جمال محمد أحمد يحكي عن ثورة أكتوبر ١٩٦٤

عبد المنعم عجب الفَيا

كتب جمال محمد أحمد * :
“عزيزي عادل لك الحب والود وبعد،
لن استطيع ان أصف لك الأيام المجيدة التي عاشها السودان في الأيام العشرة بين الأربعاء ٢١ أكتوبر حين انفجرت الثورة في الجامعة وكأن دم القرشي كان الفتيل ينتظره الحطب، والجمعة ٣٠ أكتوبر حين تكونت حكومة السر الخليفة، تتسلم السلطات من العسكريين.
اخترت لهذا ان ارسل لك هذه المذكرة التي قرأتها على الصحفيين في بيت السودان، عقب عودتي من الخرطوم. لو كتبت لك لكتبت على نحو آخر، ولكني لا أجد الوقت، فاقنع بهذه إلى ان تقرأ، من يدري، يوما من الأيام، كتابا كالذي كتبه “جون ريد” عن ثورة اكتوبر الاشتراكية في روسيا (عشرة أيام هزت العالم).
ثورة السودان لم تهز العالم ولكنها هزت دنيانا نحن، على نحو ما عرفناه حتى أيام الصراع مع الاستعمار. لو رأيت المتاريس تقام مساء الاثنين ٩ نوفمبر لعجبت.
كان الناس يتهامسون يومها أن هناك انقلابا عسكريا يدبر في سلاح الدبابات الذي يقوده شقيق اللواء محمد نصر عثمان، وسلاح الخدمة الذي يقوده قريب لحسن بشير، واجتمع عدد قليل من أعضاء الجبهة القومية للهيئات، في نادي الجامعة يبحثون ويتجادلون، ولكن فاروق أبو عيسى، وانت تعرفه، اشفق، وجرى على الاذاعة يقول في صوت مؤثر باك، أن هناك انقلابا رجعيا يدبر ضد (ثورتنا الخالدة).
وما كان من حقه أن يفعل، فالأمر لم يتعد همسا تتناقله الناس. من ناحية، الاذاعة لم تعد أداة للشعب الثائر، يهرع إليه من يشاء، بل أداة في يد حكومة يؤيدها الناس، كل الناس. ولكنه كما قلت اشفق. قال أراد أن يحتاط للأمر: الاذاعة تنهي بثها في الحادية عشر، ولم يكن باقيا من الوقت غير عشرين دقيقة. أخطأ في التقدير، لكنه دون أن يدري، أثبت أن الشعب لم يدع فرصة للعسكريين.
اقاموا المتاريس على الجسور، الطرقات، أندية الضباط، وكل مكان يحتمل أن تجيء منه الدبابات، وتدفقوا حيث أرادت لهم الاذاعة ان يتدفقوا حول نادي أساتذة الجامعة، حول مجلس الوزراء، حول الاذاعة يحفرون الخنادق حولها، يحولون بينها وبين الجيش. ليلة دلت على تصميم الشعب ضد عودة الجيش، وعدنا في الواحدة صباحا لمنازلنا، وقد تأكد لدينا أن الاشاعة غير صحيحة.
اما مخاوفك، فما اعقلها واحكمها. كل من يعرف التركيب الاجتماعي والاقتصادي للسودان، يشفق على هذه الثورة العظيمة من الخلافات الشخصية. وأقول الشخصية عمدا، ولو شئت لقلت المذهبية. الأحزاب القديمة، الوطني والأمة، لا تختلف كثيرا بينها في برامج الحكم، وتختلف كثيرا في مسائل شخصية. والمذهبيون من الشيوعيين والإخوان المسلمين، قلة من المتعلمين، ولكنها تملك تنظيما واسعا، تستطيع أن تنحرف بالناس الي مذاهب لا حاجة لنا بها في السودان. ولاء هذين المذهبين لغير السودان. الشيوعيون، أكثرهم أعني، ينظرون إلى موسكو وبكين. والإخوان المسلمون، ينظرون لمثل في الحياة السياسية، لا وجود لها في عالم الصراع هذه الأيام. كلاهما بعيد عن السودان وما يحتاج، وإن كان في كل حزب منهما، أفراد يحترم الواحد لقدرته وشجاعته. والذي نحتاجه الان أكثر من القدرة والشجاعة، نحتاجهما، ونحتاج معرفة قوية بسوداننا وحاجات ووسائل تحقيق تلك الحاجات: سياسات (برقماتية)، كما يقول الأمريكيون. فقد انتهى عهد المذاهب، سياسات علمية تنبثق من واقع الناس أو (ايمبيريكال)، كما يقول الإنجليز الاقدمون”.

هوامش:

  • من رسالة إلى ابنه عادل جمال، من كتاب (جمال محمد احمد، رسائل وأوراق خاصة) عرض وتحليل: عثمان محمد الحسن، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى،. ١٩٩٢م، ص ٥٩، ٦١

عبد المنعم عجب الفَيا
١٨ ديسمبر ٢٠٢٥

abusara21@gmail.com

عن عبد المنعم عجب الفيا

عبد المنعم عجب الفيا

شاهد أيضاً

في أساليب الكتابة

عبد المنعم عجب الفَيا “.. وعندي أن المعنى العميق للأسلوب، المعنى الذي يجب أن تعنيه …