دكتور محمد عبدالله
في الثلاثين من يوليو 2005، أقلعت مروحية تقل الدكتور جون قرنق دي مبيور من أوغندا في رحلة كان يفترض أن تعيده إلى جنوب السودان. غير أن الرحلة انتهت بكارثة، إذ تحطمت المروحية فوق جبال الأماتونغ، وأُعلن نبأ وفاته رسمياً في الأول من أغسطس ، بعد ثلاثة أسابيع فقط من أدائه اليمين نائباً أول لرئيس الجمهورية. لم يكن السودان يومها يودع قائداً عسكرياً فحسب، بل كان يطوي صفحة بدت، في نظر كثيرين، فرصة نادرة لإعادة رسم مستقبل الدولة السودانية.
عرفت أجيال من السودانيين تختلف حول جون قرنق في كل شيء تقريباً، لكنها تكاد تلتقي عند حقيقة واحدة: أن رحيله المبكر غيّر مسار التاريخ السوداني، وأن ما أعقبه لم يكن بالضرورة ما كان سيحدث لو كُتب لذلك الرجل أن يعيش سنوات أطول.
وبعد أكثر من عقدين على رحيله، لا يزال السؤال مطروحاً: هل رحل جون قرنق قبل أن تتاح للسودان فرصة حقيقية لاختبار مشروع الوحدة؟
وُلد جون قرنق عام 1945 في قرية وانغولي بولاية أعالي النيل، وتلقى تعليمه في تنزانيا ثم الولايات المتحدة، حيث نال درجة الدكتوراه في الاقتصاد الزراعي. وكان بإمكانه أن يمضي في حياة أكاديمية مستقرة، لكنه اختار طريقاً مختلفاً مع اندلاع الحرب الأهلية الثانية عام 1983، فأسس الحركة الشعبية لتحرير السودان وجيشها، لتصبح خلال سنوات قليلة القوة العسكرية والسياسية الأبرز في جنوب البلاد.
وما ميّز قرنق عن كثير من قادة الحركات المسلحة أنه لم يرفع، في بدايات مشروعه، شعار الانفصال، بل طرح فكرة ” السودان الجديد” ، وهي رؤية تقوم على إعادة بناء الدولة على أساس المواطنة المتساوية، وتقاسم السلطة والثروة، وإقامة دولة تتجاوز الانقسامات الدينية والعرقية والجهوية. وقد ظل هذا المشروع محل خلاف واسع؛ فبينما رآه أنصاره رؤية تتجاوز أزمات السودان التاريخية، اعتبره خصومه أقرب إلى الطموح السياسي منه إلى البرنامج القابل للتنفيذ. ومع ذلك، فقد بقي واحداً من أكثر المشاريع السياسية إثارة للنقاش في تاريخ السودان الحديث.
استمرت الحرب أكثر من عشرين عاماً، أنهكت البلاد وخلفت ملايين القتلى والنازحين واللاجئين، إلى أن توجت مفاوضات نيفاشا في كينيا بتوقيع اتفاقية السلام الشامل في يناير 2005. ولم تكن الاتفاقية مجرد وقف لإطلاق النار، بل إطاراً لإعادة تنظيم العلاقة بين الشمال والجنوب، من خلال منح الجنوب حكماً ذاتياً لست سنوات، يعقبه استفتاء لتقرير المصير، إلى جانب ترتيبات لتقاسم السلطة والثروة، ومشاركة الحركة الشعبية في الحكم القومي، ليصبح جون قرنق بموجبها النائب الأول لرئيس الجمهورية ورئيس حكومة جنوب السودان.
كان وصوله إلى الخرطوم حدثاً استثنائياً. فقد خرجت مئات الآلاف لاستقباله، من الشمال والجنوب، ومن مختلف الانتماءات الدينية والسياسية. وبدا ذلك الاستقبال، في نظر كثيرين، مؤشراً إلى أن قطاعات واسعة من السودانيين كانت مستعدة لمنح السلام فرصة، مهما بلغت صعوبة الطريق إليه.
لكن تلك المرحلة لم تدم طويلاً. فلم يمكث قرنق في منصبه سوى واحد وعشرين يوماً، ورحل قبل أن تبدأ المرحلة الأصعب من اتفاقية السلام: مرحلة اختبارها على أرض الواقع، وتحويل بنودها من نصوص تفاوضية إلى مشروع سياسي قابل للحياة.
بعد وفاته، تبدلت موازين كثيرة. تولى سلفا كير ميارديت قيادة الحركة الشعبية، وازداد حضور الخطاب الداعي إلى الانفصال، بينما فقد مشروع ” السودان الجديد” الشخصية التي ارتبط بها أكثر من أي شخصية أخرى. وفي المقابل، لم تُظهر الحكومة في الخرطوم من الإرادة السياسية ما يكفي لجعل خيار الوحدة جاذباً، كما نصت اتفاقية السلام نفسها. وعندما جاء استفتاء عام 2011، صوّت الجنوبيون بأغلبية كاسحة لصالح الانفصال، لتولد دولة جنوب السودان، وينتهي فصل طويل من تاريخ السودان، بينما تبدأ تحديات جديدة في الدولتين.
يصعب الجزم بأن بقاء قرنق كان سيحول دون انفصال الجنوب؛ فالتاريخ لا يعرف الإجابات الافتراضية، وكانت سنوات الحرب الطويلة قد خلّفت واقعاً بالغ التعقيد، لا يستطيع شخص واحد تغييره. لكن من الصعب أيضاً تجاهل أن رحيله المبكر حرم اتفاقية السلام من الشخصية التي ارتبطت بها أكثر من غيرها، وأفقد مشروع الوحدة أبرز المدافعين عنه، في لحظة كانت تحتاج إلى قيادة استثنائية قادرة على بناء الثقة بين طرفين أنهكتهما الحرب.
ولم يؤد انفصال الجنوب إلى الاستقرار الذي راهن عليه كثيرون. فقد توالت الأزمات في السودان؛ من النزاعات المسلحة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، إلى الثورة الشعبية، ثم الانقلاب، وصولاً إلى الحرب التي اندلعت عام 2023، والتي تهدد اليوم ما تبقى من مؤسسات الدولة.
وإذا كانت تجربة انفصال الجنوب قد طرحت أسئلة صعبة حول مستقبل الدولة السودانية، فإن الحرب الدائرة اليوم تطرح أسئلة أكثر خطورة، تتعلق بقدرة الدولة نفسها على البقاء، وبإمكانية استعادة فكرة الوطن المشترك في ظل تمدد السلاح، وتراجع السياسة، وتآكل مؤسسات الحكم.
ولهذا تبدو ذكرى جون قرنق مناسبة للتأمل أكثر منها للحنين. فقد أدرك الرجل، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه، أن أزمة السودان لم تكن في العلاقة بين الشمال والجنوب وحدها، ولا في التنوع الديني أو العرقي في حد ذاته، بل في عجز الدولة عن بناء عقد وطني يقوم على المواطنة والعدالة وتقاسم السلطة والثروة. وربما كانت هذه هي الفكرة التي لا تزال تحتفظ بقدر من راهنيتها، رغم تغير الوقائع والظروف.
لم يكن جون قرنق نبياً سياسياً، ولا كان معصوماً من الخطأ. شأنه شأن سائر القادة، حمل مشروعاً أصاب في بعض جوانبه وأخطأ في أخرى. لكن رحيله المبكر أغلق صفحة قبل أن تُقرأ فصولها كاملة. وبعد أكثر من عشرين عاماً، لا يزال السودان يعيش تداعيات أسئلة لم تجد جواباً: هل كان يمكن لاتفاقية السلام أن تقود إلى دولة مختلفة؟ وهل كان الانفصال قدراً لا مفر منه، أم نتيجة لفرصة لم تكتمل؟
تلك أسئلة سيظل التاريخ السوداني يطرحها، حتى وإن تعذر عليه أن يجيب عنها.
muhammedbabiker@aol.co.uk
