عبد المنعم عجب الفَيا
لو سالت عن مراجع أجنبية في دراسات المتنبي وشعره، فسوف يذكرون لك في مقدمة ما يذكرون “بلاشير”. وهم يعنون الفرنسي ريجيس بلاشير Regis Blachere وكتابه الموسوم: (أبو الطيب المتنبي- دراسة في التاريخ الأدبي) وهو اطروحة لنيل درجة الدكتوراة من جامعة باريس، وقد صدر الكتاب بالفرنسية سنة 1935 وترجم إلى العربية، وصدرت الترجمة في طبعتها الأولى عن دار الفكر بسوريا سنة 1975.
وعندي ان تزكية هذا الكتاب يعد نموذجا صارخا على “عقدة الخواجة” التي تسكن غالبية الباحثين والمثقفين العرب، كما يمثل هذا الكتاب في نفس الوقت، كما نرى، مثالا حيا على الاستعلاء الأوربي الأجوف.
فهذا الرجل ليس له بصر بالشعر، ويفتقر الي الحس النقدي، وتعوزه المعرفة بابجديات لغة الشعر وأدوات الخلق الشعري. وفوق ذلك معرفته باللغة العربية وأساليب بيانها متواضعة، ومحصوله منها لا يؤهله إلى قراءة الشعر العربي القديم قراءة سليمة دعك من فهمه وتذوقه وإصدار الأحكام النقدية على أعظم شعراء العربية. وتنصيب رجل بهذه المواصفات ليكون المرجع الأول في الحكم على الشعر العربي ممثلا في المتنبي يثير الكثير من الأسئلة التي تنطوي الإجابة عليها على حقائق مؤلمة ومحزنة.
الذين يزكونه يزعمون انه قدم دراسة موضوعية طبق فيها المنهج التاريخي على سيرة المتنبي وإنتاجه الشعري. وهذا أبعد ما يكون عن الحق. فهو في الجانب التاريخي لم يزد ان كرر ما ورد في كتب التراث العربي عن سيرة المتنبي وما كتبه من سبقه من المستشرقين الذين انصفوا المتنبي وشهدوا بعبقريته الشعرية. والتدثر بالمنهج التاريخي ما هو الا غطاء وتعمية لتمرير أحكام ذوقه النقدي السقيم للحط من قدر المتنبي وشعره ومن مكانة الشعر العربي على وجه العموم.
والحقيقة ما صدر عنه في حق المتنبي وشعره، ليست أحكاما نقدية وإنما شتائم وسباب واساءات مسفة لا علاقة لها بلغة البحث العلمي وتقاليده ولا ادري كيف اجيز البحث بهذه اللغة المسفة. فهو يصف قصائد المتنبي وصوره الشعرية: “بالهراء والسخف والسماجة والتفاهة والنكات والألعاب البهلوانية”،ص ٣٥٨ وفي أحسن الأحوال يصفها “بالمبالغات اللامعقولة والتشبيهات الغريبة”.
فعلي سبيل المثال يصف قصيدة للمتنبي بالقول: “بلغ فيها التشدق حدودا مضحكة ومثيرة”. كما يصف قصيدة أخرى بكونها “تافهة جدا” ص ٢٢٠ وأخرى “بها أبيات تافهة مضحكة” ص٢٠ وأخرى “رديئة وقصيرة النفس”. ويصف أخرى بانها “رطانة وصفية”. ويقول عن شعر الحكم عند المتنبي على سبيل المثال: “لقد دس المتنبي كعادته في المديح حكما تافهة جدا”. هذه أمثلة فقط وغيرها كثير.
وهكذا لا يكف بلاشير في طول الكتاب وعرضه عن اطلاق هذه الأوصاف على كل قصيدة أو أبيات يقف عندها دون ان يقدم اي حجج او أسباب توضح لماذا هذه القصيدة أو تلك الأبيات تافهة وسخيفة الخ. ولكنها الفاظ وعبارات طائشة يطلقها بلا وازع من معرفة أو حس نقدي سليم أو رادع من أمانة علمية واكاديمية.
ومن واقع اطلاعنا المباشر على الترجمة العربية لكتاب بلاشير نورد فيما يلي بعض الأمثلة التي تبين جهله بفن الشعر وجهله باللغة العربية وأساليب بيانها.
في رائعته المشهورة التي يقول فيها:
وردٌ إذا ورد البحيرة شاربا
ورد الفرات زئيره والنيلا
يشبه الشاعر الممدوح بالاسد في الشجاعة، وهذا من التشبيهات القريبة جدا والبدهية في المجاز اللغوي القائم على الاستعارة، ولكن بلاشير يجهل هذا التشبيه الدارج، فينكره دون أن يرف له جفن، ويعلق قائلا: “وهل تصح المقارنة بين الأسد ملك الحيونات وقاهره الرجل”. ص ١٤١
ومن ذلك أيضا أن بلاشير يعجز عن التمييز بين لفظتي: “اوه” و “واها” ودلالة كل منهما وذلك في قول الشاعر في مطلع القصيدة :
أوه بديلٌ من قولتي واها
لمن نأت والبديل ذكراها
أوه لمن لا أرى محاسنها
وأصل واهاً وأوه مرآها
يورد بلاشير هذه الأبيات ثم يصفها بقوله: “هذا النموذج من أكثر أنواع الهراء في الديوان”. ص ٣٥٧
ولم يزد على ذلك، ولم يبين للقارىء كيف تحول هذا البيان السحري إلى هراء. فقد أشكل عليه ادراك الفرق بين دلالة قول الشاعر “واها” وقوله: “أوه”، فظن “المسكين” أن الشاعر يتلاعب بالألفاظ فيصف قول الشاعر بالرطانة.
والحقيقة غير ذلك. فلفظة أوه من التأوه وهي تفيد التوجع. وواها للتهليل والاستبشار والتعجب والاستحسان. والمعنى أن الشاعر حين هجرته حبيبته، صار يتأوه توجعا لفراقها وهو الذي كان أيام الوصال يصيح واها، كلما رآها، وذلك تهللا وفرحا بطلعتها. أي أنه كان حين يراها يقول:” واها” وحين هجرته صار يقول: “أوه”.
لذلك لا عجب ان يقف بلاشير حائرا امام بيت آخر في ذات القصيدة، وهو قول المتنبي:
كل جريحٍ ترجى سلامته
إلا فؤاداً دهته عيناها
هذا التشبيه الأخاذ الذي يحيل رشقات العيون إلى سهام، مألوف جدا في البلاغة العربية والشعر العربي. ولكن بلاشير يتخذ من عجزه عن فهم البيت فضيلة، ويعلق بكل عجرفة قائلا: “لا أحد منا يتأثر بالصنعة في أسلوب المتنبي وبالتكلف في تشبيهاته وصوره ورشقاته، ولعل أحد من متحذلقي القرن الثامن عشر يعجب بالرطانة العشقية التي احتواها هذا البيت”. ص ٣٧٩
وإذا كان هذا حال بلاشير مع هذا البيت البسيط في صورته، فأنى له أن يتذوق صورة شعرية مركبة على شاكلة قول المتنبي في قصيدة أخرى :
مثلتِ عينكِ في حشاي جراحةً فتشابها كلتاهما نجلاء
ومن الصور الشعرية المركبة التي عجز بلاشير عن استيعابها صورة وردت بقصيدة نظمها المتنبي في صباه، مادحاً محمد بن عبيد الله العلوي، حيث يشبه الشاعر في أحد أبياتها نعله بالناقة، وقد قصد الممدوح راجلا. يقول:
لا ناقتي تقبل الرديف ولا
بالسوط يوم الرهان أجهدها
شراكها كورها ومشفرها
زمامها والشسوع مقودها
كان المتنبي يومئذٍ صبيا، لا يملك دابة يمتطيها للسفر إلى الأمير غير نعله، فشبه هذه النعل بالناقة، فجعل شراك النعل، وهو السير، مكان رحل الناقة، وجعل زمام النعل بمنزلة المشفر وهو بمثابة الشفة في الإنسان، وجعل الشسوع وهي سيور النعل التي تتخلل الأصابع، بمثابة الرسن وهو مقود الناقة.
غير أن بلاشير لم يستطع استيعاب هذا التشبيه الطريف البعيد والذي لا يتأتى إلا لعبقرية شعرية مثل عبقرة المتنبي، فحكم على هذه الصورة الطريفة بالشذوذ والغرابة. يقول:” ولعل أحد المعبين بالشاعر مالارميه المولع بالشاذ عن الطبيعة، لا يسؤوه أن يرى المتنبي يشبه حذاءه بالناقة”.
ان بلاشير يرى في تشبيه النعل بالناقة مخالفة لمظاهر الطبيعة، فهو لا يزال رهين النظرة التقيلدية التي تحصر الفن في محاكاة الواقع برغم ما انجزته مذاهب الحداثة النقدية الأوربية المتأخرة عن الحداثة الأدبية النقدية العربية.
وأما المقارنة بين هذه الصورة وصور الشاعر الفرنسي “مالارميه” فهو اقرار غير مقصود من بلاشير بأسبقية الشعر العربي إلى الحداثة الشعرية. ذلك ان الشاعر مالارميه هو رائد الرمزية الفرنسية، وتشبيه صوره الشعرية بصور المتنبي يعد تتويجا للمتنبي بوصفه رائدا للحداثة الشعرية من رمزية وسيريالية وغيرها وذلك قبل أن تعرف هذه المدارس النقدية في أوربا بمسمايتها المعروفة بها الان.
هذه أمثلة فقط أردنا ان نثبت من خلالها للقارىء جهل بلاشير بفن الشعر ولغته وباساليب البيان العربي.
وأما جهل بلاشير باللغة العربية على مستوى المفردات والتراكيب، فقد وجدنا الدكتور المغربي/ حسن الأمراني قد رصد عددا منها بكتابه: (المتنبي في دراسات المستشرقين الفرنسيين) وذلك باطلاعه على اصل النص الفرنسي للكتاب، وهو الأمر الذي لم يتوفر لنا، وكنا قد عثرنا على كتاب الامراني اثناء الإعداد لكتابة هذه المقالة. وفيما يلي إليكم بعض مما ورد بكتاب الدكتور الامراني في هذا الخصوص.
يقول المتنبي في مطلع القصيدة:
حتام نحن نساري النجم في الظلم
فما سراه على خف ولا قدم
والمعنى إلى متى نظل نجاري سير النجوم في السماء، ونحسب الأيام والليالي، والنجوم لا تسير بالقدم مثل الإنسان ولا بالخف مثل الإبل. الخف كناية عن الابل، ولكن بلاشير لم يفهم المعنى فيترجم كلمة الخف: نعال sandales بالفرنسية.
ويقول المتنبي بقصيدة أخرى:
أوه بديل من قولتي واه
لمن نأت والبديل ذكراها
واصل المعنى: “قولتي واه، اي وا شوقي للتي بعدت وتركت ذكراها”. فيعجز بلاشير عن فهم عبارة: “لمن نأت” اي لمن بعدت، فيترجمها: “لما لقيتها من جديد” La belle que je
retrouvai
ويستهل المتنبي قصيدة أخرى بالقول:
ألا كل ماشية الخيزلى
فدى كل ماشية الهيدبى
الخيزلى، مشية للنساء فيها استرخاء. والهيدبى مشية للابل فيها سرعة. فالمقابلة إذن بين النساء وبين الابل، التي هي عند الشاعر حبال النجاة.
ولكن بلاشير يجعل المقارنة بين ناقة وأخرى. فتاتي ترجمته مبكية مضحكة في ان، حين تجعل المقارنة بين الناقة البطيئة والناقة السريعة.
“ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل ان بلاشير يرقم البيت ليساعدنا على التنغيم، فيجعل في آخره علامة استفهام. وهذا من العجب، أو قد يكون قد ظن أن الهمزة من أداة الاستفتتاح، أداة استفهام”.
ويقول الشاعر في قصيدة أخرى مشهورة:
انا في أمة، تداركها الله،
غريب كصالح في ثمود
الجملة الاعتراضية “تداركها الله” بمثابة دعاء لهم ان يدركهم الله بعنايته. لكن بلاشير يجعل الدعاء لهم،دعاء عليهم، فيترجمها: “لعنهم الله” Qu Allaha le’crase
ثم يعلق بلاشير على شرح الواحدي قائلا: “إن الواحدي يجيز ان يكون المعنى: ليغفر الله لها”. واضعا علامة تعجب امام تفسير الواحدي، رغم انه التفسير السليم”.
ويقول المتنبي في مطلع قصيدة مشهورة:
عش عزيزا أو مت وانت كريم
بين طعن القنا وخفق البنود
فيعجز بلاشير عن فهم معنى عبارة: “خفق البنود” وهي الأعلام والرايات مرفرفة، فيترجمها: “قرع الطبول وضجيجها”. Bruit des tambours
ومن الصور الشعرية التي تجاوز بها المتنبي الذوق النقدي السائد في زمانه، وأثارت حفيظة النقاد التقليديين، قوله في الرثاء:
صلاة الله خالقنا حنوط
على الوجه المكفن بالجمال
فيأخذ بلاشير بوجهة نظر نقاد المتنبي في هذا البيت، ويقتبس قول البرقوقي في شرحه ديوان المتنبي: “وقال بعض من يغلو فيه، هذه استعارة. فقلت صدقت، ولكنها استعارة حداد في عرس”. حداد بكسر الحاء، الحزن على الميت. ولكن بلاشير يعجز عن فهم النص فيقرا عبارة “حداد في عرس” بفتح الحاء في حداد، فيترجمها كذلك :
que sont
celles dun forgeron a une noce
نكتفي بهذا القدر من الأمثلة في التدليل على جهل بلاشير بفن الشعر وباللغة العربية وأساليب بيانها، ومن أراد المزيد فليراجع المصادر المذكورة.
المراجع والمصادر:
١- ريجيس بلاشير، ابو الطيب المتنبي، ترجمة ابراهيم الكيلاني، دار الفكر، سوريا، ط١، ١٩٧٥
٢- حسن الامراني، المتنبي في دراسات المستشرقين الفرنسيين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ص ١٠١ إلى ١٠٦
عبد المنعم عجب الفَيا
١٦ يونيو ٢٠٢٦
abusara21@gmail.com
