنجية قديمة، قدم تلك الحضارة، هي الجذور وحضارة مصر الفرع الأخضر. يدلل بالشواهد، يقول :
“لكل أفريقي ان يتجه نحو تلك الحضارة، إنها تهديه هداية تشد من عزمه على النحو الذي فعلت الحضارة الاغريقية الرومانية في وجدان الإنسان الأوربي المعاصر. الحضارة المصرية القديمة هي مصدر الإلهام للإنسان الأفريقي، لأنها نبتته، جذوره، انها مبرر وجوده حضاريا وثقافيا، إن اغفل هذا لن يكون ذاك الإنسان. إن اغفل الأوربي منابع حضارته وثقافته الاغريقية والرومانية، ألقى نفسه معلقا في فراغ، لا قاعدة يجلس عليها، يبتدع. هكذا نحن في القارة. إن اغفلنا حضارة مصر، نمتها حضارتنا ونمتنا هي بدورها، بقينا على الذي نحن فيه، لا قاعدة نقف عليها، يبدأ يومنا امس فحسب حين جاءنا الأوربي، تاريخنا بضع من تاريخه هو، وما هكذا الأمر “..
ظلموا كاتبا تجري في دمائه كتب “ديدرو” واخوته من الموسوعيين في القرن الثامن عشر من تاريخ الفكر الفرنسي. يقيني انه كان يدحض نظرة قال بها الأوربي عن أفريقيا. قالت النظرة إن الانسان الأفريقي لا يملك تاريخا جذوره إليه تمتد. إنه شطر من ظواهر أفريقيا، على الدارسين ان يدرسوها مع الشجر والغاب والبيئة، إنه بيئته، لا تاريخ له منفصل عنها.
طوف انتا ديوب، بالمكتوب والمنقوش والمقول عن أفريقيا، كما فعل مع شامبليون مثلا ينقل عنه :”كان البيض في قاع الهمجية السفلى، آخر الدرج من سلم الإنسانية، حين كان المصريون والسودانيون والنوبيون على قمة الدرج”.
ووقف لدى عالم الآثار المصرية “املنين” ينقل عنه: “لم تنحدر الحضارة المصرية من أصول اسيوية. إنها تنتمي لأصول أفريقية”.
وراح يعزز هذا الذي اشاع الفرحة في نفسه ونفس كل اسود قرأه، بالذي كتب “فولني” الذي عرف بكتابه عن مصر والشام حين طوف القطريين في ١٧٨٢- ١٧٨٥ قال: “أهل مصر وجوهم ممتلئة، تخالها اول وهلة انها منتفخة، وعيونهم أقرب إلى أن تكون جاحظة، وأنوفهم أقرب إلى أن تكون فطساء، وشفاههم كثة. خليط من الناس، لا ريب عندي”.
ويصف “فولني” ابا الهول من بعد، يقول :”حسبت هذه الظواهر الجسدية من صنع المناخ المصري، لكن وقفة فاحصة لدى ابي الهول، اضاءت لي الطريق. عرفت. ذكرت وانا أرى ذلك الراس الضخم، والسمات الزنجية، عبارة أثرت عن هيرودتس الذي ما نطق عن هوى في كل الذي كتب. قال: انا اعتقد ان الكليشان مصريون، انهم سمر البشرة مثلهم، وشعرهم اجعد”.
نهايات ارتفعت لها اهداب الكثيرين عجبا، أحق هذا الذي يحمله لنا هذا الفتى السنغالي؟.. لكن الشباب الأفريقي اقبل على ما يكتب الشيخ انتا، يشيع في نفسه الأمن والطمأنينة، إنه ليس بضعا من شجر وغاب، إنه إنسان..
سيعدو الشيخ انتا ديوب عمر الرومانسية بعد قليل، واكبر ظني أن هؤلاء الذين يحفون به، لن يكونوا إلى جنبه، حين تاتيه أزمات من لا يفقهون. قدراتهم في “دفن الليل” لأشباهه، يخافونهم، يعرفون انهم في السباق النظيف يخسرون، في السباق الوحل يربحون. وأرى حتى ساعتي هذه التي اكتب، اخريات الخمسينات واوئل الستينات، أن داوود صيام واشباهه، بيدهم أمور السنغال وافريقيا، والشيخ انتا ديوب لا تذكره إلا قلة لا تهاب”.
- المصدر:
من كتاب (وجدان أفريقيا) لجمال محمد أحمد، صدرت الطبعة الأولى عن دار النشر جامعة الخرطوم سنة ١٩٧٣ (منقول عن الطبعة الثانية، ١٩٩٦، ص ٧٢ – ٧٥) .
هوامش: - اصدر الشيخ انتا ديوب كتابه الأول بالفرنسية سنة ١٩٥٤ تحت عنوان : Nations Negre et Culture ” الشعوب الزنجية والحضارة”.
ثم اصدر الكتاب الثاني بالفرنسية سنة ١٩٦٧ تحت عنوان: Anteriorite des Civilisations Negres. “اسبقية الحضارات الزنجية”.
وأما الترجمة الإنجليزية فقد صدرت سنة ١٩٧٣ واشتملت على فصول من الكتابين (٩ فصول من الاول وثلاثة فصول من الثاني) تحت عنوان : The African Origion of Civilization ” الأصل الأفريقي للحضارة”.
وفي العربية صدرت ترجمة عن كتابه الأول بالقاهرة سنة ١٩٩٥ تحت عنوان (الجذور الزنجية للحضارة المصرية).
عبد المنعم عجب الفَيا
٢٢ يناير ٢٠٢٦
abusara21@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم